آخر المقالات

آخر المقالات
جاري تحميل المقالات...
‏إظهار الرسائل ذات التسميات دراما، مسلسل تلفزيوني. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات دراما، مسلسل تلفزيوني. إظهار كافة الرسائل

السبت، 18 فبراير 2023

افتعال الصعود الدرامي في فيلم "الحارة"

 

بقلم: علي طه النوباني

يتسلق (علي) من سطح البناية على أنابيب المياه والمجاري في وضح النهار ليدخل غرفة لانا (ابنة الكوافيرة أسيل)، وعلى الرغم من خطورة ما يفعلانه في حيٍّ شعبي محافظ؛ فإنهما لا يقومان بإغلاق الستارة، والتي لا تحتاج إلى شيء سوى حركة بسيطة من يد أحدهما. ولكيلا يقول أحد: لا يوجد ستارة على الشباك؛ فإنه يمكن مراجعة المشهد الذي تؤنب فيه (أسيل) ابنتها لدى تلقيها فيديو الابتزاز ليرى الستارة بوضوح.

وبمناسبة الحديث عن إغلاق الستارة؛ ينبغي أن نتذكر أنه بعد أن ضرب عباسُ علياً؛ وأكد عليه ألا يقترب من (لانا)، يذهب (عليّ) إلى سطح العمارة التي تسكن فيها (لانا) ليعطيها جهاز هاتف نقال ويقنعها بالهرب، وفي تلك اللحظة يرى (عباس) من شباك شقته وهو يضع النقود في القاصة الحديدية، فتلمع في ذهن (علي) فكرة سرقة (عباس). وعباس أيضا هنا يقدم تسهيلات مجانية للمخرج بأن لا يغلق الستارة رغم أنه يخبئ أغلى شيء لديه وهو المال!

يتمكن (صبري) من تصوير (توتو- زوج أسيل ووالد لانا) وهو ينقل جثة (علي) على الرغم من أن مسرح الجريمة (بيت الدرج) ذو إضاءة خافتة، فضلا عن أن جدرانه بنيت من القرميد ذي الفتحات الصغيرة التي لا تسمح بالتصوير إلا إذا افترضنا أن صبري ملتصق على الجدار من الخارج ويمد الزوم في واحدة من الفتحات الضيقة!

وهكذا فإن (صبري) لم يفته حدث مفصلي في حياة أسرة (أسيل) و (توتو) في الليل أو النهار إلا وقام بتصويره، وكأنه يقضي أربعا وعشرين ساعة مقابل شقة أسيل!

 ولماذا شقة (أسيل) بالذات؟ والتي هي كوافيرة عادية جدا كما يبدو من صالونها ومن مكان شقتها وأثاث شقتها. بل إن (صبري) لا يفوته أن يصور مشهد تعرّي (لانا) الذي افتعلته أسيل لاستدراجه، وكأن أسيل تمتلك قدرة بارا سيكولوجية خارقة لدعوته في الوقت الذي تريده.

كيف يمكن ل (صبري) أن يصادف أربعة مشاهد هي الأبرز في حياة لانا وأسرتها؟ وكأن لديه جاسوسا في بيت أسيل! وهل يمكن لعمل درامي جاد أن يقبل هذا العدد الكبير من الصدف؟

لا نحتاج إلى خبرة كبيرة بالأسلحة النارية لنعرف أن حامل المسدس يكون في أقوى حالاته عند الوقوف على مسافة أمتار من الشخص الذي يريد السيطرة عليه، لكن (علي) يضع المسدس على أنف (عباس)؛ فيذعن له عباس على الرغم أن حركة صغيرة وسريعة من قدم عباس أو يده ستجعل (علي) يطلق في الهواء غالبا، وهو تصرف يناسب شخصية (عباس) أكثر من حالة الإذعان التي رأيناه عليها والتي أوصلته إلى أن مزق (علي) لسانه.

يضرب عليٌّ عباساً بكعب المسدس على رأسه؛ فيسقط مغشيا عليه، فيشد وثاقه، ثم يجبره على البوح بالرقم السري للقاصة الحديدية، ويأخذ النقود ويهرب، وعندما تأتي (هنادي) إلى عباس؛ تفك وثاقه بحركة سريعة، وكأنه مربوط بخيط عنكبوت، لقد قرر المخرج أن يحول (عباس) من وحش كاسر إلى نملة هكذا دون أي مبرر أو مقدمات كافية.

وعندما وصل التهديد الأول ل (أسيل) حول مشهد (لانا) مع (علي)، يتغافل الفيلم عن مسألة جوهرية في الثقافة الشعبية، وهي أن تتساءل (أسيل) كأم إلى أي مدى وصلت علاقتها مع (علي)، ثم تقرر أن توافق على خطبتها من شخص آخر دون أي إضاءة على هذا الجانب. هل يقصد المخرج-المؤلف بذلك أن (أسيل) قد لجأت إلى طبيب ليعالج أمر ابنتها؟ أم يقصد أن الأمر لم يصل إلى تلك الدرجة؟ أم يقصد أن أسيل لم تفكر في هذا على الإطلاق خلافا لأي أم تقليدية!

ثم تهرب (لانا) مع (علي)، ويدخلان إلى الشقة المفروشة، ويظهران وهما ينامان على سرير واحد في وضع رومنسي حيث يداعب كل منهما الآخر، وتنتقل الكاميرا نحو اللوحة التي فوق السرير في إيحاء واضح بأن العلاقة قد اكتملت كما اعتدنا في السينما العربية. ويحدث هذا دون أن يحدث أي شيء يوحي بأن زواجا قد حدث.

في اليوم التالي يصحو (علي) فيجد (لانا) تجمع أمتعتها، فيسألها لماذا؟ فتشير إلى المسدس والنقود.

فيجيبها: المال: تحويشة العمر، والمسدس للحماية.

وهي إجابة كافية، فمن الممكن لشخص رسب في الثانوية أن يعمل في شركة كبيرة ويجمع الكثير من المال، ومن المناسب لشخص يخطف فتاة هاربة من أهلها أن يحمل مسدسا.

تصر (لانا) على (علي) أن يقول لها (ماذا يخبئ عنها أيضا؟) بحجة أنه خبأ عنها أنه راسب في التوجيهي، فيعترف (علي) بكل سذاجة بأنه سرق المبلغ من شخص حيوان حسب وصفه. فلا مُبرِّرً الشكِّ كافٍ، ولا استجابة (علي) بهذه البساطة مقبولة، وإنما هي إرادة المخرج مرة أخرى لا إرادة السياق العام لطبيعة الشخوص والمسار الدرامي.

