التسميات

شعر علي طه النوباني دراسات ومقالات قصص علي طه النوباني شعر ميسون طه النوباني علي طه النوباني قصص عبد الله الحناتلة شعر أدونيس ترجمات شعر الوأواء الدمشقي شعر المتنبي شعر كمال خير بك شعر الشيخ الأكبر بن عربي شعر العباس بن الأحنف شعر د. عطا الله الزبون شعر هاشم سوافطة شعر هناء مسالمة فعاليات ثقافية مقالات تحميل كتب شعر البحتري شعر د. إبراهيم السعافين شعر يوسف الخال أخبار شعر أبو العلاء المعري شعر أبو نواس شعر أمل دنقل شعر إبراهيم ناجي شعر د. شفيق طه النوباني شعر شفيق المعلوف شعر مصطفى صادق الرافعي شعر أحمد دحبور شعر أحمد مطر شعر إيليا أبو ماضي شعر الحلاج شعر الشنفرى شعر الصمة القشيري شعر العراس بن الأحنف شعر المثقب العبدي شعر بشار بن برد شعر توفيق زياد شعر خلدون بني عمر شعر رابعة العدوية شعر زهير بن أبي سلمى شعر سميح القاسم شعر طارق بنات شعر عبد الله البردوني شعر مجنون ليلى شعر مجنون ليلي شعر مظفر النواب شعر نازك الملائكة شعر نزار قباني قصص د. شفيق طه النوباني مقامات حديثة

