آخر المقالات

آخر المقالات
جاري تحميل المقالات...
‏إظهار الرسائل ذات التسميات علي طه النوباني. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات علي طه النوباني. إظهار كافة الرسائل

الاثنين، 14 نوفمبر 2022

رسالة إلى علاء الدين


 بقلم: علي طه النوباني

في ورشة لمراجعة وإنعاش لغة الإشارة لدى الصم والبكم؛ أردت أن أبدأ بتمرين للتعارف وكسر الجليد بين المشاركين.

قلت لهم: تخيل أنك ذهبت إلى محل يبيع التحف والأدوات القديمة، واشتريت مجموعة من الأشياء منها مصباح زيت قديم. وعندما عدت إلى البيت تأملت مشترياتك حتى وصلت إلى المصباح، وسرعان ما خرج منه عفريت ضخم قائلا: "شبيك لبيك، عبدك بين إديك، اختر أمنية واحدة، وسوف أحققها لك مهما كانت صعبة". فما هي الأمنية التي تختارها؟

بدأ المشاركون يتحدثون:

فتاتان من المشاركين تمنيتا أن يصبحن معلمات!

خمسة من المشاركين والمشاركات تمنوا أن يسافروا للسعودية لأداء العمرة!

ثلاثة مشاركين تمنوا أن يحصلوا على عمل يكفي لإعالة أسرهم!

واحد من المشاركين قال: لا أريد شيئا، وكأنه يقول:

                         "يكفيك أنك لم تزل حيا    ولست من الأحبة معدما"

إحدى المشاركات قالت إنها ستطلب جهاز تابلت لكي تتعلم عليه لغة الإشارة، وقالت إنها حاولت جمع ثمنه أكثر من مرة؛ ولكنها لم تستطع إلى ذلك سبيلا.

إحدى المشاركات قالت: "سأطلب سماعة طبية لي، ونظارة طبية لزوجي، فأنا بالكاد أسمعه، وهو بالكاد يراني! بل إن أطفالي ينادون عليَّ ولا أسمعهم، ولدينا تقارير طبية وقياسات منذ عام، ولكن العين بصيرة، واليد قصيرة!"

فتشجع طفل من ذوي الإعاقة الحركية يختلس السمع للورشة ووقف مشيرا بيده: "أريد أن أسافر في الطائرة"، فقلت له: إلى أين؟ فقال: "لا أعرف، إلى أي مكان! المهم أن أركب في الطائرة"، وحرَّك يده مثلما تقلع الطائرة.

وحيث أنَّ شبكة الانترنت كبيرة جدا، ولا بد أن علاء الدين يتابع دائما؛ ويبحث عن اسمه على محركات البحث، وحيث أني غلبان مثل كل المشاركين، ولا أملك أن أحقق بعض أمانيهم؛ فقد قررت أن أكتب هذه الرسالة إلى علاء الدين وأميرته ومارده الطيب، لعله يقرأها، ويعرف أنَّ هنالك بشرا أكثر رفقا بعفريته الذي سيهرب من أماني الجشعين المتوحشين الذين لا يملأ بطونهم سوى التراب.

تعال يا علاء الدين وأحضر معك مصباحك السحري، فكل أمنيات أصدقائي هنا لا تعادل قصرا أو سيارة فارهة تمنحها لشخص عابث، فيملُّ منها في يوم أو يومين!

حين تحقق لزينب رغبتها؛ وتجعلها معلمة، فإنك ستـشعر بالسعادة عندما تراها وهي تعطي بلا حدود.

وعندما تسمع فاطمة صوت أطفالها، سيرحل صوتك نحو الخلود.

وأنا أيضا سأطرح أمنية على عفريتك الطيب، أمنية واحدة لا غير، وأخشى أن أقع في تهمة الجشع، فهل يستطيع عفريتك أن يعيد الضمير إلى النُّخب في بلادي، ليعرفوا أنَّ فردة كوتشوك في سياراتهم الفخمة قد تركب عشرين سماعة طبية، وعشرين نظارة طبية لحسن وفاطمة وزيد، وليعرفوا أن هذه الأشياء يجب أن تبقى خارج دائرة التجارة والربح والخسارة، وهم أكثر الناس حديثا عن الربح في الآخرة؛ لا في الدنيا!

تعال يا علاء الدين، فالأماني هنا أسهل، وعفريتك سوف يرتاح من عناء بناء القصور، وشراء الجزر البعيدة والسيارات الفارهة، وتطويل الأعمار، ونفخ الشفاه والأرداف، وقلق المزادات الباهظة، والسباقات التافهة!

ليتك تبحث يا علاء الدين على محركات البحث، وليت عفريتك يستطيع!

ملاحظة: هكذا عرض المشاركون أمنياتهم، دون تصرف في المعنى، فحولتها إلى الفصيحة، وها أنا أحاول توصيلها إلى علاء الدين.

 

الثلاثاء، 26 يوليو 2022

الرماة ليسوا على الجبل أصلاً

 

بقلم: علي طه النوباني

الرماة ليسوا على الجبل أصلاً.

إنهم هناك في قعر وادي القهر والفقر والبطالة واللاعدالة.

إنهم هناك يحللون ويفسرون آلية ظهور الأقدام الكاذبة للأميبا في مستنقع التدليس والفساد والإفساد.

الرماة لا يملكون ثمن البنزين لكي يصلوا إلى مواقع الاجتماعات الكثيرة التي يتسلل إليها المتفذلكون والانتهازيون وصيادو المناصب والمنافع.

الرماة لا سهام في جعابهم، ولا نعال في أقدامهم، ولا ثياب على جلودهم، ولا أحلام في رؤوسهم، ولا حتى ماء في خزانات بيوتهم.