وعلى الرغم من أن (لانا) هاربة من أهلها، وقد نامت ليلة كاملة في حضن رجل غريب، فإن المخرج يشاء لها دون مبرر كافٍ أن تتخلى عن (علي) وتخرج بعناد شديد رغم توسلات (علي)، بل يتبين أنها قد طلبت سيارة أجرة قبل الحوار الذي دار بينهما (وربما طلب المخرج لها السيارة)، فتقفز فيها عائدة إلى أمها!

الأنكى من ذلك أن يتبعها (علي) على الفور حاملا حقيبة وضع فيها مبلغا من المال ليدلّي الحقيبة أمام شباك (لانا) قبل أن تصل (لانا) إلى غرفتها، مع علمنا بأن سبب عودة (لانا) وغضبها من (علي) هو النقود ذاتها! أيُّ توليفة هذه؟ عروس تهرب في (صباحيتها) لأنها اكتشفت أن عريسها راسب في الثانوية ولديه مسدس ومبلغ كبير من المال؟ فيتبعها زوجها ويدلي لها المال الذي تركته بسببه من شباك غرفتها!

مشهدان عبثيان متتاليان، يتبعهما قتل والدة لانا ل (علي) في بيت الدرج والتقاط (صبري) مشهد الفيديو من العمارة المقابلة ومن ثقوب القرميد!

لا تلبث بعد ذلك أن تظهر (لانا) في صالون والدتها وهي تضحك بملء شدقيها على نكتة سمجة قالتها زبونة، وكأن ما حدث معها كان شيئا بسيطا لا يستدعي يومين أو ثلاثة من الذهول في مجتمع لا يرحم.

عندما يعلم الحلاق (بهاء) صديق (علي) بمقتل (علي) يتتبع الشقة التي أقام فيها (علي) قبل مقتله، ويذهب إلى الفندق، فيطلب مفتاح الشقة بحجة أنه من طرف فلان، فيعطونه المفتاح، وهكذا بكل بساطة يدخل الشقة، ويأخذ أغراض (علي) بما فيها النقود والمسدس؟ لقد قبلنا من المخرج – المؤلف أن يتجاهل وجود الشرطة لكي يركز على قيم الحارة، ولكن ليس إلى هذه الدرجة، فقد تجاوز الواقع بشكل كوميدي، وبخاصة أنه أعلن في كل المواقع أنَّ أحداث الفيلم تدور في أحد الأحياء الشعبية في عمان.

لقد بدت التمثيليات التي نفذها (بهاء) سخيفة وكوميدية وبخاصة أنه نفذها بالمال الذي أخذه من غرفة (علي) بطريقة غرائبية، ولكن مشهد (بهاء) مع جد (علي) برَّر ذلك على نحو لا بأس به، فالهدف هو المحافظة على سمعة الأسرة، وتمكينها من العيش بشكل طبيعي في مجتمع يراقب كل فيه الآخر، ويسجل عليه كل شيء، وهي فكرة متصلة بالخيط الذي ينتظم القصة وهي الحارة.

لقد كان أداء الممثلين متميزا، كما أنَّ عين الكاميرا استطاعت أن ترصد مشاهد تمثل حارة شعبية في مدينة كبيرة بشكل جميل ومؤثر، غير أنَّ المخرج - المؤلف ما زال يظن أنَّ من حقه أن يتلاعب بالشخوص والأحداث كما يريد، متغافلا عن الافتراضات التي وضعها هو أصلا والتي لا يجوز تجاوزها إلا بمبرر يقبله المشاهد الجادُّ الذي لا يبحث عن التسلية وحسب، وإنما يبحث أيضا عن الترابط الدرامي والنمو المعقول للأحداث والشخصيات. 

السبت، 2 أبريل 2022

تشويه صورة المقاومة الفلسطينية في فيلم "صالون هدى"

 


بقلم: علي طه النوباني

قبل أن أشاهد فلم " صالون هدى"، تلقيت أكثر من استفسار؛ ليس عن الفيلم؛ ولكن عن مشهد ظهور "ريم" عارية بعد أن قامت الكوافيرة هدى بتخديرها ونزع ملابسها؛ ليتم تصويرها وابتزازها من أجل أن تصبح عميلة للموساد الإسرائيلي.

ويكفي أن نذهب إلى محرك البحث جوجل ونكتب كلمتي " المشهد المحذوف.." حتى يظهر لنا بقية العبارة على النحو التالي: من فيلم صالون هدى"، فأغلبية الجماهير التي تعلن احتجاجها على المشهد، تقوم بإغلاق غرفة ما، وتبحث عنه حتى حفظ محرك البحث سلوكهم معبرين بذلك عن واحد من تناقضاتنا المزمنة بين الشكل الصوفي الذي يفيض بالزهد والتقوى، والباطن العامر بالرغبات والحاجات (والدنيا الزائلة) التي لا يمكن إنكارها ذاهبين بهذا إلى ما قاله زهير بن أبي سلمى:

ومهما تكن عند امرئ من خليقة         وإن خالها تخفى على الناس تعلم

هكذا استطاع مؤلف العمل ومخرجه إغفال المشاهدين عما بثه في الفيلم من أضاليل وخداع وركاكة درامية ظاهرة؛ وتزوير للحقائق؛ بحيث يمكن لكل من يتجاوز عن مسألة ظهور جسد "ريم" أن ينتبه للسقطات الكثيرة ويساعد الآخرين على النجاة من فخ الدراما الرخيصة غير البريئة التي تخدم مآرب العدو دون أن تتعمق بشكل متناسق في رؤية إنسانية تستحق المغامرة.

بعد أن قبضت المقاومة على الكوافيرة "هدى"، تقول "هدى" لمحقق المقاومة أنها تختار النساء اللواتي على خلاف مع أزواجهن لتساعدهن على الخروج من ظروفهن الصعبة، وهي بذلك تطرح رأيا غريبا مفاده أن الموساد الإسرائيلي يقوم بتمكين النساء الفلسطينيات اللواتي يقعن تحت قمع السلطة الأبوية للمجتمع (الأب، الزوج، الأخ، القبيلة، .....) من خلال الجاسوسية، وبالمقابل يبدو المحقق ضعيفا ركيكا وعاطفيا غير قادر على الرد على ما تطرحه "هدى"، بل إنه يقر بأن " مجتمعنا يحتاج إلى نفض" أي: تغيير شامل.