الأحد، 11 مارس 2012

جرش: حديث الجبال والكروم


بقلم : علي طه النوباني


الجبال أيضا تحكي قصصها القديمة المدهشة، تحنو على أرواح من سكنوها عبر ألوف السنين، زرعوها عنباً وزيتوناً, ورووها بعرقهم تارة وبدمهم ودموعهم تارة أخرى. وجرش عروسة العشق والدوالي، ذاكرة المكان التي تتحدى النسيان ، جالسة في حضن الجبال منذ آلاف السنين، يكاد زيتها يضيء، ودواليها ساحرة لها ألف جناح، أشارت لروما وفي يدها خصلة من عنب؛ فجاءت إليها أرتيموس متعبدة في محرابها، بانيةً لها هياكل السحر والخلود.
أنا جبل قرب سوف، شهدت مواسم الكروم والدوالي على مدى القرون، كان الفلاحون يرقبون قطوف العنب حتى تصير مثل حبات اللؤلؤ؛ فيتنادون إليَّ صغاراً وكباراً، نساءً ورجالاً، حاملين معهم قطع الأخشاب والحطب، ومع الغروب كانوا يوقدون ناراً كبيرة يراها التجار في درعا؛ فيجهزون قوافل الجمال المحملة بالبضائع ليستبدلوها بالعنب.
وهنا بالقرب مني، ما زالت شجرة البطم الكبيرة تتدلى من غصونها بواقي قطع من القماش الأخضر:
قماشة أمِّ علي: قالت إن زوجها رحل بعيداً، ولم يعد، بكت طويلاً حتى تبلل ثوبها الأسود، ثم ربطت قطعة القماش على الغصن وتنهدت قائلة: يا رب ترجع الغياب ... نظرت إلى السماء ... وتمتمت: يا مجري السحاب. وابتعدت وأنا أسمع صوتها.
تميمة فاطمة: قالت إنَّ حضنها يشتهي طفلاً من زوجها الفارس الشجاع، طفلاً يتربى بين الزيتون والكروم، يحدق نحو رؤوس الجبال الشاهقة، وهو يمتطي مهرته الكحيلة، ويجوب جنان جرش من قفقفا إلى برما، يعدُّ أعشابها البرية، ويروي عيونه من ألق الألوان في فضاء جرش.
تنهدت فاطمة ولم تمسح دموعها، قالت أقسم إذا رزقت بطفل أن أسميه على اسمك أيُّها القديس، وأن آتي إليك كل عام؛ وأقرأ الفاتحة لروحك ألف مرة.
ذهبت فاطمة وقد أشع من عينيها شيءٌ ما يشبه المطر في سنوات الوسم المبكر، وأنا جبل قديم خبرت فصول السماء، وخطوات القديسين، وأحلام فاطمة التي عادت بعد عام وعلى يديها طفل الكروم أدهم.
وأنا طرون، جبل قرب ساكب، قُـبَّـةٌ خضراءُ تقابل قُــبَّــة السماء، منفوشة باللزاب والصنوبر، تموج بالذكريات والأغاني، مرّ قربي شرحبيل بن حسنة مع جيش الفتح، وشوشني القائد العظيم : عانِقني أيها الجبل لكي أقرأ شيئا من ذاكرتك الملتهبة، لنسكن معا في عالم الخلود. عانقته وقرأنا معاً حرفاً عربياً قُـــــدَّ من قميص الصحراء؛ فامتزجت روحه بصلابة السنديان وألق اللزاب.
وأنا جبل النبي هود، باركني نبيٌّ قدّيس؛ فَسُمّيت باسمه، كان يمسح بيده على ترابي كلَّ يوم؛ فينبثق نور باهر من بين يديه؛ يغمر فضاء جرش الأرجواني. أنّى نظرتَ من جرش تراني مثل شرفة معلقة بين الأرض والسماء، رأيت جرش في كلِّ أحوالها، عامرة في عصور خلت، ثم مستوحشة خالية ثمَّ عامرة من جديد. رأيتُ أدهم العربي وهو يتجول قرب نهر الذهب ممتطياً ظهر الكحيلة، يجلس طويلاً قرب نبع القيروان، يتأمل خرخشة الحور في الوادي، أزيز الحشرات، قامات القصب، خرير المياه، زقزقة العصافير، ثمَّ ينظر نحو المباني الرومانية العريقة، يتساءل: كيف كانوا يرفعون هذه الحجارة الكبيرة، أيةُ أغان كانوا ينشدون، هل كان بينهم فارس عاشق مثلي، ومعشوقة مثل زينب، هل كان لزينب الرومية خدٌّ يمزج حمرة السماق بخضرة الدوالي.
 وعندما يعود أدهم، يلاقي أمه وهي تخبز أرغفة القمح الأسمر في الطابون، ترقُّ قطع العجين، تضعها في فوهة الفرن برشاقة، ثم تستخرجها مثل وجه القمر في منتصف الشهر، وهي تغني:
   يمّه ي أدهم*
لا تبعد كثير .... ترى بالقلب ونّه
وتراب قريتنا لن نور الزيتون
بيحنن المحتار ألف حنّه
يمه ي أدهم ...يمعلق بروحي
لا تبعد كثير
لو وادي جرش جنة
غرِّب على الدير
وارمح بين الدوالي
ومن غدران سوف
سلم على الغوالي
وبين جبال ساكب قهوتك بالعلالي
******
يمه ي أدهم
شوفتك بالمضافة
تحكي مع الرجال
وتنعث اللولو.....حكمة وحصافة
خيّال الجبل ي أدهم
ي معلق بروحي
يالمجبول بترابنا
يا دواء جروحي
ترى الولي قلي
إنه الشجر والميّْ
والحجر والفيّْ
والعشق والناس
قصة جرش ي أدهم
يهلل وجهها وهي تستقبل فارس الجبال، وتروي له عمّا أعدت من أصناف الطعام، وما سمعت من أخبار الحيّْ. يتأمل أدهم وجه أمه الذي يفيض محبة، يتمنى لو يحتفظ معها باللحظة إلى ما لا نهاية قرب رغيف أسمر مثل الأرض الطيبة التي تفوح بعبق الأزمان الخالية، ولكنه في الوقت نفسه يسمع في أعماق روحه أهازيج الحصاد، وأغاني الفلاحين وهم يعمرون الأفق بالخير والثمار، بالسمن واللبن، بالحكايات الجميلة والبدايات المشرقة.
أبو محمد: بنتقي السنابل النضرة ذات الحَبِّ الكبير الأصفر كالذهب، يُخبئه للعام القادم لكي يُحَسِّنَ نوع القمح، ولكي تبقى روح الحكايات مختزنة في رغيف الخبز العبق بعطر الحياة، ومن سمرة هذا الرغيف ينسج روح الإنسان في قفقفا و جبا و بليلا و برما.
وأبو حامد: يرعى الزيتون مثلما يرعى أولاده، يعرف من لون الشجرة، من رائحتها كل شيء عنها: طعمَ زيتها، حاجتها إلى الماء، انزعاجَها من الحشرات. لقد ولد مع الزيتون ليحتفظ بحياة خالدة مشعشعة كزيته، تروي قداسة أرضٍ نبعت منها أضواء الحضارة كما الشمس.
وأبو قاسم جاء من فلسطين لينقل نفحة من روحها الطاهرة إلى حقول جرش: يعرف متى تشرق البامياء بخضرتها المخضبة بالحمرة الداكنة، ونكهتها العميقة، ومتى تتفتح أجراس السمسم فوق سقوف التراب، لتمنح للمارين في الشوارع بهجة التواصل مع حركة الطبيعة وسحرها.
تخيَّل أدهم جرش وهي تُبنى حجرا حجرا بزنود أبنائها الطيبين، تُقابل المدينة الأثرية القديمة مثل توأم خالد يعجُّ بالحياة والذكريات، يتعايش فيه التنوع ليثري وجه الأردن بصفحةٍ وضاءة من سفره الخالد.
ظلّ أدهم يتردد على الوادي إلى أن شاهد قوماً يعمرون جرش من جديد، يبنون بيوتهم إلى الشرق من جرش الرومانية، ينقلون الحجارة والأخشاب على عربات قوية تجرها الثيران، يزرعون الحبوب ويربون الماشية مثل سائر الفلاحين، ومرةً بينما أدهمُ جالسٌ قرب عين القيروان، وقف بالقرب منه شاب وقال: أنا ميرزا، فحيّاهُ  قائلاً: وأنا أدهم، ومنذ ذلك اليوم نشأت بينهما صداقة حميمة، جابا معاً أودية جرش وجبالها. تناولا معاً المنسف الأردنيَّ والشيبس والباسته الشركسي، وجالسا تجاراً جاؤوا من الشام وأنشئوا سوقاً أمَّها الناس من كافة المناطق المجاورة.
قال أدهم لابنه عليّ: يا ولدي جرش مثل أمك زينب، معشوقة تمنح العرفان والتجلي،كوكب ضمَّ سفر الخلود، ياقةٌ من التاريخ تزرع في روحك سفر الأجداد، فاقرأ في كتابها واصنع من ترابها مشعلاً للحبِّ والإخاء.