الرماة لم يعد لديهم القدرة العقلية على استيعاب المتفذلكين الذين يشبعون الناس كلاما ثم ينقلبون إلى منظرين ومنافقين للسلطة بعيوبها قبل مزاياها.

الرماة دفعوا كل ما لديهم لتعليم أولادهم بعد أن تحملوا شظف العيش ومرارة الحرمان، ثم جلسوا مع أولادهم في البيوت يراقبون كيف يعين النواب والمتنفذون أقاربهم ويقودون الفساد والمحسوبية.

الرماة رأوا غيرهم وهم يأكلون حقهم فأصيبوا بمتلازمة المظلوم اليائس من الحصول على حقه بعد أن وعده ألف متفذلك بالعدل والإنصاف ثم تخطى راسه وهو ساجد لله إلى مصالحه الضيقة.

الرماة لم يعد يهمهم فصاحة اللسان، والقدرات الفائقة على تنميق الكلام؛ لأن كلَّ من رأوهم من هذه النمرة باعوهم بأرخص الأثمان عند أول مكسب صغر أم كبر.

الرماة مَلّوا من ذوي البطون الجرباء الذين لا مانع لديهم من سحب لقمة خبز من فم جائع بائس دون أدنى شعور بوخز الضمير أو الخوف من الرب القدير.

أجزم أن الرماة يطالبون قبل أن يحاولوا الدوس على جراحهم أن يغيب المنافقون والأفاقون وَمُجَمِّلو الواقع البائس عن الساحة - وما أكثرهم - لكي تتضح الرؤيا لأن المتفذلكين مثل الضباب ومثل السراب يشوهون المشهد ويفقدوننا القدرة على الرؤية.

الرماة تركوا للأفاقين الجبل؛ لأنه يحتاج إلى مصاريفَ جاريةٍ لا قبلَ لهم بها. وإلى أن يجدوا طريقةً لِحلِّ المُعادلات الصعبة، ستبقى صناعة التخلف والتنظيرُ لها مهمة المنافقين والأفاقين وصناع الظلام.

 

 

الأحد، 26 يونيو 2022

إعاقة الطابق الرابع لدى أستاذ حقوق الإنسان!

 

بقلم: علي طه النوباني

من يعرفني، يَعرفُ رباطةَ جأشي، وَيعرفُ أَنّي لم أسمح لتافهٍ هُنا أو هُناك أن يوقف مَسيرتي وكِفاحي في الحياة أو أن يثبط عزيمتي. وقد لاحظت على نفسي أَني لم أكتب الكثير عن الإعاقة على الرغم من معاناتي الكبيرة في الحياة بسببها.

لماذا لم أكتب عن الإعاقة؟

قرأت يوما ما أَنَّــهُ إذا سقطت شجرة على شخص ما فانكسر ظهره، فإن ذلك الحدث لا يعتبر مأساة عامة، وإنما هو مأساة تخص ذلك الشخص وحده. وربما كان ذلك فهما إغريقيا قديما للمأساة أو التراجيديا بمفهومها الأدبي النقدي؛ لكنه بصراحة أثر بي كثيراً.

أما اليوم وقد رأيت بأم عيني الحضارات المتقدمة كيف أدمجت الأشخاص ذوي الإعاقة في المجتمع بكل مرافقه، وأزالوا الحواجز التي تمنعهم من المشاركة في فعاليات الحياة؛ فعاش الكثيرون منهم حياة طبيعية إلى حد بعيد؛ فإن شريط الذكريات المرة يمر أمام عيني كما تمر مشاهد الأشخاص ذوي الإعاقة الذين يُظلمون يوميا في مجتمعاتنا التي تزاود على العالم بالحديث عن الإنسانية والخير.

تجولت على العديد من الصفحات على مواقع التواصل الاجتماعي، فلاحظت أنَّ آلاف المبادرات الخجولة انطفأت بسبب عدم تفاعل المجتمع وعدم اهتمامه بقضايا الأشخاص ذوي الإعاقة. وليس أَدلَّ على ذلك من أن أضع منشورا عن حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة؛ فيعلمني الموقع بأن ألف شخص قد رأوه لكنه لم يحصل إلا على إعجاب واحد!

تذكرت مساق حقوق الإنسان الذي سجلت لدراسته أيام كنت طالبا في الجامعة في أوائل التسعينات من القرن الماضي. كان مكان القاعة في الطابق الرابع في مبنى الاقتصاد، ولم يكن في المبنى مصعد؛ فطلبت من الدكتور الذي يدرس حقوق الإنسان أن ينقل المحاضرات إلى الطابق الأول، فنقل المحاضرة الأولى ثم نظر نحوي في منتصف المحاضرة قائلا: " أنا ما بعرف أحكي في الطابق الأول، رح نرجع على الطابق الرابع وعليك أن تدبر أمرك!".

فصل دراسي كامل وأنا أصعد الأدراج على عكازتي المتهالكتين حتى الطابق الرابع لأن مدرس "حقوق الإنسان" لا يرتاح في الطابق الأول. وعلى الرغم من أن قاعات الطابق الأول كانت فارغة!

كان هذا أول احتكاك منهجي بيني وبين حقوق الإنسان على طريقة خريجي فرنسا في الحقوق!

أما أستاذ النثر الحديث فقد كان أكثر لياقة عندما ترك مليون قصة قصيرة في الأدب العربي واختار قصة بعنوان" الصبي الأعرج" ليطرحها في المحاضرة، وعلى الرغم من أني لم أُبدِ أي احتجاج على اختياره، وبرهنت ذلك بمشاركتي في الحوار الذي أداره حولها، إلا أن الأستاذ نظر نحوي في منتصف المحاضرة قائلا: أعتذر للأخ "علي" عن هذا الاختيار، وكأنه اختار هذه القصة عمدا ليصل معي إلى هذه النقطة!

قلت له: لا عليك، لا داعي للاعتذار.

من اليوم، لن أعير التفاتا لذلك الجانب من الفلسفة الإغريقية الذي يعزل ويهمل مآسي الناس واحتياجاتهم، ولن أترك فرصة لتذكير عديمي الضمير وذوي الاحتياجات البارانووية الحادة الذين لا يعرفون أن يتحدثوا عن حقوق الإنسان إلا في الطابق الرابع بمسؤولية الجميع تجاه الأشخاص ذوي الإعاقة، فهنالك الكثير الكثير منهم يعيشون ظروفا صعبة جدا، وينتظرون تنفيذ قانون حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة رقم 20 لسنة 2017، والذي لن تتحقق رؤيته دون وعي المجتمع واهتمامه الذي يعبر -إن تحقق- عن درجة عالية من التحضر.


الجمعة، 10 يونيو 2022

الغولةُ والغول في إتلاف العقول

 

بقلم: علي طه النوباني

على الرغم من التحديثِ المتواصل لمناهج اللغة العربية، يُصرُّ المؤلفون على اعتبار حرفِ المدِّ الطويل ساكنا، وهُم في ذلك يقولون للطالب: انظر إلى ذلك الجدار الأبيض، ما لونه؟ فيقول الطالب: أبيض!، ويرد المعلم: لا يا غبي، إنه أسود!

يمكنك أن تستمر في نطق حرف المَدِّ الطَّويل (ا، و، ي) ما دام نَفَسُكَ قادرا على الاستمرار، ولا يمكن لحرف المدِّ الطويل عِلميا أَن يقبل التَّسكين.

يقول المؤلف: أنظر إلى تلك الألف، ما صنفها من الأصوات، فيقول العلم: إنها حرف مَدٍّ طويل لا يقبل السكون، فَيُصِرُّ المُؤلِّفُ على أَنَّها حَرفُ مَدٍّ طَويلٍ ساكن أي هي جِدارٌ أَبيض وأسود في الوقت نفسه.

وعلى الرغم من أن درسي الإبدال والإعلال غير ضروريين للطالب -باعتقادي- ما لم يتخصص في اللغة العربية في الجامعة؛ يُصِرُّ مُؤلِّفو المَناهجِ على تدريسهما بما ورد فيهما من مغالطات علمية تُسَبِّب الصُّداعَ للطالبِ وَلِمَن يُحاول أن يُفهم الطالب تلك الاجتهادات الغريبة والمعقدة التي لا تلزم إلا لمن يجلس في حلقات بحث جامعيَّة.

وعلى سبيل المثال، ورد في كتاب "النحو والصرف" للصف الثاني عشر للفرع الأدبي في الأردن (ص 95):

" انظر إلى كلمة الأدنَينَ في المثال الثالث، تجد أن أصلها (الأَدْنَايْنَ) لأن مفردها (الأدنى)، وهو اسم مقصور جُمِعَ جَمْعَ مذكرٍ سالماً، فحذفت ألفه لالتقاء الساكنين، وبقيت الفتحة قبل ياء الجمع...)

وهو بذلك يقصد أَنَّ الألف (الأَدْنَايْنَ) حرف ساكن على الرغم من أنه حرف مد طويل لا يمكن أن يقبل السكون، فهو أبيض هنا على الرغم من أنه أسود وعلى الرغم من أنف العلم وأنف الطالب، وينبغي الإشارة هنا إلى أن الياء في (الأَدْنَايْنَ) تقبل السكون هنا لأنها Semivowel أي نصف حرف عله إنْ صح التعبير.

وإذا أردتَ أن تَتَحقَّقَ من ذلك فاقرأ الكلمة (al+ad+naay+na)، هل تشعر بالتقاء ساكنين؟ حتما لا!

الأنكى من ذلك أن المؤلف وضع فَتحةً على النون في المقطع (نا) هكذا (نَا) على الرغم من معرفتنا بأن الألف هي حركةُ النون، وَأَنَّ وضعَ الفتحةِ يَزيدُ حَرَكةً إِلى المقطعِ الصَّوتيّ فَيَصيرُ (naaa)، وَكَأنَّ المَسألةَ مُزاوَدَةٌ عَلى كَومَةِ خُضار توضَعُ الحَركاتُ فيها على غيرِ هُدىً، وَدونَ أيِّ حِساب.

السَّواكِن التي التقت في الواقِع ليست في مثل هذه الكلمة، وإنَّما في أيامنا التي حكمنا فيها على أولادنا بأن يتعَقَّدوا مِن لُغتنا، وَمِن ثَمَّ، مِن ثقافتنا، وَيَغترِبوا إلى حيث لم يعد ينفعُ الاغتراب. لَقد عَرفَ العالمُ أَنَّنا أُمَّةٌ تُحِب التَمَحُّك، وَطَبخَ المُتناقِضات مع بعضها على نحو ينجح في ضرب العقولِ أكثرَ من الغُولَةِ والغول.

كان بإمكان المؤلف أن يقول أنَّ الألف حُذِفَتْ لتسهيل اللفظ، ولكنَّ التعالي على الطالب وإشعاره بأن هنالك أمورا لا يمكن أن يفهمها عقله الصغير يجعل المؤلف يتحدث عن التقاء الأبيض والأسود في آن معاً.

الأمثلة على ذلك كثيرة في تدريس اللغة العربية، ولا أدري من هو المستفيد من جعل الطالب يكره درس لغتنا الجميلة، وأحسب أننا بحاجة إلى مراجعة شاملة لطرائق تدريس اللغة العربية؛ تحافظ على وجودها في عقل الأجيال؛ ومن ثم على خارطة الثقافات الحية في العالم.


الأحد، 5 يونيو 2022

الجُزء الثالث من قصة الأعرابي والإبل "مظفر النواب وفلسفة الشتائم"

 

بقلم: علي طه النوباني

تجنب أغلبية النقاد الخوض في شعر مظفر النواب لأسباب عديدة، منها كثرة الشتائم المقذعة في شعره على نحو يهدد الناقد بانقطاع مصدر رزقه إذا ما كتب عن شاعر هَجّاء كمظفر النوّاب، ومنها ندرة المصادر الأصلية لشاعر قضى حياته هاربا ومشردا بين البلدان، ولم يحتفظ بنظام صديق يطبع شعره ويروجه.

ولكن السبب الذي طرحه النقاد كثيرا هو ادعاء الأنفة عن الشتم، والتعالي عن لغة الشتائم الصريحة والمبطنة، وهم بذلك يتجاهلون أن غرض الهجاء في الشعر العربي كان أساسيا ومولِّدا للكثير من الدلالات العميقة، بل ومؤثرا مفصليا في الكثير من الأحداث السياسية والاجتماعية.

وإذا ما خضنا في فلسفة الشتم ونقيضه التأدب، فالسلطة مؤدبة غالبا -بهذا المقياس- لأنها قادرة على القتل والمسح من سجل الحياة، وليست بحاجة إلى الشتم؛ حالها في ذلك حال اللصوص الذين سرقوا إبل الأعرابي، وهو تأدب لعمري يفوق قلة الأدب بشاعة. أما الضعفاء فهم غير قادرين على شيء سوى الشتم، وهو مغامرة غير محمودة النتائج، وربما يدفعون حياتهم ثمنا لها كما حدث مع الشاعر الأيقونة "دعبل الخزاعي" الذي مات مقتولا.

ولكن هلا تأملنا كم من الشعراء الكبار أقذعوا في الهجاء؟

هل منعت نقائض جرير والفرزدق والأخطل الثقافة العربية من حفظ أشعارهم وتصنيفهم في مقدمة الشعراء الكبار.

وهل منعت قصائد الهجاء المرّ التي كتبها المتنبي من الخوض في عظمة شعره وروعة حكمته وعميق معناه.

وماذا عن ابن الرومي الذي قال عنه المرزباني "لا أعلم أنه مَدَحَ أحداً من رئيس أو مرؤوس إلا وعاد إليه فهجاه؛ ولذلك قلَّت فائدته من قول الشعر، وتحاماه الرؤساء". وعلى الرغم من ذلك، وَصَلَنا ديوان شعر ضخم لابن الرومي، واحتفى به نقاد الشعر، وأعطوه شيئا من حقه. وإذا أردتَ أن تتوسع في معرفة طريقة ابن الرومي في الهجاء، فاذهب إلى ديوانه، وشاهد بعينك أنواع الشتم التي تتخلل عظمة قدرته على التصوير، والتشكيل اللغوي والفني البديع.

وفي ذروة الحضارة العربية الإسلامية هجا دعبل الخزاعي عددا من الخلفاء ومنهم المعتصم، فلم يُلحَّ المعتصم في طلبه للقصاص عندما هرب دعبل إلى رؤوس الجبال، وقُدِّر لدعبل أن يموت بالسم على يد مالك بن طوق بعد أن هجاه بقوله:

إِنَّ اِبنَ طَوقٍ وَبَني تَغلِبٍ                     لَو قُتِّلوا أَو جُرِّحوا قَصرَه

لَم يَأخُذوا مِن دِيَةٍ دِرهَماً                 يَوماً وَلا مِن أَرشِهِم بَعرَه

دِمائُهُم لَيسَ لَها طالِبٌ                       مَطلولَةٌ مِثلَ دَمِ العُذرَه

وُجوهُهُم بيضٌ وَأَحسابُهُم                       سودٌ وَفي آذانِهِم صُفرَه

واللافت للنظر أن دعبلاً قد تعرض في شعره لخلفاء كثيرين إلا انَّ نهايته كانت على يدِ مَن كانَ أَقَلَّ مِنهم مكانةً وسلطاناً فمالك بن طوق هو أحد ولاة الرشيد والواثق والمتوكل. وعلى الرغم من ذلك كله فقد وصلنا جزء جيد من شعر دعبل الخزاعي (ونأسف أشد الأسف لما ضاع منه)، ولم يختلف النقاد على أهميته كشاعر من الطبقة الأولى.

ولكن ماذا يحدث؟ هل نسير إلى الوراء في كل شيء؟!

كان أهل اللغة والأدب في ذروة الحضارة العربية الإسلامية ينصفون المبدعين الكبار مهما أقذعوا في الهجاء، وحتى لو كان يهجو الخليفة نفسه، واليوم يقف الناقد متحدثا عن التأدُّب لا الأدب وكأن السلطة أحكمت وثاق كل شيء في حياتنا حتى لم نعد نميز بين ما هو سياسة وما هو فن.

لقد هجا دعبل المعتصم على ما نعرفه عن سيرة المعتصم فلم يترفع النقاد عن ذكر قيمة فنه الشعري بعيدا عن موقفهم الأخلاقي من فكرة الهجاء والشتم، وهجا مظفر النواب النظام السياسي العربي في عصر الهزائم والانهيار فذاب النقاد أخلاقاً وتجنبوه، بل إن بعضهم أسقط عليه مواقف اعتباطية نابعة من قربه من الشارع والناس، وكأن القرب من ضمير الشعوب جريمة، وهو أمر إن دلَّ على شيءٍ فإنما يدل على أن حضارتنا أصبح لها وجه واحد هو وجه السلطة، وهو وجه غير ولاد ولا يكفي للبقاء، وإني أحسب أننا قريبا سنجتمع مع الديناصورات في متاحف التاريخ ككائنات لم تحترم مبدعيها وثوارها الذين حاولوا أن يدبوا الحياة في اليباس، وديناميكية التغير في السكون القاتل، وحركية الجماهير في قماءة السلطة.

لقد نسي أولئك أن مظفرا لم يفعل شيئاً غريبا على حضارتنا، فقد عبر عما يناسب مقتضى الحال، بل لعلهُ تَحرّى الأَدب في كثير مما قاله أكثرَ مِنْ أولئك المُتَردِّدين المُتَزَيِّنينَ بالكَلامِ المُنمق الذين لا تعرف لهم وجها من ظهر.

وفي نهاية المطاف، الشعوب الحية هي التي تصنع معايير الفن، ويمكن لكل منا أن يتجاوز فذلكات نقاد السلطة الخائفين على لقمة عيشهم، ويرى مظفر النواب وهو ينطق بحال الجماهير المسحوقة قائلا:

وطني أنقذني

رائحةُ الجوع البَشَرِيِّ مُخيفة

وَطَني أَنقِذني

مِن مُدُنٍ سَرَقَتْ فَرَحي

أَنقِذني مِن مُدُنٍ يُصبِحُ فيها الناسُ

مَداخِنَ للخَوفِ وَللزِّبلِ

مُخيفَة

مِن مُدُنٍ تَرقُد في الماءِ الآسِنِ

كالجاموسِ الوَطَنِيِّ

وَتَجْتَرُّ الجيفة

أنقِذْني كَضَريحِ نَبيٍّ مَسروقْ

في هذي السّاعة في وطني

تَجتمعُ الاشعارُ كَعُشبِ النَّهرِ

وترضَعُ في غَفَواتِ البَرِّ

صِغارُ النّوقْ

يا وَطَني المَعروضُ كَنَجمةِ صُبح في السّوقْ

السبت، 4 يونيو 2022

الجُزء الثاني من قِصَّةِ الأَعرابيِّ والإِبل

 

بقلم: علي طه النوباني

رأيت مَنشورا على فيسبوك لواحد ممن يُفترض بهم أن يدافعوا عن الناس وهو يتفذلك بحديث ممجوج دفاعًا عن باطلٍ ظاهر، ورأيت "شرشورا" من الشتائم المبطنة في خانة التعليقات، فخطر لي أن أكتب الحلقة الثانية من قصة الأعرابي الممنوع من الشَّتم.

لقد انتبه زهير بن أبي سلمى منذ ما يزيد على ألفِ سَنه إلى أنَّ الوقاية من الشتم لا تكون بتكميم الأفواه، وتغليظ العقوبة، ومنع الناس من الفضفضة، بل تكون بالاستقامة، وفعل الخير، وعمل كل ما يجلب الذكر الطيب، فإذا لم يعلن الناس أن فلاناً حقيرٌ وظالم، أو منافق ونذل، أو فاسد وخسيس، فإنهم يتناقلون الدّلالات نفسها خلسة؛ فتحفظها الأجيال، وتصبح تاريخاً بعد أن كانت مجرَّدَ شتائم.

صدق زهير بن أبي سلمى حين قال:

وَمَنْ يَجْعَلِ المَعْرُوفَ مِنْ دُونِ عِرْضِهِ

                                               يَفِرْهُ، وَمَنْ لَا يَتَّقِ الشَّتْمَ يُشْتَمِ

وهذا يعني أن هنالك من يبذلون قصارى جهدهم لكي يبوؤوا بالشتم؛ كما حدث مع الراعي النميري عندما أوقع نفسه بلسان جرير؛ فأطفأ ذكر قومه، وأخرج نفسه من مجالس الكبار كما جاء في قول جرير:

أَتَلتَمِسُ السّبابَ بَنو نُمَيرٍ               فَقَد وَأَبيهِمُ لاقوا سِبابا

وصاحبنا في هذا مثل الطبيب الذي اختاره الناس لعلاج جراحهم، ففعل مثلما فعل ابن شمعون في قول بلبل الغرام الحاجري:

طِبُّ اِبنُ شَمعونٍ بِلا ريبَةٍ            حكمٌ عَلى هَذا الوَرى يَقضي

ما عادَ يَوماً مَن بِهِ عِلَّةٌ                وَعادَ مَوجوداً عَلى الأَرضِ

       يَمشي وَعَزرائيلُ مِن خَلفِهِ                  مُشَمِّرَ الأَردانِ لِلقَبضِ 

تبا لك من طبيب، وتبا لكل من يشيد بك بعد هذا، أوتحتمل الحال البائسة التي يعيشها الناس فذلكة أمثالك ممن يتفننون في تبرير الظلم، وقوننة الفساد! أم هل يحتاج الطغيان إلى محامين مدلِّسين.

وقد عرفناك خير ممثل لقول بشار بن برد:

إذا جِئتَهُ في حاجةٍ سَدَّ بابَهُ                     فلَمْ تَلْقَهُ إلا وأنْتَ كَمينُ

إذا سَلّمَ المِسكينُ طار فُؤادُهُ                مخافةَ سُؤْلٍ واعْتراهُ جُنُونُ

أو قول ابن الرومي:

مَلَكَ النفاقُ طباعَه فتَثَعْلَبا                 وأبى السماحةَ لؤمُهُ فاستكلبا

فترى غروراً ظاهراً من تحته            نَكدٌ فَقُبِّح شاهداً ومُغيَّبا

ولَشرُّ من جرَّبتَهُ في حاجةٍ             من لا تزال به مُعنَّىً مُتعبَا

من لا يبيعُك ما تريد ولا يرى          لك حُرمةً إن جئته مُستوهِبا

لقد احتوى الشعر العربي على الكثير من الحكمة في باب الهجاء والشتم، وذِكرِ ما رآه الشعراء من قُبح، وعندما يُمنع الأعرابي من الشتم تتحول الطاقة من شكلٍ إلى آخر، وتبقى نظرية زهير بن أبي سلمى قائمة:

وَمَنْ لَا يَتَّقِ الشَّتْمَ يُشْتَمِ

 

 

 


الأحد، 29 مايو 2022

الأعرابي الممنوع من الشتم!

 

بقلم: علي طه النوباني

يُحكى انَّ أعرابيا كان عنده إبل يرعاها، ويسهر عليها، ويعيش من خيرها. وذات يوم أغار مجموعة من اللصوص على الإبل وساقوها أمامهم؛ فانتبه الأعرابي، وأخذ يركض وراءهم ويشتمهم؛ ويبدو أنَّه قدَّر أنه لن يتمكن من التغلب عليهم، فتقاعس عن مواجهتهم، وأخذوا الإبل، فلما عاد، سأله قومه: ماذا فعلت؟ فقال لهم: أشبعتهم شتما وفازوا بالإبل! وذهب قوله مثلا.

وقد سمعت حوارا حول جدوى الشتم والسباب بعد فقدان الإبل:

قال أحدهم: الشتم عيب ولا يليق بالرجل الخلوق أن يشتم.

وقال آخر: الشتم علامة ضعف وعدم قدرة على الفعل.

وقال آخر: الشتم يطال أناسا لا ذنب لهم كأب الحرامي وأمه وذويه!

وقال متفذلك آخر: إذا كنت صاحب حق؛ فالجأ إلى القضاء دون أن تنبس ببنت شفة.

ولكن أحدا منهم لم يتطرق لحقيقة أن الشتم والسباب سلوك بشري وُجد لفاقد الحيلة لكي ينفس عن غيظه وشعوره الطاغي بوقوع مظلومية ميؤوس منها عليه لا ينفعه فيها القضاء ولا القضاة؛ فإذا لم يتمكن من الشتم انفجر قهرا.

ماذا لو حرمنا الأعرابي من نعمة الشتم؟ وصار القانون متشددا جدا في عقوبة السباب، ومتراخيا جدا في عقاب قطاع الطرق الذين سرقوا الإبل! تلك والله مظلمة تتجاوز حدود العقل، وتفوق أشد الجبابرة ظلما، وتزيد الغليان المعتمل في النفوس، وتضع المجتمع على حافة الجحيم.

وماذا بعد!

لقد ذهبت ساكسونيا* إلى أبعد من ذلك عندما قدَّمت الحماية لقطاع الطرق، وشنقت الأعرابي بجريمة الشتم! تبا لك أيها الأعرابي الخليع، كيف ستعيش دون إبلك؟ وما الذي سيخفف عنك مرارة الظلم إذا لم تتمكن من إغراقهم بالشتم والسباب؟!

·       كان قانون ساكسونيا يُفرِّق بين الناس في العقوبة وفق طبقتهم الاجتماعية. فكان يجري تنفيذ عقوبة الإعدام للقاتل إذا كان من عامة الشعب، وذلك بأن يُقطع رأسه بحيث يُفصل عن جسده. أما إذا كان القاتل من طبقة النبلاء والأغنياء فكان يجري تنفيذ عقوبة الإعدام بطريقة «غريبة»، إذ كان يؤتى بالقاتل ليقف في الشمس وكانوا يُقطعون رقبةَ ظله!


الثلاثاء، 15 مارس 2022

انتهازية الحياد في قضية روسيا وأوكرانيا

 


بقلم: علي طه النوباني

قال لي أحد الأصدقاء: أنا محايد، لا أتعاطف مع روسيا، ولا أتعاطف مع أوكرانيا. فما الغريب في ذلك؟

رأيت أن الأمر يحتاج إلى جدل طويل فالتزمت الصمت، ربما لأني لم أكن أمتلك الطاقة الكافية لهذا الجدل في تلك اللحظة، فبدا الأمر وكأني فقدت الحجة، أو كأني مُنحاز عاطفيا دون مسوغ عقلي مقبول.

في البداية أؤكد على تعاطفي مع الشعب الأوكراني الذي وقع ضحية نخبة سياسية تواطأت مع مخططات الغرب التي تهدف للاستفراد بحكم العالم، والمحافظة على التخلف والتبعية في كل البلاد التي تقع خارج نطاقه؛ للاستمرار في نهب خيرات الشعوب ونهب مقدراتها وإخضاعها لمصالح الإمبريالية التوسعية التي لا حدود لجشعها.

منذ أن خرجت الدولة العثمانية من منطقتنا، بذلت بريطانيا العظمى جهودا جبارة لمنع منطقتنا العربية من دخول التاريخ بعد غياب دام ما يقارب أربعة قرون، ثم قامت بتسليم دورها للولايات المتحدة التي ما زالت تتفنن في الحفاظ على تخلفنا وفسادنا وفوضانا غير الخلاقة، وليس أدل على ذلك من الدعم غير المحدود للكيان الصهيوني المزروع في قلب بلادنا العربية بكل ما يمتلكه من عنصرية ووحشية وقدرة على تعطيل أي بادرة أمل لشعوبنا العربية في التنمية والنهوض والتحرر. وهكذا، فإننا نتحدث عما يزيد عن مئة سنة أخرى من عمر شعوبنا هدرتها الإمبراطوريات الاستعمارية الغربية فيما يشبه رحلة سيزيف إلى قمة الجبل، فكلما خطونا خطوة للأمام؛ أعادونا عشرة للوراء.

ها هما الولايات المتحدة وبريطانيا تقودان الناتو الذي يسيد ويميد في العالم ضاربا هذا ومدمرا ذاك، وساعيا إلى الاستفراد الكامل بحكم العالم بتحطيم أي قوة تنافسه وخنقها بكل الطرق أخلاقية كانت أو غير أخلاقية.

يقابل قوة الناتو قوى أخرى تحاول أن تخلق توازنا في هذا العالم القلق وعلى رأسها روسيا والصين، وهما على أي حال لا يمتلكان التاريخ الاستعماري الإجرامي للغرب، ونحن بالمقابل نحتاج إلى من يعيد التوازن إلى عالمنا بعد أن استفردت به قوى متوحشة مخادعة ومجرمة ومنحازة ولاأخلاقية.

إذا كنت لا تقدر رومنسية الاتحاد السوفييتي عندما انحاز للمظلومين والفقراء في هذا العالم، وإذا كنت لا تقدر عمال الاتحاد السوفييتي الذين كانوا يكدحون ليوفروا السلاح والغذاء للثوار في أطراف عالمنا، وإذا كنت لا تعترف بأن الاتحاد السوفييتي هو الذي ضغط دوليا لتثبيت حقوق العمال في كل العالم حتى صارت حقا مكتسبا للجميع؛ فليس أقل من أن تنحاز للقوى الناشئة ليس بالضرورة محبة لها؛ وإنما من أجل عالم متوازن لا يستفرد بحكمه طاغية مخادع أفاق.

شخص آخر كتب على صفحته على فيسبوك عن ازدواجية المعايير لافتا النظر إلى مقارنة خاطئة بين ما حدث في سوريا وما حدث في العراق، وقافزا عن حقيقة أن الولايات المتحدة قد أسقطت الدولة في العراق، في حين أن النظام الشرعي في سوريا استعان بحليفه في مواجهة المرتزقة الذين يعرف الجميع مصادر تمويلهم، وكيف ينقلهم أسيادهم مثل الدُّمى من جبهة لجبهة وكأنهم روبوتات مبرمجة لصالح الولايات المتحدة والغرب؛ يخوضون المعركة نفسها في أفغانستان والعراق وسوريا وليبيا، وها هم ينتقلون الآن إلى أوكرانيا، ولست أعرف تحت أي مبرر لحفظ ماء الوجه ينتقلون للحرب في أوكرانيا!

ناشط آخر تخصص في هذه الفترة بانتقاد اهتمام الناس بالانحياز لطرف دون آخر في الحرب الروسية الأوكرانية موحياً بأنها حرب لا ناقة لنا فيها ولا جمل، وكأنها تحدث في كوكب آخر يبعد عنا مئات السنوات الضوئية.

الحَيادُ السلبيُّ أسوأ بكثير من الانحياز للظالم، لأنَّ الأَخِير عَلى الأغلب مُضَلَّل أو انتهازي مكشوف، أما أنت فواحد ممن يقومون بفعل التضليل من موقعك كمثقف.

 إذا كنتَ أنت على المستوى الشخصي بخير، ترتدي ملابس أنيقة، وتُحَصِّلُ دخلا جيدا، وتؤمِّن مستقبل أولادك، فالأمة - كما ترى - ليست بخير، واعلم أنك من القلة القليلة التي خدمتها الفوضى بمحض الصدفة، وأنك بحيادك تؤدي ثمن ما أنت فيه لمن صنعوا الفوضى عن وعي أو عن غير وعي. فإذا كنت تركن إلى حالك هذا؛ فتذكر، ليس بالضرورة أن تخدم الفوضى أولادك - كما خدمتك - لأنها ببساطة (فوضى): فكِّر بالأجيال القادمة، وحقها بعالم أكثر توازنا وعدلا.

الأرض بيتنا جميعا، وكل ما يحدث فيها يعنينا، والحياد السلبي هو انتهازية من ينتظر المنتصر ليكذب عليه ويقول: كنت معك!

 

 

 

 

 

 

 

 

السبت، 5 يونيو 2021

بندقية وكمنجة ديوان شعر بالإنجليزية لعلي طه النوباني

 

صدر حديثا عن الأديب علي طه النوباني في مدينة جرش الأردنية ديوان شعر باللغة الإنجليزية بعنوان" بندقية وكمنجة"، "Rifle and Violin". ويقع الديوان في مئة وثمانين صفحة من القطع المتوسط.

وقد كتب الشاعر جميع قصائد الديوان بالإنجليزية ما عدا قصيدتين من قصائده ترجمهما عن العربية هما: الزوبعة ورسالة إلى الحرية من ديوانه شارع آخر الصادر عن دار ورد للنشر والتوزيع سنة 2009.

وقد أشار المؤلف في الصفحات الأولى من كتابه إلى أنه يسمح بطبع ونشر الكتاب أو أي جزء منه ورقياً أو إلكترونياً؛ بشرط ذكر المؤلف في مكان بارز، وبشرط عدم التصرف بالنصّ بأي شكل من الأشكال. ويفضَّل إعلام المؤلف بذلك عن طريق الهاتف أو البريد الإلكتروني، كما وأشار إلى سماحات أخرى في مجال الترجمة والغناء.

ويذكر أن للمؤلف ست مجموعات شعرية باللغة العربية ومجموعتان قصصيتان ورواية ومسرحية، وقد أصدر في العامين الماضيين أعماله الشعرية الكاملة وأعماله القصصية الكاملة.

لتحميل نسخة من الكتاب مجانا 

اضغط هنا


الجمعة، 19 مارس 2021

خِطَطُ الشيطان


 

شعر: علي طه النوباني


في قلب جَـحيمكَ هذا

هل تعرف شيئًا عن خِطط الشيطانْ؟

قد يَـسرقُ حُنجرة الذئبِ

ويُطلقها في عبث الطرقاتِ

فَـتَـنْـسَلُّ الكلماتُ كَـما مَـوجٍ في نارٍ

يَـتَـبَـخَّـرُ

لا تُـدركِـهُ الـشُـطآنْ

قَـدْ يَـتَـكَـوَّر مِـثل الـقمحِ

فَـتَـأكُـلُ شَـرًّا مَـجْبولا بالـخُـبـزِ

وَتَـغـفو في دائرة النسيانْ

وكَـما الـعِـجْـلِ تَـخور طَويلًا

لا تَـعرفُ نَــفْـعًا مِن ضُـرٍّ

يَـتَـراقَـصُ حَـولَـكَ أَشــباحٌ من طينٍ

ظَـنّـوكَ إِلـها

مَـنْـذورًا لـلبَـهْـجَـةِ والـخِـلانْ

قَـدْ يَـتَـسلَّـل في جَـسَدِ الوَردِ

فَــتَــنْـزِفُ عَـيـناكَ طَويلًا

في غَـبَـشِ الـلـوْنِ

وَتَــهوي

في مقصلةِ الأحزانْ

الثلاثاء، 13 أكتوبر 2020

نداء إلى الجمعية الملكية لحماية الطبيعة: " الذئب والغنم"

 


بقلم: علي طه النوباني

علمت من صديق يملك مزرعة في أراضي حوض نهر الزرقاء في جرش بظهور الذئاب بين المزارع، وقال بأن عواءها يسمع يوميا وهي تقترب من مزارعهم. قال بأن المزارعين أصبحوا يخافون على أطفالهم ومواشيهم حتى أن أحدهم أطلق النار على واحد من الذئاب وقتله.

والمعروف أن هذه الحيوانات تبقى عادة في موائلها الطبيعية؛ ولا تخرج منها إلا إذا اعتدى الإنسان على موائلها بالزحف العمراني أو الزراعي؛ فتخرج مرغمة تبحث عن غذائها في بيئة غريبة عنها، وتصبح عدوانية؛ مما يؤجج الناس ضدها، فتنقرض بعض الأنواع بسبب هذا الاختلال الذي يحتاج إلى مداخلات نوعية للحفاظ على التوازن الطبيعي وحماية الأنواع المهددة بالانقراض.

قال الناس في مثلهم الشعبي القديم " لا يموت الذئب ولا تفنى الغنم".

هكذا، ببساطتهم، عبروا عن فكرة التوازن البيئي بعمقها العلمي دون كتب ملونة، ودون مواقع إلكترونية براقة، ودون أساتذة يحملون الرتب العليا في العلم لأنهم كانوا يتعاملون مع الطبيعة يوميًا، فتتراكم خبراتهم، وتصبح جزءًا من وعيهم وسلوكهم اليومي.

وقال لي أكثر من شخص من كبار السن الذين كانوا يرعون الأغنام في ستينيات القرن الماضي إنهم كانوا يَقُصُّون النباتات البرية بحيث يبقى جذرها في الأرض لكي يجدوها في العام المقبل! وقالوا لي إنهم كانوا يتعمدون الزراعة في مراح الأغنام لكي يستفيد الزرع من الروث كسماد طبيعي.

واليوم، تنقطع السلسلة،  يقضي الأطفال معظم وقتهم في أحضان العالم الافتراضي، وتنقطع الخبرات التي تشكلت عبر ألوف السنين حيث كان الإنسان يتواصل مع الطبيعة ويحافظ على بقائه بالمحافظة عليها؛ فنحصل على إنسان مغترب عن الطبيعة يخاف خنفسة أم علي بعد أن كان أبوه يقضي الدقائق وهو يسيرها على يده ثم يطلقها، ويقرف من دودة الربيع الملونة بعد أن كانت صديقة الأطفال، ولا يعرف شيئا عن الحشرة المضيئة " قنديل الحصادين" التي كانت تساهر أباه في ليالي الصيف الجميلة.

ماذا يستطيع سكان حوض الزرقاء مثلا أن يفعلوا للذئاب التي فقدت موائلها الطبيعية؛ وهجمت على مزارعهم؟

هل يستطيع الناس اليوم معالجة هذه الاختلالات الحادة والخطيرة وحدهم دون تخطيط شامل تقوم به الدولة؛ شريطة ألا يقع ضحية التبدل اليومي للسياسات الذي يحدث مع تغير الوزراء والمسؤولين الحكوميين. وكيف سنغطي النقص الحاد في الوعي البيئي الذي نشأ عبر عقود طويله خسرنا فيها الكثير من عناصر التوازن البيئي والأنواع الحيوية التي كانت تعيش في أرضنا لآلاف السنين.

إنك عندما تنجب طفلا؛ إنما تعلن مسؤوليتك عن المحافظة على حقه في العيش في بيئة متوازنة وسليمة، فإذا ما ساهمت بشكل أو بآخر في تدمير التوازن البيئي أو التلوث أو تهديد التنوع الحيوي؛ فأنت تقتل ابنك! وتنكر حقه في الحياة! وإذا لم يكن بمقدورك أن توقف الأخطاء التي تراها؛ فإن واجبك يقتضي الضغط على أصحاب القرار لحماية حق ابنك في الحياة.

وحيث إني لا أستطيع فعل شيء للذئاب التي فقدت موائلها في حوض نهر الزرقاء، فإنني أدعو الجهات المعنية وعلى رأسها الجمعية الملكية لحماية الطبيعة لأن تقوم بدورها في إيجاد مداخلات نوعية من قبيل مداخلات أجدادنا عندما قالوا: "لا يموت الذيب ولا تفنى الغنم".