وتأكيدا لفكرة التمكين المزعومة؛ وفي الوقت الذي يكون مطروحا أمام "ريم" خيار إبلاغ المقاومة بأن ما حدث لها، حدث قبل يوم من القبض على "هدى"، وأنها لم تقم بشيء يجعلها عميله، فإنها تتجاوز عن ذلك؛ وتختار أن تتصل بمندوب الموساد لتطلب المساعدة من دولة الكيان، فيقول لها عميل الموساد "موسى" أنها لم تقدم أي معلومات بَعدُ للمخابرات الإسرائيلية وأنَّ دولة الكيان هي دولة قانون ومؤسسات، وهو بذلك إن عَنى أنه يتخلى عن "ريم" التي بَعد لم تُثبِت تعاونها، فهو يؤكد أنه يقدم الحماية لغيرها ممن أثبتن تعاونهن.

وحيث أن "ريم" تمتلك دليلا قاطعا على أنها لم تنخرط في العمالة، وهو أنها تعرضت للابتزاز قبل القبض على "هدى" بيوم واحد فقط، فإن تفضيلها الاتصال بمندوب الموساد على أن تتصل بالمقاومة هو إيحاء بأن المقاومة الفلسطينية غير عقلانية ولا تميز بين ظروف كل حالة على حدة. كما أنه يقول بشكل ضمني أن دولة الاحتلال بكل ما نعرفه عنها من إجرام وعسف أَرحمُ مِن المقاومة!

وفي مشهد غريب يقوم رجال المقاومة بالقبض على الشاب العميل الذي كان يساعد "هدى" في تصوير ضحاياها، ويقومون بإحراقه حتى الموت دون أن يخضع للتحقيق خلافا لما عرفناه عن المقاومة الفلسطينية من انضباط ووضوح في الإجراءات والعقوبات، فمن الموثق أن المقاومة تقوم بالتحقيق مع المشتبه بهم لأيام عديدة، وأنَّ عقوبة الموت تكون بالرَّميِ بالرَّصاص.

إذن، لماذا الحرق؟ إنها عملية ممنهجة في الفيلم للإساءة للمقاومة الفلسطينية، وكأن ضابطا في الموساد الصهيوني كتب السيناريو، وأخرج الفيلم!

تطلب "هدى" من المحقق أن يكون إعدامُها رَميا بالرَّصاص وليس شَبْحاً، وألا يكون الرصاص على وجهها. والعادةُ أنَّ الكلامَ في الدراما لا يكون عَفوَ الخاطِر، وأنَّ سكوتَ المحقق عليه يعني إقرارَه، فمن أين أتى صانعو العمل بفكرة أنَّ المقاومة تُعدم العملاء شبحًا أو رميا بالرصاص على وجوههم أو حرقًا؟

يعترف محقق المقاومة للكوافيرة "هدى" أثناء التحقيق أنه في طفولته ألقى حجرًا على سيارةٍ لشرطة الكيان، وقام بإرشاد جنود الاحتلال إلى بيت صديقه الطفل مُدَّعِيًا أنه هو من ألقى الحجر، فقاموا بقتل صديقه أمامه برصاصة في الرأس، أي أنَّه ضحى بصديقه لينجو بنفسه، وإذا ما تجاهلنا ركاكة فكرة اعتراف المحقق للكوافيرة هدى بحد ذاتها، فلن نستطيع أن نقفز عن سخافة فكرة أن تتبع سيارة الاحتلال طفلا صغيرا إلى بيته وتطلق النار على رأسه لمجرد أنه ألقى حجرا على السيارة، وإنما أراد صانعو العمل من هذه القصة الملفقة أن يصوروا المقاوم بأنه شخص ضعيف ومهزوز لا يمتلك منظومة قيمية ولا تقاليد راسخة.

تستغل "هدى" قصة المحقق لتجري مقارنة غير عادلة بينها وهي امرأة بالغة من جهة والمحقق وهو طفل من جهة أخرى فهي تضحي بصديقاتها من أجل أن تعيش، وهي مناوَرة أخرى من صانعي العمل لتبرير الخيانة بمقارنة غير محسوبة بين طفل صغير وسيدة يفترض أنها ناضجة من خلال قصة ملفقة توضع في فم المحقق.

تطلب "هدى" من المحقق أن يحضر لها ماء لتشرب، فيذهب هو شخصيا لإحضار الماء بينما تستغل هي الفرصة بإخفاء صورة "ريم" في صدرها، وعندما يكشف المحقق أمرها، تقول إن هذه السيدة بريئة دون أن توضح سبب براءتها مع أن السبب بسيط وهو أنه تم تصوير "ريم" قبل يوم من القبض على "هدى"، ولم يتضح أنها ستتعاون أم لا.

ومع ذلك، يتم تنفيذ الحكم بالموت على "هدى" دون أن تنطق بهذه الجوهرة!

هكذا، وكما هو الحال في الكثير من الأعمال الدرامية العربية، يتلاعب صانعو العمل بالشخوص كما يريدون هم، لا كما يريد منطق الأحداث وتفاعل الشخوص، إنهم يستخفون بالمُشاهد، ويسيئون إلى الدراما، ويقدمون مساهمتهم في تدهور أوضاعنا وصناعة الإحباط واليأس.

قبل خروج "هدى" لتنفيذ الحكم بالإعدام تمد يدها لتصافح المحقق، وهي مصافحة مقحمة على الموقف لا تعني شيئا على الإطلاق، فلا هي نالت تخريجا لأزمتها المعقدة بهذا اللقاء مع المقاوم؟ ولا هي اتفقت مع المقاوم فيما ذهب إليه؟ وإنما المصافحة هنا حركة مسرحية سخيفة لا تضيف شيئا إلى العمل سوى الإرباك والتشتت.

وكما هي الحال في الكثير من الأعمال الدرامية العربية يلجأ صانعو العمل إلى الصدفة، فعندما تنفد أسطوانة الغاز في اللحظة التي تحاول فيها "ريم" الانتحار بعد أن يتخلى عنها زوجها خوفا على طفلته من الطرفين: المقاومة والكيان الصهيوني في رسالة مبطنة تساوي بين المقاومة والكيان الصهيوني! وهي رسالة يختتم بها صانعوا العمل الفيلم إذ تتصل المقاومة بِ "ريم" مؤكدين لها أنَّهم أحرقوا الصورة، وأنَّهم يعرفون أنَّها بريئة، وأنَّ زوجها وابنتها بخير، ويريدون منها مساعدتهم في الوصول إلى عميل الموساد "موسى".

ينتهي الفيلم هنا موحيا بأن المقاومة تستغل أزمة "ريم" وما وقع عليها من ابتزاز وإساءة للوصول إلى عميل الموساد "موسى"، وموحِيًا أنَّ المقاومة في ذلك لا تختلف عن مخابرات الكيان مُسَلِّطًا الضوء على أزمة "ريم" التي تمَّ عَرضُها عَلى نَحو انتقائي تلفيقي مشوش، ومتغافلا عن أزمة شعب بأكمله يرزح تحت الاحتلال، ويمارس حقَّه المشروع في المقاومة.

هكذا إذن:

ريم تفضل أن تلجأ للموساد على أن تلجأ للمقاومة!

زوج ريم يخاف على طفلته الرضيعة من المقاومة!

المقاومة تحرق المشتبه بهم حتى الموت ودون تحقيق!

المقاومة تضغط على "ريم" للتعاون معها بنفس طريقة مخابرات الكيان!

لصالح مَن يحاول هؤلاء تشويه صورة المقاومة؟ وهل أبقت عجرفة الكيان الصهيوني وهمجيته لأي مثقف عربي هامشا ولو صغيرا للحديث عن خيار آخر غير المقاومة؟

هكذا هو فيلم صالون هدى: ظلمات بعضها فوق بعض، تَمَّ تصميمها مسبقا لتسريب عقل الهزيمة إلى المتلقي في ظل انشغاله بخرق تابو الجنس المسيطر على عقله منذ المشهد الأول. إنها تقنية مبتكرة ومحسوبة لصناعة عقل الهزيمة، وتفريغ المقاومة من كل بطولاتها وإنجازاتها لصالح عدوٍّ بات يغزونا من خلال صهاينة الداخل أكثر مما يستعمل أسلحته وقوته المباشرة.

 

 

 

 

 

 


السبت، 13 نوفمبر 2021

مسلسل الخواجا عبد القادر، ورحلةُ الطُّيور نَحو الطائر الأَكمل

 

بقلم: علي طه النوباني

أولاً: ملخص المسلسل:

ينبغي الإشارة إلى أن هذا الملخص لا يغني عن مشاهدة العمل، وإنما هو تعريف سريع للخطوط العريضة والشخوص الرئيسيين الذين دار حولهم العمل، وقد راعيت فيه ألا يفسد التشويق أثناء المشاهدة قدر الإمكان.

الخواجة عبد القادر عمل تلفزيوني مكونٌ من ثلاثين حلقة، كتبه عبد الرحيم كمال، وأخرجه شادي الفخراني، وشارك فيه عدد من النجوم منهم: يحيى الفخراني، سوسن بدر، أحمد فؤاد سليم، محمود الجندي، سلافة معمار، وغيرهم.

يقوم النجم المتميز يحيى الفخراني بدور هربرت دوبرفيلد المواطن الإنجليزي الذي سيصبح لاحقا الخواجة عبد القادر في رحلة تدمج الخيال بالواقع، والمعقول باللامعقول، منتقلًا من لندن إلى السودان إلى صعيد مصر، مثيرًا لدى المتلقي الكثير من المشاعر المتنوعة، والأفكار الكامنة، والأسئلة الصعبة.

يظهر هربرت/الخواجة عبد القادر في الحلقات الأولى في فترة الحرب العالمية الثانية وهو يشرب الخمر بشكل مستمر تحت أثر الإحباط الشديد لأسباب عديدة منها وفاة شخصين كان يحبهما كثيرا هما شقيقه، وزوج شقيقته في الحرب مع الألمان (الحرب العالمية الثانية)، واكتشافُه خيانَة زوجَتِهِ مارغريت. ويؤكد الطبيب أكثر من مرة أن هربرت سيموت خلال عام إذا لم يتوقف عن تعاطي الكحول؛ لكنَّ هربرت يعلن رغبته في الموت؛ لأنَّه لا يجد هدفاً لحَياته.

يدبر زميل هربرت مَكيدة لِنقلِ هربرت إلى السودان ليعمل في وظيفة هامشية في مَحجر متوقعًا أن يدفعه إلى الاستقالة، لكن هربرت يبدي رغبة حاسمة في الرحيل إلى السودان آملا أنْ يُسَرِّعَ ذلك مَوتَهُ. وهناك يلتقي مع شيخ طريقة صوفية يدعى الشيخ عبد القادر؛ فيتأثر به، وَيُحِبُّهُ كَثيراً، ويعلنُ هربرت إسلامَهُ تاركاً شُربَ الكُحولِ بشكل نهائي، وَمُغَيِّرًا اسمه إلى عبد القادر. ثم يُواظِبُ على حُضورِ جلسات الشيخ عبد القادر إلى أنْ يخلع عليهِ الشيخُ عبد القادر عباءَتَهُ، وهي مكانَة لا تُعطى إلا لِمن بَلَغَ مَرتبةً رفيعة.

تُؤسِّسُ الشركة الإنجليزية محجَرًا جديدا في صعيد مِصر، وتختارُ الخَواجَة عبد القادر ليدير العَمَل هناك، وهناك يعشق زَينب شقيقة زعيم البلدة عبد الظاهر عمران، ويخوض صراعًا صعبًا من أجلِ الزَّواج من زينب. ومن الجدير بالذكر أن قصة الخواجا كلها في المسلسل يرويها المهندس كمال الذي تكفل الخواجا عبد القادر بنفقة معيشته وتعليمه بعد وفاة والده، حيث يزاوج العرض الدرامي بين مرحلتين زمنيتين متباعدتين، فالمهندس كمال يروي وهو في عمر التقاعد ما حدث معه في الطفولة. وتتيح لنا هذه المعالجة المزدوجة الاطلاع على ما حدث مع الجيل التالي للخواجة عبد القادر وزعيم البلدة عبد الظاهر.

    ثانيا: المراجعة الدرامية النقدية:

تحت تأثير الحرب العالمية الثانية، وموت الأحبة، وخيانة الزوجة، يبحث هربرت دوبرفيلد عن الموت من خلال شرب الخمرة بكميات كبيرة ومتواصلة متجاهلا نصائح الطبيب وشروحاته حول الأضرار البالغة التي أصابت كبده إصابة بالغة.

وتحت تأثير قول الحلاج:

وَاللَه ما طَلَعَت شَمسٌ وَلا غَربَت                     إِلّا وَحُبُّكَ مَقرونٌ بِأَنفاسي

وَلا جَلستُ إِلى قَومٍ أُحَدِّثُهُم                          إِلّا وَأَنتَ حَديثي بَينَ جُلّاسي

وَلا ذَكَرتُكَ مَحزوناً وَلا فَرِحاً                            إِلّا وَأَنت بِقَلبي بَينَ وِسواسي

أقول، تحت تأثير إنشاد الشيخ عبد القادر في السودان لهذه الأبيات؛ يعلن هربرت إسلامه، ويغير اسمه إلى الخواجة عبد القادر، ويواظب على الحضور في حضرة الشيخ عبد القادر، فيصبح من أركانها حتى أن الشيخ عبد القادر يخلع عليه عباءته التي طالما تمناها مريدوه، فيتحول هربرت إلى شخص آخر تماما، يمنح الحب للناس، ويساند المستضعفين والمهمشين، ويملك الجرأة لمواجهة الظلم والتعسف، ولا يشرب الخمر.

لم يهتم الشيخ عبد القادر كثيرا بدقة الخواجا عبد القادر في أداء الطقوس الدينية، وهو في ذلك يركز على الباطن العامر بالحب والخير أكثر من الظاهر، ويعتمد على قدرته الخفية في كشف الباطن لدى كل من يتعامل معهم. وينتج عن ذلك إعادة تعريف الأشياء في عالم الخواجا عبد القادر الجديد، فالحب يَتكثَّف في قلبه ويشرق منه ليضيء عليه وعلى الآخرين الذين لديهم الاستعداد لفهم هذه اللغة والتعامل معها بنقاء وصدق.

ولكن، ماذا عن أولئك الذين لا يملكون أي استعداد لفهم هذه اللغة؟ إنهم على الأغلب يمثلون القطيعة المعرفية التي تُفرِّخ اللَّعنات على الحياة والناس، كالشيخ عبد الظاهر وزوجته وابنه يوسف، إنهم لا يفهمون الأسباب، وفقط يريدون النتائج، وربما كان أفضل مثال على ذلك عندما طلب أحمد من والده عبد الظاهر أن يجلب له الخواجا ليعلمه اللغة الإنجليزية، لقد كان دافعه أن يهزم (كمال) أو يتساوى معه على الأقل، وهو بذلك لا يرغب في المعرفة بحد ذاتها، إنه يرغب في الانتصار فقط؟

قال الخواجة عبد القادر للحاج عبد الظاهر: "ابنك حمار ولا يصلح لتعلم الإنجليزي".

هكذا انتهت القصة ولم يفهم عبد الظاهر ولا ابنه يوسف لغة الحب، لغة الشيخ عبد القادر/لغة الخواجا عبد القادر! ولكن الكثير من الناس التقطوا هذه اللغة:

صابر الأعمى مثلًا ألقى بندقيته، وقرر ألا يقتل أحدا بعد ذلك، لكنَّ عبد الظاهر قتله في الليلة ذاتها التي تاب فيها، وكشفه الخواجا عبد القادر قائلا:" وجهك فيه دم ".

شهاوية امتنعت عن استقبال طالبي المتعة، وتحملت الجوع وقسوة الناس، وانتهت إلى فخ عبد الظاهر الذي حبسها مربوطة حتى الموت رغم أنها تحمل في بطنها ابن أخيه زايد الذي تزوجها بعد توبتها.

وحتى المجرمون في السجن التقطوا لغة الحب وعقدوا حلقة للذكر في الليلة التي أعتقل فيها معهم الخواجة عبد القادر بوشاية من عبد الظاهر، فذهل ضابط الشرطة وزار بيت الخواجة معتذرًا.

إنَّ اسمَ عبدِ الظاهر يَدلُّ على مضمون الشخصية، فكل ما يعنيه هو ظاهر الأشياء، وهو غير معنى بتوبة شهاوية أو صابر الأعمى، وغير معني بقلب الخواجا عبد القادر العامر بالحب والتفاني، ولا بقلب زينب التي تحمل فيه القرآن، وتحمل فيه الإقبال على الحبِّ والحياة. كما أن اقتران اسم عبد الظاهر بكلمة "الحاج" يشير أن عبد الظاهر قد أدى فريضة الحج، ولكن الحج طقس ظاهري لا يغير باطن عبد الظاهر ولا ينعكس على سلوكه، وهو دائما يلجأ إلى طقس ديني ليخفف من خوفه من العقوبة على آثـــامه الكثيرة؛ وليس من أجل إعمار قلبه بالحب.

 عبد الظاهر يهدد بالألم آخرين لم يُعَرَّف الأَلمُ في لُغتهم كما لم يُعَرَّف الحب في لغته: "من أحب بصدق ما شعر بالألم، ومن شعر بالألم ما أحب"! لقد كرَّرَ الخواجة عبد القادر كثيراً للحاج عبد الظاهر: " أنا بحب أختك زينب" لكن هذه الكلمة لم تكن مُعَرَّفةً لديه على الإطلاق، إنها القطيعة المعرفية، إنها مسألة تتصل بوجود الأشياء أصلا قبل أن تُسمى، فكيف يدرك عبد الظاهر اسما لشيءٍ غير موجودٍ لديه أصلاً؟ وكيف يُدرِك معنى الدالِّ إذا كان لا يعرف المدلول أصلا؟

هل كانَ عبد الظاهر يمنع زواج زينب لأنه يخاف على ميراثها فقط؟ لقد لمَّحت زوجته "سَلطنة" غير مرَّة إلى أن هذا ليس حبَّ أخ لأخته! وكان عبد الظاهر يسكت على غير عادته، فماذا قصدت؟  هل قصدت أن الحبَّ العفيف غير موجود في معجم عبد الظاهر، وأنَّ هذا الكائن الذي لا يملك حبا في باطنه يتمنى أخته لولا الخوف من المجتمع والعادات والتقاليد، فيحتفظ بها متجمِّدا بين رغبته المجنونة وخوفه من مجرد التفكير بها، فإذا كان الأمر كذلك، فعبد الظاهر هو الأنا الجامحة التي تتجاوز كل الحدود من أجل الذات ومصالحها ورغباتها.  

وهكذا تقوم المقابلة بين أرباب الظاهر من جهة، وأرباب الباطن العامر بالحب من جهة أخرى مع تقديم العديد من الأمثلة:

إمامُ المسجدِ الشيخُ منصور ذو الشكل الظاهري النموذجي لرجل الدين يكذب ويوظف أحكام الدين للظلم على الرغم من أنَّه نشأ في بلاد الإسلام، وفي المقابل فإن الخواجة عبد القادر قد نشأ في لندن، ومظهره لا يشير إلى الظاهر النموذجي للمسلم؛ فقد دخل الإسلام من باب الحبّ عن طريق الشيخ عبد القادر، ولم يعرف الكثير من أحكام الدين الإسلامي وطقوسه، لكنَّهُ يميل إلى الحقِّ والعدلِ والخير، وقلبُه عامِرٌ بالحبّ.

يصاب الشيخ منصور بالصمم بعد أن يدعو عليه الخواجة عبد القادر، فيذهب إليه معتذرا طالبا الصفح، وعندما يعود له سمعُه، يَدَّعِي أَن ماءً قد دَخَلَ أذنَه، وأنَّه لا صِلَةَ للخواجة ودعائه بما حدث، إِنَّهُ نُسخة فَجَّة وكريهةٌ مِن عبد الظاهر يستعمل الطقوس ليتخفف من مَخاوِفِهِ من العِقابِ الإِلهي، وليس من أجل إنبات شجرةِ الحُبِّ وإنمائها في قلبه.

الحاجُّ زايد شَقيقُ الحاج عبد الظاهر والذي زَهَدَ في كُلِّ ما وَرثَهُ عن أبيهِ من مالٍ وأرض، وقضى سَواد عمره في شرب الحشيش وزيارة المومسات؛ تجدُهُ مُتعاطِفا مَعَ الحُبِّ والخير، بل إنه لم يجد مانعا من زواج زينب من الخواجا عبد القادر؛ غير آبه بالمعتقدات المتجمدة والقوالب الجاهزة التي تتناقلها الأجيال غَيرَ مدققة في جَوهَرِها غَيرِ الإِنساني.

المهم إذن هو الباطن أو أعمال القلوب والمقامات والأحوال وليس الظاهر، فإذا كانت القلوب عامرة وَجدَتْ حَبيبها أينما كانت، وأينما كان، وإذا كانت القلوب خرابًا؛ فإنها تنثر اللعنات على أصحابها وعلى المحيطين بهم. لكنَّ المحبينَ أربابَ الباطنِ العامرِ يَرحَلون إلى عوالم أكثر نقاء ويفنى أربابُ الظاهر في شقائهم الأبدي بين المومياءات تمامًا كما حدث مع يوسف عبد الظاهر الذي تَلقّى أكثر من إنذارٍ ليُطهِّر قَلبَهُ المُمتَلِئَ بالأَنانِيَّةِ دونَ أَيِّ فائِدة.

تزور زينب الخواجة عبد القادر فيما لا يميزه إن كان حلما أو حقيقة؛ فَتَطلبُ منهُ أَن يُحضر لها عصفورا يتكلم، وفستانا فيه خيط من فضة وخيط من ذهب، وماءَ زمزم.

 ولعلَّ الذَّهبَ يُشير إلى النُّبوة وهيَ أعلى مَراتِب القربِ من الله، أمَّا الفضة فتشير إلى الوِلاية وهي الرُّتبة الثانية في القرب من الله. وأمّا العصفور فربَّما يُشير إلى قِصة "مَنطِقِ الطَّير" لفريد الدين العطّار حَيثُ يقود الهدهدُ الطيورَ في رحلة نحو الطائر الأكمل والأجمل والسلطان المطلق مرورا بمراحل العشق والمعرفة والاستغناء والتوحيد والحيرة ثم الفناء والبقاء، فيتكبَّدون الصِّعابَ والمشقّات، ويموت الكثير من الطيور، ولا يصل إلى الحضرة إلا ثلاثون طائرا ليكتشفوا أنَّ الطائر الأَكمل هو صورة عنهم.

أمّا ماءُ زمزم فهو عند الصوفية يُغني عن الطعام والشراب لأيام طويلة، وزينب بِذلِك تُعلنُ لعبد القادر أنَّهما سَيَتَحمَّلانِ الكثير من المشقَّةِ والعَذابِ والجوع من أجلِ الوصول إلى الحب الجوهري الخالد! ولهذا فقد قال الخواجا عبد القادر للحاج عبد الظاهر أكثر من مرة: أريد أن أطلب منك شيئاً، ثم كانَ يغير الموضوع، ولا يطلب يد زينب، إلى أن اتخذ قراره الحاسم عندما اجتمع أهل البلدة قرب النيل، فأعلن طلبه أمام الناس جميعاً، وكأنَّما يدعو الناس جميعًا لِخَوضِ المَشقَّة والعَناء من أجل الحُبِّ الجوهَري الخالد والصورةِ الأكمل.

زينب بهذا تدعو الخواجة عبد القادر إلى التَّضحية، وَخوض رحلة الطير الصعبة من أجل الحب الخالد، لأنَّ الطائر الأكمل والحضرة ما هي إلا صورة عنهما، فماذا ينتظران، ولماذا يؤجِّلان رحلتهما نحو السعادة الأبدية، ولماذا يستسلمان لأولئك الذين يمتلكون ظاهرا أجوفَ لا قلب فيه ولا عشق، إنها تدعو الخواجا عبد القادر لرحلة شاقة مليئة بالتحديات يخوضانها معا بآلامها ومصاعبها؛ لكنها في النهاية رحلة نحو الخلود والسعادة الأبدية التي يتناسق فيها الظاهر مع الباطن وتُشرق العيون مستلهمة فيضها من القوة المطلقة التي ما هي إلا صورة عنهما.

لقد أعلن التسلسل الدرامي للعمل منذ الحلقات الأولى أن عالم الحلم المتداخل في الواقع هو جزء أساسي من بنائه، وقد نجح في ذلك أيما نجاح متكئًا على العمق الثقافي والبعد الصوفي المعرفي، وبقي متوازنا بحيث لم يبالغ في الاعتماد على الكرامات والقفزات عن المنطق، والتي لو حدثت فَسَوفَ تُسخِّفُ العَمَلَ وتُحوله إلى كوميديا غير مُقنِعَة، وتفقده تأثيره.

وقد أبدع الموسيقار الكبير عمر خيرت في الموسيقى التصويرية التي ساهمت بقوة في إشعال لحظات الإلهام والكشف، وبخاصة في التنويعات التي أبدعها على مقطوعة الحلاج:" والله ما طلعت شمس ولا غربت"، كما استطاع عمر خيرت بعبقريته الفذة تمثل روح العمل ودلالاته العميقة النابعة من عالم الروح والتي حاول العمل بنجاح باهر أن يمنح المُشاهد شيئاً من تَجلياتِه مهما كان المستوى الثقافي والمعرفي للمشاهد.

أما المؤلف عبد الرحيم كمال فقد نجح في دمج المعارف الصوفية المركبة في عمل درامي مميز يوظف الدوائر الصوفية التي تخلق التناغم والتناسق في فوضى الحياة، وتستدعي التفكير العميق بهدف تكريس بعض المواقف والدلالات، ومحو غيرها، وانتقل إلى الأفق الإنساني العالمي دون أن يخرج من المحلية المصرية في صعيد مصر بكل ما فيها من تناقضات مُعْلِيًا قيمة الحُبِّ في نفوس المتلقين، وزارعا بذرة التغيير في بور الجفاف الإنساني الذي تكرسه بعض القيم والعادات المتحجرة.

كما استطاع المخرج شادي الفخراني – على الرغم من أنه أول عمل له – استطاع أن يستوعب البعدين الدلالي والرمزي المعقدين لمكونات هذا العمل؛ فوظف طاقات النجوم المتميزين الذين قدَّموا أداءً صادقاً ينمُّ عن فهم عميق؛ وأخص بالذكر النجم اللامع في سماء الفن العربي يحيى الفخراني بما لديه من طاقات أدائية وشخصية استثنائية، والنجمة السورية سلافة معمار التي قدمت زينب بفهم عميق ومصداقية لا تخفى على أحد. ولا يفوتني أن أشير إلى الفنان المتميز أحمد فؤاد سليم الذي قدم دورا مركبا وصعبا للغاية بنجاح باهر طاول فيه رواد السينما العربية ونجومها الكبار.

قلت لأحد الأصدقاء أنني أكتب هذه السلسلة من المراجعات لإثراءِ الحسِّ الدرامي عندي شخصيًا، والبحثِ عن مدى قدرة الدراما العربية على المنافسة عالميًا، وقدْ وَجدتُ في هذا العمل مثالا قوياً على أحقية الدراما العربية في البروز عالميا لولا ما يشوب عالمنا اليوم من تحكمِ جهات غير بريئة في تحديد ما ينافسُ وما لا ينافسُ، ولو كان عالمنا ذا باطِنٍ مُشرِق بِالحبِّ والخير لتُرجم مُسلسل الخواجا عبد القادر إلى اللغات الحيَّةِ الأخرى، وحصل على جوائز عالمية، ووصلت رسالة الحبِّ القادمة من الشرق العظيم وَدُرَّتهِ الخالدة مصر لمعظم شعوب الأرض، ولكنَّ عالم اليوم يَحكمه أمثال عبد الظاهر والشيخ منصور مِمَّن لا يعرفون شيئا عن فكرةٍ عظيمة اسمُها الحُبّ.


الأحد، 2 يونيو 2019

مسلسل:" العاشق صراع الجواري، والإعلام العربي

بقلم: علي طه النوباني
على الرغم من أني أعرف نهاية الحلاج؛ إلا أنَّ عقلي يميل للغياب أحياناً وأنا أتابع مسلسل (العاشق/ صراع الجواري) متمنياً نهاية سعيدة للشيخ الجميل الذي أشرق مثل شمس في ظلمات الترهل والظلم والقمع. ثم أصحو على الحقيقة المرَّة متذكراً شهاب الدين السهروردي المقتول، وبشار بن برد، وابن المقفع، وغيرهم الكثيرين ممن قتلوا بسبب موقف أو رأي، وما زالوا يُقتلون.
لاحظتُ أنَّ هُجوماً كاسحاً قد تم توجيهه للمسلسل منذ الحلقة الأولى، فقائلٌ بأنَّ المؤلف اختار أن يسلط الأضواء على موضوعين رئيسين معا هما: الحلاج وصراع الجواري وسيطرتهن على الحكم وقصر الخليفة، إلى قائل بأن العرض قد جاء باهتاً منذ الحلقة الأولى.
والأدهى من ذلك أن البعض أخذ على المسلسل أن القناة التي أنتجته لم تقم بعرضه، بل إن واحداً من النقاد في موقع إلكتروني تابع لإحدى الفضائيات يقول بأن المسلسل لم يركز على غنوصية الحلاج وعلاقته بالقرامطة، وكأنَّ الغنوصية شتيمة، متناسياً أن الأديان السماوية كلها قد تأثرت بشكل أو بآخر بالعرفانية أو الغنوصية، والتي هي أفكار تحاول فهم ما هو إلهيّ وما هو بشري وما ينبثق عن ذلك من تدرجات محتملة.
يمكن لكل مؤلف يريد إنجاز عمل درامي عن الحلاج أن يتبنى وجهاً من وجوه النظر في هذه الشخصية المركبة، ويبدو أن العمل قد تبنى وجهاً لا يعجب المشرفين على منابرنا التي تعجُّ بالسخف والرخص، وَتَجاوزَ السقف المسموح حتى بالنسبة للقناة المنتجة التي لم تعرضه.
وإذا كان قد حدث ما حدث للحلاج في بغداد في أوجِ ازدهارها وتألقها كعاصمة للعالم في العصور الوسطى، فمن الطبيعيِّ أن يُعرَض هذا المسلسل على شاشة قناتين أو ثلاثة فقط من مئات القنوات في أوقاتٍ بعيدة عن ذروة استقطاب المشاهدين في حضيض الزمن العربي الذي نعيشه. 
لقد اختار المؤلفُ ثلاثةَ خطوط درامية ليعرض طريقته في النظر إلى محنة الحلاج:
الخط الأول صَوَّرَ فيه قصر الخلافة العباسية، وما آل إليه حال الحكم الذي تديره الجارية شغب وما يَدورُ حولها من مؤامرات الجواري والغلمان، بينما يتفرغ الخليفة المقتدر للشراب واللهو والقيان.
الخط الثاني مثله بالنخاس/ النطل الذي يمثل الحياة المادية بكل ما فيها من شرور ونذالات.
والخط الثالث مثله الحلاج الذي يمثل صوت الروح والثورة على الواقع المرير، والانعتاق من أغلال المعارف المزيفة والجاهزة بالهدم والبناء مرارا وتكرارا لتقليب الأشياء والأفكار على نحوٍ يثير الرغبة في التغيير وعدم التقولب.
لا أعتقد أنه من السهل إنتاج عمل تلفزيوني يتناول قصة الحلاج وأفكاره منذ ولادته حتى محنته، ويقدم كافة زوايا النظر إلى شخصيته في آن معاً كما هو الحال في بحث علمي؛ فالعمل الدرامي يتم بناؤه على واحدة من زوايا النظر وعلى من يتبنى غيرها أن يطرحها في عمل آخر، على أن لا يمنع عرض الأعمال الأخرى لكي يتمكن المشاهد من اختيار ما يقتنع به.
وأياً كان الأمر فقد فتح هذا العمل باباً واسعاً للنقاش والجدل، وسيدفع آلافَ المثقفين لقراءة الكثير من الكتب حول العصر العباسي، وشخصية الحلاج والجنيد، وربما الشاعر غير المشهور جُحظة البرمكي وغيرهم ممن يزخر بهم ذلك العصر من مشاهير وأعلام خلافاً للأعمال الساقطة ذات الإنتاج الكبير، والتي تؤول إلى مزبلة التاريخ، فنحن لم نعد أسرى قناةٍ واحدة أو نافذة إعلامية محددة لكي يَفرضَ علينا السخفاءُ والمتآمرون والجهلة خطابهم التافه، فما ينفع الناس يمكث في الأرض بدليل أنه تم تنفيذ عقوبة القتل على آلاف الأشخاص عبر تاريخنا، واستثنى عقلُ الحضارة واللاوعيُ الجمعيُّ القلة منهم كالحلاج من النسيان، والذي بقى محفوراً في قلوب الناس على الرغم من قتله وتغييب صوته وجزء كبير من كتاباته.
أمَّا الهجمة الشرسة على يوتيوب وفي الموقع الإلكترونية على المسلسل بحجة أنه يتناول شخصاً يصفونه بالكفر؛ فيكفي أن نعرفَ أنه في حين كفَّرَ الحلاجَ ابنُ بابويه والطوسي والحلي وعياض وابن خلدون وابن تيمية وغيرهم، فقد توقف عن الحديث في أمره كل من ابن بهلول والنابلسي وابن سريج وابن حجر والسيوطي وغيرهم، وأبعد من ذلك فقد قال بولايته المقدسي واليافعي والشعراوي والهيثمي وابن عقيلة وسيد مرتضى وغيرهم؛ فهو إذن موقع خلاف بين الفقهاء. بل إنّ عددا كبيراً منهم لا يكتفي بالتوقف عن الحديث في أمره، وإنما يذهب إلى الاعتقاد بولايته فمن هو ذا الذي يخرج علينا جازما بكفره بعد هؤلاء؟[1]
 لقد بلغ الأمر من الجرأة على التكفير في هذا الزمن ما لم يبلغه زمن آخر، فوصل حدَّ تكفير شعب كامل في بعض اجتهادات المتشددين، فهلا تمهلتم ونظرتم إلى السيوطي وابن حجر وغيرهم كيف سكتوا عن الحديث في أمر الحلاج. وهلا نظرتم ما يصنعه الخوف من العنف والتكفير من تجميدٍ للعقل وما يحدثه من هزيمة محققة للحضارة نراها ماثلة أمام عيوننا بما نحن فيه من تخلف وانهيار وضعف.
هذا هو النطلُ /النخاس يقول في الحلقة 26 مخاطباً نفسه في مونولوج داخلي:" هكذا أنتم يا أصحاب السلطة والمال، تقتلون الجمال وتعشقون القبح، تأمرون وتفعلون ما يحلو لكم، والله ليس لديكم من الحكمة والعلم ما لدى طفل جاهل، سحقاً لكم جميعا، والله لو نطق لساني المسجون وأفرجت عنه؛ لرماكم كلكم في زنزانة الندم والخوف، يا من تأخذون بعقائد أنتم ابتدعتموها، سحقاً لكم.
والنطلُ بحديثه هذا عن انحرافات النخب الحاكمة يحاول تبرير نذالاته التى وصلت حدَّ اختطاف الأطفال وخصيهم والمتاجرة بهم، والذين يصبحون لاحقاً بضاعة رائجة في القصور. وكأنه يقول بأنَّ النخب الحاكمة هي من يكرس هذا النظام الاقتصادي الجائر والذي يحتاج إلى تفكيك وإعادة بناء، على أنَّ المؤلف لا يتعمق في تقديم البنية التفكيكية التي يقدمها نقيض النطل – الحلاج لأسباب ربما تعود إلى الخوف، فقد تمَّ حجب المسلسل بشكله المتحفظ الحالي عن أغلب الفضائيات، وقامت ضجة معادية شارك فيه الجهال قبل العلماء؛ فكيف يكون الأمر لو فعل؟
وختاماً فإنني أتساءل: كيف يمكن لنا أن نصنع حاضرنا إذا لم نتمتع بالحرية في فهم وتحليل ماضينا؟ وكيف يمكن لأمة تعيش على بركان من الإرهاب وصناعة الخوف أن تشكل حاضرها وتضمن مستقبلاً لائقاً لأجيالها القادمة؟ ومتى ندخل العصر الحديث بالاعتراف بأبسط مبادئ حقوق الإنسان التي قبلتها وأقرتها حتى بعض القبائل البدائية المعزولة.




[1] دائرة المعارف الإسلامية: مترجمة، ترجمها أحمد الشنتناوي وإبراهيم زكي خورشيد وعبد الحميد يونس، راجعها محمد مهدي علام، دار المعرفة، بيروت، ترجمة الحلاج.