  



                  1- الأغنية من تأليف الكاتب

اقرأ أيضاً على حبيبتنا

أنشودة العرب، شعر: علي طه النوباني  

بنما دولة بعيدة... ومُشوِّقة جدا  

الأزمة الاقتصادية، ومصالح الطبقات  

قراءة في رواية دموع فينيس لعلي طه النوباني  

عَهْدُ فلسطين - عهد التميمي  

كذبة نيسان  

الشوكُ جميلٌ أيضا  

«مدينة الثقافة الأردنية».. مراجعة التجربة لتعزيز الإيجابيات وتلافي السلبيات  

المشنقة  

البيطرة  

قصة نظرة  

عملية صغرى  

سيجارة على الرصيف  

بالشوكة والسكين والقلم  

نهاية التاريخ؟ مقالة فرانسيس فوكوياما  

الدولة العربية الإسلامية / الدولة والدين/ بحث في التاريخ والمفاهيم  

شهامة فارس  

جذورالحَنَق الإسلامي برنارد لويس  

صِدام الجهل : مقالة إدوارد سعيد  

صدام الحضارات؟ صموئيل هنتنغتون 

الفضائيات والشعر  

كأسٌ آخرُ من بيروت 

عمّان في الرواية العربية في الأردن": جهد أكاديمي ثري يثير تساؤلات 

تشكّل الذوات المستلبة  

مشهد القصة بين الريف والمدينة  

وحدة الوجدان والضمير  

«المنجل والمذراة».. استبطان الداخل  

دور المثقف والخطاب العام  

جرش: حديث الجبال والكروم  

في شرفة المعنى 

المثاقفة والمنهج في النقد الأدبي لإبراهيم خليل دعوة للمراجعة وتصحيح المسيرة  

!!صديق صهيوني  

عنترُ ودائرةُ النحس  

فجر المدينة  

مقامة الأعراب في زمن الخراب  

دورة تشرين 

الغرفُ العليا  

الصيف الأصفر  

حب الحياة: جاك لندن 

قصة ساعة كيت تشوبن 

قل نعم، قصة : توبايس وولف 

معزوفة الورد والكستناء  

منظومة القيم في مسلسل "شيخ العرب همام"  

ملامح الرؤية بين الواقعية النقدية والتأمّل  

الرؤية الفكرية في مسلسل «التغريبة الفلسطينية»  

"أساليب الشعريّة المعاصرة" لصلاح فضل - مثاقفة معقولة  

كهرباء في جسد الغابة  

جامعو الدوائر الصفراء  

صَبيَّةٌ من جدارا اسمُها حوران  

 


 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق