التسميات

شعر علي طه النوباني دراسات ومقالات قصص علي طه النوباني شعر ميسون طه النوباني علي طه النوباني قصص عبد الله الحناتلة شعر أدونيس ترجمات شعر الوأواء الدمشقي شعر المتنبي شعر كمال خير بك شعر الشيخ الأكبر بن عربي شعر العباس بن الأحنف شعر د. عطا الله الزبون شعر هاشم سوافطة شعر هناء مسالمة فعاليات ثقافية مقالات تحميل كتب شعر البحتري شعر د. إبراهيم السعافين شعر يوسف الخال أخبار شعر أبو العلاء المعري شعر أبو نواس شعر أمل دنقل شعر إبراهيم ناجي شعر د. شفيق طه النوباني شعر شفيق المعلوف شعر مصطفى صادق الرافعي شعر أحمد دحبور شعر أحمد مطر شعر إيليا أبو ماضي شعر الحلاج شعر الشنفرى شعر الصمة القشيري شعر العراس بن الأحنف شعر المثقب العبدي شعر بشار بن برد شعر توفيق زياد شعر خلدون بني عمر شعر رابعة العدوية شعر زهير بن أبي سلمى شعر سميح القاسم شعر طارق بنات شعر عبد الله البردوني شعر مجنون ليلى شعر مجنون ليلي شعر مظفر النواب شعر نازك الملائكة شعر نزار قباني قصص د. شفيق طه النوباني مقامات حديثة
‏إظهار الرسائل ذات التسميات ترجمات. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات ترجمات. إظهار كافة الرسائل

الثلاثاء، 14 يوليو 2015

نهاية التاريخ؟ مقالة فرانسيس فوكوياما



 

فرانسيس فوكوياما ، مجلة نشانل إنترست، صيف 1989



ترجمة: فتح عبدالفتاح كساب

عند  التدقيق في مجريات الأحداث على مدى العقد الماضي أو نحو ذلك، فإنه من الصعب تجنب الشعور بأن شيئا أساسيا جدا حدث في تاريخ العالم. فقد شهد العام الماضي طوفانا من المقالات المحتفية بانتهاء الحرب الباردة، وحقيقة أن "السلام" سيسود العديد من مناطق العالم. تفتقر معظم هذه التحليلات إلى أي إطار مفاهيمي أكبر للتمييز بين ما هو هام وما هو مشروط أو عرضي في تاريخ العالم، وهي سطحية في تنبؤاتها. فلو تمت الاطاحة بالسيد غورباتشوف من الكرملين أو أن آية الله جديد افتتح الألفية من عاصمة شرق أوسطية بائسة، فإن نفس هؤلاء المُعَلِقين سيتبارون للإعلان عن عودة حقبة جديدة من الصراع.

السبت، 4 يوليو 2015

جذورالحَنَق الإسلامي



لماذا يكره الكثير من المسلمين الغرب، ولماذا لن يكون من السهل تخفيف مرارتهم.                          
برنارد لويس ، أيلول 1990
               ترجمة فتح  عبدالفتاح كساب     
مقدمة المترجم:
جاءت ترجمة هذه المقالة استكمالا لترجمة مقالتين سبقتا وهما المقالة المعنونة "صدام الحضارات" للمفكر الأمريكي الراحل صامويل هنتنغتون، والمقالة المعنونة "صدام الجهل" للمفكر الأمريكي الفلسطيني الراحل إدوارد سعيد التي رد فيها على أطروحة هنتنغتون وأشار فيها إلى كاتبين آخرين هما المستشرق برنارد لويس- صاحب أول إشارة صريحة لمقولة صدام الحضارت- والفيلسوف فرانسس فوكوياما صاحب نظرية نهاية التاريخ . ما دفعني لاستكمال ترجمة هذه المقالات هو ترداد الكثيرين ممن يُسموَن النخبة لعناوين هذه الأطروحات الكبيرة دون تقديم شرح لمضامينها أو محاولة الرد عليها بالحجة والبرهان العقليين. وكذلك عدم استخدامها ممن يدَّعون الفكر لإعادة رسم خطوط التفاعل أو الصدام، إن حصل، بيننا وبين الغرب. لأنه كما سيلاحظ القارئ الكريم أن أصحاب الفكر والعقول المُستنيرة هم من يصوغون خطوط ثقافة بلدانهم وسياساتها الرسمية بما يخدم بلدانهم ويضمن استمرار حماية مصالحها في العالم. فإن كانت تلك الأطروحات ضارة بنا أو مُجحِفة بحقنا، فليس ذلك لأنهم ظالمون مارقون ونحن مظلومون، ولكن لأن فسادنا واستبدادنا وتطرف معتقداتنا عطّل العقول وكبَّل روح المبادرة فينا؛ فلم يبقَ فينا غير العَطَن ولم يبقَ لنا غير سوء المُنقلب.
 يمور العالم بالأحداث الجِسام التي تعيد رسمه يوميا ويحاول حَمَلةُ كل ثقافة أو حضارة حية أن يكونوا جزءاً مما يحدث، لاعبين إيجابيين لصالح أُممهم لتحصيل ما أمكن من المكتسبات أو لتقليل خسائرهم ما أمكن. أما نحن فلسنا سوى كرة يتقاذفها اللاعبون شرقا وغربا. وكما يعلم القرّاء الكرام ليس للكرة من نصيب سوى تلقي الضربات.  
وهذا هو رابط المقالة بلإنجليزية لمن يُحبُ الاطلاع عليها. 
نص المقالة:
أشار توماس جيفرسون في إحدى رسائله، إلى أنه فيما يخص الدين يجب عكس "مقولة الحكومة المدنية" وينبغي لنا أن نقول بدلا من ذلك، "مُنقسمون نقف، متحدون نسقط." في هذه الإشارة كان جيفرسون يحدد بتكثيف كلاسيكي فكرة يمكن اعتبارها أمريكية أساسا: الفصل بين الكنيسة والدولة. لم تكن هذه الفكرة جديدة تماما. كان لها سوابق في كتابات سبينوزا ولوك وفلاسفة التنوير الأوروبي. 

الثلاثاء، 30 يونيو 2015

صِدام الجهل : مقالة إدوارد سعيد


  
                                                                                                                مقالة إدوارد سعيد
 ترجمة: فتح كساب
إن يافطات من مثل "الإسلام" و "الغرب" تقود إلى إرباكنا في واقع مضطرب. 
                                                                                  إدوارد سعيد

                          

  • ملاحظة للمترجم:
هذه المقالة هي رد للمفكر الأمريكي الفلسطيني إدوارد سعيد على مقالة "صدام الحضارات" التي نشرها المفكر الأمريكي صامويل هنتنغتون عام 1993. وكما تلاحظون جاء الرد بعد ثماني سنوات من نشر المقالة التي تحولت إلى كتاب يحمل نفس العنوان عام 1996. 
 نشر هذا المقال في 22 تشرين أول 2001 في مجلة ذَ نيشن
  • نص المقالة:
ظهرت مقالة صامويل هنتنغتون "صدام الحضارات" في صيف عام 1993 في مجلة  الشؤون الخارجية (فورين أفيرز)، وسرعان ما اجتذبت قدرا مذهلا من الاهتمام والتفاعل. ولأنه قُصِدَ  من المقالة تقديم أطروحة جديدة للأميركيين عن السياسة العالمية في "مرحلة جديدة" مرحلة ما بعد الحرب الباردة، بدا أن حجة هنتنغتون قوية ومقنعة، وجريئة، وحتى تنبؤية. وبكل وضوح كانت عيونه على منافسيه من صُنّاع السياسات، وأصحاب النظريات مثل فرانسيس فوكوياما وأفكاره حول "نهاية التاريخ"، فضلا عن جحافل المحتفلين بالعولمة الناشئة والقبلية وتلاشي الدولة. لكنهم، كما قال، قد فهموا بعضاً من جوانب هذه المرحلة الجديدة. وكان على وشك الإعلان عن الجوانب "بالغة الأهمية، وفي الواقع المركزية، لمآلات السياسة العالمية في السنوات المقبلة."  وأكد دون تردد قائلا:
و"فرضيتي أن المصدر الأساسي للصراع في هذا العالم الجديد لن يكون أيديولوجيا أو اقتصاديا في المقام الأول. ستكون الانقسامات الكبيرة بين البشر والمصدر المسيطر للنزاع أسباب ثقافية. ستظل الدول القومية الفاعل الأقوى في الشؤون العالمية، لكن الصراعات الرئيسية في السياسة العالمية ستقع بين الأمم والجماعات ذات الثقافات المختلفة. سيهيمن الصدام بين الحضارات على السياسة العالمية. وستكون خطوط الفصل بين الحضارات هي خطوط المعركة في المستقبل."
تعتمد معظم حججه في الصفحات التي تلت على فكرة غامضة عن شيء سمّاه هنتنغتون "هوية الحضارة" و "التفاعلات بين سبع أو ثماني حضارات كبرى"، ومن بينها يستأثر الصدام بين الإسلام والغرب بنصيب الأسد من اهتمامه.  يعتمد هنتنغتون في هذا النوع العدائي من الفكر بشكل كبير على مقالة نشرها المستشرق المخضرم برنارد لويس، صاحب اللون الإيديولوجي الواضح في مقالته الصادرة عام 1990 والمعنونة ب "جذور الغضب الإسلامي". في كلتا المقالتين، تم التأكيد بتهور على كيانين ضخمين هما "الغرب" و "الإسلام" ، وكأن مسائل معقدة من مثل الهوية والثقافة تُعرض في عالم الرسوم المتحركة حيث بوباي وبلوتو يضربان بعضهما البعض بلا رحمة، وملاكم منهما أكثر فضيلة على الدوام وصاحب اليد العليا على خصمه. بالتأكيد لم يكن لهنتنغتون ولا للويس الكثير من الوقت ليخصصاه للحركية الداخلية والتعددية لكل حضارة، أو لحقيقة أن المنافسة الكبرى في معظم الثقافات الحديثة تتعلق بتعريف أو تفسير كل ثقافة، أولاحتمالية وجود قدر كبير من الغوغائية والجهل عند الحديث بشكل كلي عن دين أو حضارة. لا، الغرب هو الغرب، والإسلام هو الإسلام.
ويقول هنتنغتون إن التحدي بالنسبة لصُنّاع السياسات الغربية هو التأكد من أن الغرب سيصبح أقوى ويردع كل الآخرين، و خاصة الإسلام. الأكثر إثارة للقلق هو افتراض هنتنغتون أن وجهة نظره- رؤية العالم بأسره من ربوة خارجية بعيدة عن الارتباطات العادية والولاءات الخفية- هي الصحيحة، وكأن الجميع مندفعون من جميع الأنحاء يبحثون عن الإجابات التي وجدها هو بالفعل. في الواقع، هنتنغتون صاحب إيديولوجيا، شخص يريد أن يُدخِل "الحضارات" و "الهويات" فيما ليس لها: كيانات ساكنة منغلقة تم تطهيرها من التيارات والتيارات المضادة التي لا تعد ولا تحصى والتي تحرك التاريخ البشري. لم يكن التاريخ على مر القرون حروبا دينية وغزواً استعمارياً فقط ولكن أيضا تاريخا من التبادل والتلاقح والمشاركة. تم تجاهل هذا التاريخ الأقل وضوحاً في غمرة الاندفاع لتسليط الضوء بسخافة على يافطة الحرب الضيقة القائلة أن "صدام الحضارات" هو الواقع. وعندما نشر كتابه بنفس العنوان في عام 1996، حاول هنتنغتون إعطاء حجته لباقة والعديد العديد من الحواشي. كل ما فعله، مع ذلك، كان إرباك نفسه وإثبات كم كان كاتبا ومفكرا أخرقا.
بقي المعيار الأساسي لشعار الغرب مقابل العالم (إعادة صياغة لعداوات الحرب الباردة) كما هو، وهذا ما استمر في كثير من الأحيان متداولا بكثير من الدهاء في نقاشات الأحداث الرهيبة بعد الحادي عشر من أيلول 2001. وتم تحويل، الهجوم الانتحاري الرهيب والمخطط بعناية والمدفوع بدوافع مَرَضية والذبح الجماعي الذي قامت به مجموعة صغيرة من المسلحين المختلين، إلى إثبات لأطروحة هنتنغتون. وبدلا من رؤيتها على ما هي عليه - تبني أفكار كبيرة (أنا استخدم كلمة فضفاضة) من قبل مجموعة صغيرة من المتعصبين المخبولين لأغراض إجرامية – قامت الشخصيات الدولية مثل رئيسة وزراء باكستان السابقة بينظير بوتو ورئيس الوزراء الايطالي سيلفيو برلسكوني بالحديث الوعظي حول مشاكل الإسلام، وفي حالة برلسكوني استُخدمت أفكار هنتنغتون للتشدق بالتفوق الغربي، وكيف "أننا" لدينا موزارت ومايكل أنجلو وليس عندهم مثل ذلك. (قدم برلسكوني منذ ذلك الحين اعتذارا فاترا لإهانته "الإسلام").
ولكن لماذا لا نرى الحالات الدينية الموازية لأسامة بن لادن، الأقل إثارة في قدرتها التدميرية باعتراف الجميع ، مثل جماعة الداووديين أو أتباع القس جيم جونز في غوايانا أو حركة أوم شينريكيو اليابانية ؟ وحتى الصحيفة الأسبوعية البريطانية الرصينة عادة الايكونومست، في عددها الصادر في 22-28 أيلول، لم تستطع أن تقاوم التعميم الفضفاض، وأسرفت في الإشادة بآراء هنتنغتون حول الإسلام  قائلة بأنها "قاسية وشاملة، ولكنها مع ذلك دقيقة". وتقول الصحيفة بجدية ووقاحة، أن هنتنغتون يكتب أن " مليار أو نحو ذلك من المسلمين اليوم مقتنعون بتفوق ثقافتهم، ومسكونون بهاجس دونية قوتهم ". هل استطلع آراء 100 من الإندونيسيين، و 200 من المغاربة و500 من المصريين وخمسين من البوسنيين؟ حتى لو فعل، أي نوع هذا؟
هناك أعداد لا تُحصى من افتتاحيات الصحف والمجلات الأمريكية والأوروبية المُذكِّرة والمضخِمة للحدث باستخدام مفردات من سفر الرؤيا ، وكل استخدام لهذه المفردات لم يكن يهدف لتقديم معلومة ولكن لتأجيج عاطفة وسخط القارئ بوصفه "غربيا"، و ما يتعين علينا القيام به. يُستخدم الخطاب التشرشلي في غير محله من قِبل المقاتلين الذين نصبوا أنفسهم في حرب الغرب، وخصوصا أمريكا ، ضد كارهيهم ، والمفسدين والمدمرين، مع قليل من الاهتمام للتواريخ المعقدة التي تتحدى مثل هذه الاختزالية التي تسللت من منطقة إلى  أخرى، متخطية الحدود التي من المفترض أن تقسمنا إلى معسكرات مسلحة منفصلة.
هذه هي المشكلة مع اليافطات غير العقلانية  مثل "الإسلام" و"الغرب": فهي تضلل وتشوش العقل، الذي يحاول أن يمنطق واقعا غير منضبط لا يمكن تصنيفه أو تقييده بتلك السهولة . أتذكر مقاطعة رجل لي، بعد محاضرة قدمتها في إحدى الجامعات في الضفة الغربية في عام 1994، نهض وبدأ في مهاجمة أفكاري متهما إياها  "بالغربية" وأنها مناهضة لتلك المعتقدات الإسلامية الصارمة التي اعتنقها. كانت ردة الفعل الانفعالية التي تبادرت إلى ذهني هي سؤاله "لماذا ترتدي بدلة وربطة عنق؟ إنها غربية أيضاً." جلس وعلى وجهه ابتسامة مُحرَجة، لكني تذكرت الحادثة عندما بدأت المعلومات عن إرهابيي هجمات 11 أيلول بالظهور: كيف تمكنوا من استيعاب كل التفاصيل التقنية اللازمة لإيقاع شرِّهم الدموي على مركز التجارة العالمي والبنتاغون والطائرة التي استولوا عليها. أين يمكن للمرء أن يرسم الخط الفاصل بين التكنولوجيا "الغربية"، وفقا لما أعلن برلسكوني، وعدم قدرة "الإسلام" أن يكون جزءا من "الحداثة"؟ 
لا يمكن للمرء أن يفعل ذلك بسهولة، بطبيعة الحال. وكم هي فجة في النهاية التسميات والتعميمات والمزاعم الثقافية. على مستوى ما، على سبيل المثال، تلتقي المشاعر البدائية والمتطورة بأساليب تُسلّمِ الكذب لحدود محصنة ليس فقط بين "الغرب" و "الإسلام" ولكن أيضا بين الماضي والحاضر، ونحن وهم، ناهيك عن تعدد مفاهيم الهوية والوطنية التي يدور حولها خلاف وجدل لا ينتهيان. إن  القرار الأحادي المُتخذ لرسم خطوط في الرمال، وللقيام بحملات عسكرية، ولمحاربة شرهم بخيرنا، ولاستئصال الإرهاب ، وكما في مفردات بول وولفويتز العدمية ، القضاء على أمم بأكملها، لا تُسهِّل رؤية الكيانات المفترضة؛ بدلا من ذلك، إنها تتحدث عن سهولة توظيف العبارات العدائية بهدف تحريك المشاعر الجماعية عوضا عن توضيح وفحص وتبويب ما يجري في الواقع، وترابط الحيوات الهائلة "حيواتنا" و "حيواتهم".   
في سلسلة هامة من ثلاث مقالات نُشرت في الفترة بين كانون ثاني وآذار من عام 1999 في صحيفة الفجر، الأسبوعية الباكستانية الأكثر رواجا، موجها كتابته لجمهور المسلمين، حلل الراحل إقبال أحمد  ما وصفه بجذور الحق الديني هاجما بشدة على التشويهات التي لحقت بالإسلام من قبل الحكم المطلق والطغاة المتعصبين الذين يشجع هوسهم بضبط السلوك الشخصي على "نظام إسلامي مُختزل إلى قانون عقوبات، مجرد من الإنسانية ، والجمالية، والتساؤلات الفكرية، والتفاني الروحي". وينطوي هذاعلى التأكيد المطلق لجانب واحد من جوانب الدين ، منزوع من سياقه عموما، وتجاهل تام للآخر. هذه الظاهرة تشوه الدين، وتحط من التراث، وتحرف العملية السياسية عن مساراتها". وكمثال معاصر على هذا الخداع اللفظي، يسترسل أحمد أولا في تقديم المعنى الغني والمركب والتعددي ، لمصطلح "الجهاد" وثم يمضي لإظهار أنه عند تقييد الكلمة في "الحرب الشعواء على الأعداء" المفترضين، فإنه من المستحيل "تحديد الاسلام - دينا ومجتمعا وثقافة وتاريخا وسياسة - كما عاشه وخبره المسلمون عبر العصور" ويَخلُص أحمد إلى أن الإسلاميين الحداثيين، "معنيون بالسلطة، وليس الروحانيات؛ وبحشد الناس لأغراض سياسية بدلا من تخفيف معاناتهم ومشاطرتهم تطلعاتهم .هناك أجندة سياسية محدودة ومقيدة زمنيا". ما جعل الأمور أكثر سوءا هو التشوهات والتعصب المماثل الذي يحدث في عوالم الخطاب "اليهودي" و "المسيحي".
لقد فهم كونراد، أكثر مما يتخيل أي من قراءه في نهاية القرن التاسع عشر ، أن الفروق بين لندن المتمدنة و "قلب الظلام " انهارت بسرعة في حالات الشدة، وأن ذُرى الحضارة الأوروبية قد تنزلق على الفور إلى أكثر الممارسات همجية إن لم يكن هناك استعداد أو فترة انتقال. وكان كونراد أيضا، في روايته العميل السري (1907)، هو الذي وصف تطابق الإرهاب مع تجريدات مثل "العلوم البحتة" (وبالتبعية "الإسلام" أو "الغرب")، فضلا عن الانحطاط الأخلاقي للإرهابي في نهاية المطاف.
ولأن هناك علاقات وثيقة بين الحضارات المتحاربة ظاهريا أكثر مما يود معظمنا أن يعتقد، أظهر كل من فرويد ونيتشه أن الحركة عبر الحدود المحروسة بعناية، تمضي في كثير من الأحيان بسهولة مرعبة. ولكن مثل هذه الأفكار المائعة، المليئة بالغموض والتشكيك نادرا ما تزودنا بمبادئ عملية ومناسبة لحالات مثل التي نواجهها الآن. ومن هنا استقت المعركة أوامرها (حرب صليبية، الخير ضد الشر والحرية ضد الخوف، وما إلى ذلك) من فرضية هنتنغتون المزعومة حول التعارض بين الإسلام والغرب، ومنها أخذ الخطاب الرسمي مفرداته في الأيام الأولى بعد هجمات 11 أيلول . كان هناك انخفاض ملحوظ لوتيرة التصعيد منذ ذلك الوقت في هذا الخطاب، ولكن ثبات خطاب الكراهية والإجراءات المُتخذة ، بالإضافة إلى التقارير عن جهود إنفاذ القانون ضد العرب والمسلمين والهنود في جميع أنحاء البلاد، يجعلنا نحكم أن النمط لا يزال موجودا.
سبب آخر لاستمرارها هو الحضور المتزايد للمسلمين في جميع أنحاء أوروبا والولايات المتحدة. تأمَّل في السكان اليوم في فرنسا وإيطاليا وألمانيا وإسبانيا وبريطانيا وأمريكا وحتى السويد، ستُسلِّم حتما بأن الإسلام لم يعد على هامش الغرب ولكن في مركزه. ولكن ما الشيء المُهدِد في ذلك الحضور؟ ذكريات أول الفتوحات العربية الإسلامية العظيمة في القرن السابع الميلادي المدفونة في الثقافة الجمعية ، والتي، كما أكد المؤرخ البلجيكي الشهير هنري بيرن في كتابه الشهير محمد وشارلمان (1939)، حطمت مرة واحدة وإلى الأبد الوحدة القديمة للبحر الأبيض المتوسط، ودمرت التوليف المسيحي الروماني وأدت إلى ظهور حضارة جديدة تهيمن عليها قوى الشمال (ألمانيا وفرنسا الكارولنجية) مهمتها، كما يبدو أنه يقول، هي استئناف الدفاع عن "الغرب" ضد أعداء ثقافته التاريخيين. ما أسقطه بيرن ، للأسف، أنه عند إنشاء خط الدفاع الجديد سَحَبَ الغرب ذلك على الإنسانية، والعلوم، والفلسفة، وعلم الاجتماع والتأريخ للإسلام، الذي اعترض بالفعل بين عالم شارلمان والعالم القديم. الإسلام في الداخل منذ البداية، حتى دانتي، العدو الأكبر لمحمد، اضطُر للاعتراف به عندما وضع النبي في قلب جحيمه. 
ثم هناك إرث التوحيد المستمر، الديانات الإبراهيمية، كما سماها لويس ماسينيون. بدءا من اليهودية والمسيحية، كل واحدة منها وريثة وأسيرة ما قبلها؛ وبالنسبة للمسلمين فإن الإسلام يُكمِّل وينهي خط النبوة. لا يوجد حتى الآن تاريخ نزيه أو كشف لغموض الصراع المتعدد الجوانب بين الثلاثة أتباع – ولا واحدة منها متجانسة بأي شكل ، وموحدة - الأكثر غيرة من جميع الآلهة، على الرغم من أن اللقاء الدموي الحديث على فلسطين يقدم مثالا علمانيا غنيا يمنع التصالح بينها بشكل مأساوي. ليس من المستغرب، إذن، أن المسلمين والمسيحيين يتحدثون بسهولة عن الحروب الصليبية والجهاد، وكلاهما يُلغي الوجود اليهودي مع لامبالاة كبيرة في كثير من الأحيان. يقول إقبال أحمد  مثل هذه الأجندة "مطمئنة جدا للرجال والنساء الذين تقطعت بهم السبل في منتصف المخاضة، بين مياه التقاليد والحداثة العميقة ".
لكننا جميعا نسبح في تلك المياه ، غربيون ومسلمون وغيرهم على حد سواء. ولأن المياه جزء من محيط التاريخ، فإن محاولة حراثتها أو تقسيمها بحواجز أمرغير ذي جدوى. هذه أوقات عصيبة، لكن من الأفضل أن نفكر بمفاهيم من مثل المجتمعات القوية والضعيفة، والسياسة العلمانية العقلانية والجهل، والمبادئ العالمية للعدالة والظلم، بدلا من التسكع بحثا عن التجريدات الفضفاضة التي قد تعطي ارتياحا لحظيا ولكن القليل من معرفة الذات أو التحليل المُتقن. أطروحة "صدام الحضارات" خدعة مثل "حرب العوالم" تعزز الكبرياء الدفاعي الذاتي أكثر من الفهم النقدي للترابط الغامض لعصرنا.
29\6\2015

اقرأ أيضاً على حبيبتنا

أنشودة العرب، شعر: علي طه النوباني  

بنما دولة بعيدة... ومُشوِّقة جدا  

الأزمة الاقتصادية، ومصالح الطبقات  

قراءة في رواية دموع فينيس لعلي طه النوباني  

عَهْدُ فلسطين - عهد التميمي  

كذبة نيسان  

الشوكُ جميلٌ أيضا  

«مدينة الثقافة الأردنية».. مراجعة التجربة لتعزيز الإيجابيات وتلافي السلبيات  

المشنقة  

البيطرة  

قصة نظرة  

عملية صغرى  

سيجارة على الرصيف  

بالشوكة والسكين والقلم  

نهاية التاريخ؟ مقالة فرانسيس فوكوياما  

الدولة العربية الإسلامية / الدولة والدين/ بحث في التاريخ والمفاهيم  

شهامة فارس  

جذورالحَنَق الإسلامي برنارد لويس  

صِدام الجهل : مقالة إدوارد سعيد  

صدام الحضارات؟ صموئيل هنتنغتون 

الفضائيات والشعر  

كأسٌ آخرُ من بيروت 

عمّان في الرواية العربية في الأردن": جهد أكاديمي ثري يثير تساؤلات 

تشكّل الذوات المستلبة  

مشهد القصة بين الريف والمدينة  

وحدة الوجدان والضمير  

«المنجل والمذراة».. استبطان الداخل  

دور المثقف والخطاب العام  

جرش: حديث الجبال والكروم  

في شرفة المعنى 

المثاقفة والمنهج في النقد الأدبي لإبراهيم خليل دعوة للمراجعة وتصحيح المسيرة  

!!صديق صهيوني  

عنترُ ودائرةُ النحس  

فجر المدينة  

مقامة الأعراب في زمن الخراب  

دورة تشرين 

الغرفُ العليا  

الصيف الأصفر  

حب الحياة: جاك لندن 

قصة ساعة كيت تشوبن 

قل نعم، قصة : توبايس وولف 

معزوفة الورد والكستناء  

منظومة القيم في مسلسل "شيخ العرب همام"  

ملامح الرؤية بين الواقعية النقدية والتأمّل  

الرؤية الفكرية في مسلسل «التغريبة الفلسطينية»  

"أساليب الشعريّة المعاصرة" لصلاح فضل - مثاقفة معقولة  

كهرباء في جسد الغابة  

جامعو الدوائر الصفراء  

صَبيَّةٌ من جدارا اسمُها حوران  

 

الجمعة، 19 يونيو 2015

صدام الحضارات؟

صموئيل هنتنغتون


ترجمة فتح كساب




مقدمة المترجم:

لم تأتِ هذه الترجمة نوعاً من الصحوة المتأخرة ولا ادعاءً للحكمة بأثرٍ رجعي. لكنها جاءت لتأكيد مسألتين غاية في الخطورة تُهيمنان على المشهدين الفكري الإبداعي، والثقافي الشعبي في العالم العربي. فعلى الجانب الفكري الإبداعي أثبتت التطورات الكونية المتلاحقة منذ كتابة هذا المقال عام 1993 أن في الغرب وفي الحضارات الأخرى، مثقفين يقرأون المشهد المحلي لبلدانهم والمشهد الدولي عموما، ويخرجون منه بخُلاصات وعِبرٍ تساعد السياسيين في بلدانهم على التخطيط العلمي والعملي واتخاذ الخطوات وبناء التحالفات التي من شانها الإفادة إلى أقصى الحدود من المتغيرات لصالح بلدانهم. وعلى المقلب الآخر يَثبت العكس. لا توجد حالة فكرية إبداعية حقيقية في العالم المُسمى عربي ولا مفكرون قادورن على قراءة شيء. لا يزال من يسمون أنفسهم " النخب السياسية والفكرية" العربية عاجزين عن استيعاب ما يجري حولهم. فهم يُسارعون للهرولة وراء أي اصطفاف للمحاور الدولية والإقليمية دون حساب واضح لعواقب الأمور. وما يجري في الوقت الحالي في الدول العربية التي تشهد صراعات دموية لا يحتاج لشرح أو تفصيل. أما على الجانب الشعبي، فأعتقد أن المجاميع السكانية في هذه البقعة البائسة ما زالت تعيش عصور ما قبل الحضارة. فهي تنزع، كنخبها، لردود الأفعال الغريزية التي لم تعد موجودة إلا عند قطعان الماشية التي تعمد إلى الهروب عند تعرضها للخطر.
فعند استعراض مضمون المقالة، الي تحولت لاحقاً إلى كتاب، نجد أن مفكري الغرب استشعروا فوائد ومخاطر عالم ما بعد الحرب الباردة جيداً. وبناءً على فهمهم ذاك، قاموا برسم خطوط التحالفات والصراعات القادمة بطريقة علمية واضحة. واستثمرت الدول الغربية ذلك الفهم لبناء استراتيجيات واضحة مكنتها من تجنب وتوظيف مستجدات وصراعات المستقبل لتصب في وعاء مصالحها. فمثلا عمدت إلى تأجيج الصراعات الداخلية الدينية والقومية في العالم العربي، لتمنع بروز أي قوة ذات طابع ديني أو قومي تكون قادرة على تحدي سياساتها ومصالحها في المنطقة. كما قامت بتحريك الأقليات في الصين وروسيا لضمان استمرار هيمنتها على العالم وتأخير ظهور قوى جديدة تَحُد من طموحات وأطماع الغرب في العالم. والنتيجة هي مشاهد الدماء والدمار في الكثير من مناطق العالم، والرخاء واستمرار الهيمنة للغرب.
أين كان العرب من هذه الكتابات التي أثارت عواصف فكرية في كافة أنحاء المعمورة ولم تُثِر شيئاً في هذه البقعة البائسة؟ أترك الإجابة على هذا السؤال لفهم القاريء بعد قراءة هذه المادة المُتَرجَمة الغاية في الخطورة. والمقالة الأصلية مأخوذة من موقع مجلة "الشؤون الخارجية" الأمريكية في العدد الصادر صيف عام 1993.وهذا هو رابط المقالة الأصلي للراغبين في الاطلاع عليها:

   النمط القادم من الصراعات
تدخل السياسة العالمية حقبة جديدة، ولم يتردد المثقفون في تشجيع رؤى ما سوف تكون عليه نهاية التاريخ، وعودة التنافس التقليدي بين الدول القومية، وتراجع الدولة القومية بسبب التجاذبات المتعارضة للقبلية والعولمة وغيرها. كل هذه الرؤى تمسك جوانب الواقع الناشئة. لكنها جميعاً تفوِّت جانبا حاسماً، وفي الواقع مركزياً، من جوانب تخص ما يمكن أن تكون عليه السياسة العالمية في السنوات المقبلة.
وفرضيتي هي أن المصدر الأساسي للصراع في هذا العالم الجديد لن يكون أيديولوجيا أو اقتصاديا في المقام الأول. ستكون الانقسامات الكبيرة بين البشر والمصدر المسيطر للنزاع أسباب ثقافية. ستظل الدول القومية الفاعل الأقوى في الشؤون العالمية، لكن الصراعات الرئيسية في السياسة العالمية ستقع بين الأمم والجماعات ذات  الثقافات المختلفة. سيهيمن الصدام بين الحضارات على السياسة العالمية. وستكون خطوط الفصل بين الحضارات هي خطوط المعركة في المستقبل.
سيكون الصراع بين الحضارات هو المرحلة الأخيرة في تطور النزاع في العالم الحديث. لمدة قرن ونصف بعد ظهور النظام الدولي الحديث مع سلام ويستفاليا، كانت الصراعات في العالم الغربي إلى حد كبير بين الأمراء والأباطرة، والملكيات المطلقة والدستورية، في محاولة لتوسيع بيروقراطياتها، وجيوشها، وقواها الاقتصادية الميركنتالية، والأهم من كل ذلك، الأراضي التي تحكمها. في خضم تلك العملية نشأت الدول القومية، وبدءا من الثورة الفرنسية كانت خطوط الصراع الرئيسية بين الأمم بدلا من الأمراء. في عام 1793، كما أكد ذلك R.R بالمر "أنتهت حروب الملوك ؛ وبدأت حروب الشعوب." استمر هذا النمط الخاص بالقرن التاسع عشر حتى نهاية الحرب العالمية الأولى. بعد ذلك، ونتيجة للثورة الروسية وردود الفعل ضدها، خَفَتَ صراع الأمم فاسحا المجال لصراع الأيديولوجيات، أولا بين الشيوعية والفاشية-و النازية  والديمقراطية الليبرالية ثم بين الشيوعية والديمقراطية الليبرالية. أثناء الحرب الباردة، أصبح هذا الصراع الأخير متجسداً في الصراع بين القوتين العظميين، ولم تكن أي منهما دولة قومية بالمعنى الكلاسيكي الأوروبي ودافعت كل منهما عن هويتها انطلاقا من عقيدتها.
كانت هذه الصراعات بين الأمراء والدول القومية والأيديولوجيات في المقام الأول صراعات داخل الحضارة الغربية، وكما وصفها ويليام ليند "هي حروب أهلية غربية،". كان هذا الوصف صحيحا بالنسبة للحرب الباردة كما كان كذلك فيما يخص الحربين العالميتين والحروب السابقة من القرن السابع عشر، والثامن عشر والتاسع عشر. مع نهاية الحرب الباردة، تحركت السياسة الدولية من حقبتها الغربية، وأصبحت أهم معالمها التفاعل بين الغرب والحضارات غير الغربية. لم تبقَ الحضارات والشعوب والحكومات من الحضارات غير الغربية كائنات تاريخية وأهدافاً للاستعمار الغربي لكنها انضمت إلى الغرب مُحركة ومُشَكِلة للتاريخ في سياسات الحضارات.
ماهية الحضارات:
انقسم العالم في الحرب الباردة إلى العالم الأول و العالم الثاني و العالم الثالث. لم تعد هذه الانقسامات ذات صلة بالواقع. وأصبح التصنيف الأكثر معنى ليس القائم على النظم السياسية أو الاقتصادية أو من حيث مستوى تنميتها الاقتصادية بل من حيث ثقافتها وحضارتها.
ما الذي نعنيه عندما نتحدث عن حضارة؟ إن الحضارة كيان ثقافي. إن القرى والمناطق والمجموعات العرقية والقوميات والجماعات الدينية، لها ثقافات متمايزة على مستوىً متفاواتٍ من التجانس الثقافي. قد تكون ثقافة قرية في جنوب إيطاليا مختلفة عن تلك القرية التي في شمال إيطاليا، ولكن كليهما تشتركان في الثقافة الإيطالية المشتركة التي تميزها عن القرى الألمانية. في المقابل فإن المجتمعات الأوروبية ستتشارك بسمات ثقافية تميزها عن المجتمعات العربية أو الصينية. لذاك فالعرب والصينيون والغربيون، ليسوا جزءا من أي كيان ثقافي أوسع. وهم يكوِّنون حضارات. إن الحضارة بالتالي هي التجمع الثقافي الأعلى للناس والمستوى الأوسع  للهويتهم الثقافية وهو ما يميز البشر من الأنواع الأخرى. وتُعرَّف من خلال العناصر الموضوعية المشتركة، مثل اللغة والتاريخ والدين والعادات والمؤسسات، والعامل الذاتي تعريف - الناس لأنفسهم. والناس لديهم مستويات من الهوية: فالمقيم في روما قد يحدد نفسه بدرجات متفاوتة من الشدة على أنه روماني، أو ايطالي، أوكاثوليكي، أو مسيحي، أو أوروبي، أو غربي. فالحضارة التي ينتمي إليها هي أوسع مستوىً من التحديد الذي تحدده درجة انتماءه. يمكن للناس أن يعيدوا تعريف هوياتهم، ونتيجة لذلك، فإن حدود ومكونات الحضارات تتغير.
قد تضم الحضارات عددا كبيرا من البشر، كما هو الحال مع الصين ("حضارة تتظاهر بأنها دولة"، كما قال لوسيان بى)، أو عدد قليل جدا من الناس، مثل منطقة البحر الكاريبي الناطقة باللغة الإنكليزية. ويمكن أن تشمل الحضارة عدة دولٍ وطنية، كما هو الحال مع الحضارتين العربية والأمريكية اللاتينية أو واحدة فقط، كما هو الحال مع الحضارة اليابانية. من الواضح أن الحضارات تتمازج وتتداخل، ويمكن أن تشتمل على حضارات فرعية في داخلها. للحضارة الغربية تنويعتان رئيسيتان، أوروبا وأمريكا الشمالية، وللإسلام تنويعاته الفرعية العربية، والتركية والماليزية. والحضارات كيانات ذات مغزى مع ذلك، والخطوط الفاصلة بينها نادرا ما تكون حادة، إلا أنها حقيقية. والحضارات ذات طبيعة حركية؛ أنها تزدهر وتسقط، وتنفصل وتندمج. وكما يعلم أي دارس للتاريخ ، فإن الحضارات تندثر وتُدفن في رمال الزمن.
يميل الغربيون الى الاعتقاد أن الدول القومية هي الفاعل الرئيسي في الشؤون العالمية. لقد كانت كذلك لبضعة قرون فقط. كانت الروافد الأوسع في التاريخ البشري هي تواريخ الحضارات. في كتابه "دراسة للتاريخ"، حدد أرنولد توينبي إحدى وعشرين حضارة كبرى. ستة منها فقط  ما زالت موجودة في العالم المعاصر.
لماذا ستتصادم الحضارات:
ستكون الهوية الحضارية ذات أهمية متزايدة في المستقبل، وسوف يتم تشكيل العالم إلى حد كبير عن طريق التفاعلات بين سبع أو ثماني حضارات كبرى. وتشمل هذه الحضارات كل من  الغربية، والكونفوشية واليابانية والإسلامية والهندوسية والسلافية الأرثوذكسية، والأمريكية اللاتينية وربما الأفريقية. وستحدث أهم الصراعات المستقبلية على طول خطوط الصدع الثقافية التي تفصل هذه الحضارات عن بعضها البعض.
لماذا ستكون هذه هي الحال؟
أولا: الاختلافات بين الحضارات ليست حقيقية فقط؛ بل أساسية. تختلف الحضارات عن بعضها البعض في التاريخ واللغة والثقافة والتقاليد، والأهم، الدين. لشعوب الحضارات المختلفة وجهات نظر مختلفة حول العلاقات بين الله والانسان، والفرد والجماعة، والمواطن والدولة، والآباء والأبناء، والزوج والزوجة، وكذلك وجهات نظر مختلفة حول الأهمية النسبية للحقوق والمسؤوليات، والحرية والسلطة والمساواة والطبقية. هذه الاختلافات نتاج لقرون من التراكم. ولن تختفي قريبا. وهي أكثر أهمية بكثير من الاختلافات بين الإيديولوجيات السياسية والأنظمة السياسية. والاختلافات لا تعني بالضرورة الصراع، والصراع لا يعني بالضرورة العنف. إلا أنه وعلى مر القرون، ولَّدت الإختلافات بين الحضارات الصراعات الأطول والأكثر عنفاً.
ثانيا: أصبح العالم مكانا أصغر. والتفاعلات بين شعوب أو الحضارات المختلفة تتزايد. وهذه التفاعلات تزيد من حدة الوعي والإدراك الحضاري بالاختلافات بين الحضارات والقواسم المشتركة داخلها. تُولِّد الهجرة من شمال أفريقيا إلى فرنسا العدائية بين الفرنسيين، وفي الوقت نفسه يزداد تقبل الهجرة من طرف أقطاب الكاثوليكية الأوروبيين " الطيبين". يتفاعل الأمريكيون بكثير من السلبية مع الاستثمارات اليابانية أكثر من استثمارات كندا والدول الأوروبية. والحالة شبيهة، بمثال دونالد هورويتز حين أشارالى الهويات الفرعية والكبرى بمثال أفريقي "يمكن أن يكون من قبيلة الإيبو... والإيبو أويري أو الإيبو اونيتشا في ما كان في المنطقة الشرقية من نيجيريا. في لاغوس، هو ببساطة من الإيبو. في لندن، هو نيجيري. في نيويورك، هو أفريقي." تعزز التفاعلات بين شعوب الحضارات المختلفة وعي الناس، فهي تنعش الخلافات والعداوات الممتدة أو الأفكار التي تمتد جذورها إلى عمق التاريخ.
ثالثا: فصلت عمليات التحديث الاقتصادي والتغير الاجتماعي في جميع أنحاء العالم الناس عن الهويات المحلية العريقة المتجذرة لأزمنة طويلة. كما أنها أضعفت الدولة الأمة كمصدر للهوية. تَحَركَ الدين في الكثير من دول العالم لملء هذه الفجوة، وغالبا في شكل الحركات التي توصف  "بالأصولية". توجد مثل هذه الحركات في المسيحية الغربية واليهودية والبوذية والهندوسية، وكذلك في الإسلام. في معظم البلدان والأديان، النشطاء في الحركات الأصولية هم من الشباب، جامعيين وفنيين من الطبقة المتوسطة ومهنيين ورجال أعمال. وقد لاحظ جورج ويجل أن "ظاهرة التدين"  " واحدة من الحقائق  الاجتماعية السائدة في الحياة في أواخر القرن العشرين." "إعادة إحياء الدين"، كما وصفته جيل كيبيل ، "يوفر أساسا للهوية والالتزام الذي يتجاوز الحدود الوطنية ويوحِّد الحضارات".
رابعا:يتم تعزيز الوعي الحضاري المتنامني عن طريق الدور المزدوج للغرب. فمن جهة، الغرب الآن في ذروة القوة. في الوقت نفسه، وربما نتيجة لذلك، العودة إلى الجذور ظاهرة تحدث بين الحضارات غير الغربية. يسمع المرء وعلى نحو متزايد إشارات إلى الاتجاه نحو الانكفاء على الذات " الآسيوية" في اليابان، ونهاية تراث نهرو و"سيطرة الهندوسية" في الهند. وفشل الأفكار الغربية الاشتراكية والقومية، وبالتالي "إعادة أسلمة" الشرق الأوسط، و يدور الآن النقاش حول التغريب مقابل الروسنة في بلاد بوريس يلتسين. غَربٌ في أوج قوته يواجه مناهضيه الذين لديهم الرغبة، والإرادة والموارد اللازمة لتشكيل العالم بطرق غيرغربية.
في الماضي، كانت النخب في المجتمعات الغيرغربية من الفئات الأكثر ارتباطا مع الغرب، تلقوا تعليمهم في جامعة أكسفورد، وجامعة السوربون أو ساند هيرست، واستوعبوا التوجهات والقيم الغربية. في الوقت نفسه، ظل السكان في البلدان الغيرغربية في كثير من الأحيان مشبعين بالثقافة الأصلية. إلا أن العلاقات انعكست الآن. حيث العداء للتغريب والعودة للجذورفي البلدان الغيرغربية تقودها النخب في الوقت الذي تصبح فيه الأنماط والعادات والثقافات الغربية، وعادة الأمريكية، أكثر شعبية بين الجماهير.
خامسا: الخصائص والاختلافات الثقافية أقل قابلية للتغيير، وبالتالي التوصل لحلول وسط أوحلها أكثر صعوبة من تلك السياسية والاقتصادية. في الاتحاد السوفياتي السابق، يمكن أن يصبح الشيوعيون ديمقراطيون، والأغنياء يمكن أن يصبحوا فقراء والفقراء أغنياء، ولكن الروس لا يمكن أن يصبحوا أستونيين والاذريين لا يمكن أن يصبحوا أرمن. كان السؤال المحوري في موضوعي الطبقة و الصراعات الأيديولوجية ، "في أي جانب أنت؟" وكان بإمكان الناس أن يختاروا واختارو جانبا، وغيَّروا آخر. في الصراعات بين الحضارات، السؤال المحوري هو "ما أنت؟" وهذا هو المُعطى الذي لا يمكن تغييره. وكما نعلم، من البوسنة إلى القوقاز إلى السودان، يمكن أن تعني الإجابة الخاطئة على هذا السؤال عياراً نارياً في الرأس. يميِّز الدين بين الناس بحدة وحصرية أكثر من العِرق. يمكن لأي شخص أن يكون نصف فرنسي ونصف عربي في وقت واحد وحتى أن يكون مواطنا لبلدين. إلا أنه من الصعب أن يكون نصف كاثوليكي ونصف مسلم في آن واحد.
أخيرا، الإقليمية الاقتصادية الآخذ في الازدياد. ارتفعت نسب إجمالي التجارة البينية بين في أوروبا بين عامي 1980 و 1989 من 51 في المئة إلى 59 في المئة ومن 33 في المئة إلى 37 في المئة في شرق آسيا، ومن 32 في المئة إلى 36 في المائة في أمريكا الشمالية. ومن المرجح أن تستمر أهمية التكتلات الاقتصادية الإقليمية في الصعود مستقبلا. من جهة، ستعززالإقليمية الاقتصادية الناجحة وعي الحضارة. ومن الناحية الأخرى، قد تنجح الاقليمية الاقتصادية فقط عندما تتجذر في حضارة مشتركة. يتكئ المجتمع الأوروبي على أساس مشترك من الثقافة الأوروبية والمسيحية الغربية. يعتمد نجاح منطقة التجارة الحرة لأمريكا الشمالية على التقارب الجاري حاليا بين الثقافات المكسيكية و الكندية والأمريكية. في المقابل تواجه اليابان صعوبات في خلق كيان اقتصادي مماثل في شرق آسيا وذلك لأن اليابان مجتمع وحضارة فريد من نوعه. ومهما كانت قوة التجارة وروابط الاستثمارالتي قد تطورها اليابان  مع غيرها من دول شرق آسيا، فإن الاختلافات الثقافية مع تلك البلدان تمنع وربما تحول دون تعزيز تكامل اقتصادي إقليمي من هذا القبيل مثل ذلك القائم في أوروبا وأمريكا الشمالية.
 وعلى النقيض تُسهِّل الثقافة المشتركة بوضوح التوسع السريع للعلاقات الاقتصادية بين جمهورية الصين الشعبية وهونغ كونغ وتايوان وسنغافورة والجاليات الصينية في الخارج في بلدان آسيوية أخرى. ومع انتهاء الحرب الباردة، تتغلب المشتركات الثقافية على نحو متزايد على الخلافات الايديولوجية، وتتقارب الصين وتايوان أكثر. إذا كانت المشتركات الثقافية هي شرط أساسي لتحقيق التكامل الاقتصادي، فمن المرجح أن تتمركز كتلة اقتصاد شرق آسيا الرئيسية المستقبلية في الصين. وهذه الكتلة ، في الواقع، بدأت بالبروز إلى حيز الوجود، كما لاحظ موراي يدنبوم.
وعلى الرغم من الهيمنة اليابانية الحالية في المنطقة، فإن الاقتصاد القائم على الصين المتركز آسيويا يبرز بسرعة باعتباره بؤرة جديدة للصناعة والتجارة والتمويل. تحتوي هذه المنطقة الاستراتيجية كميات كبيرة من التكنولوجيا والقدرة على التصنيع (تايوان)، تنظيم المشاريع والتسويق والخدمات والعقول (هونج كونج)، شبكة الاتصالات المتطورة (سنغافورة)، وتَجَمُّع هائل من رأس المال (الثلاثة معا)، وحيزا كبيرا من الأراض والموارد والعمالة (البر الرئيسي للصين) .... من قوانغتشو الى سنغافورة، ومن كوالا لمبور إلى مانيلا، توصف هذه الشبكة المؤثرة المرتكزة في كثير من الأحيان على أساس عشائري تقليدي- بأنها العمود الفقري للاقتصاد في شرق آسيا.
تُشكل الثقافة والدين أيضا الأساس لمنظمة التعاون الاقتصادي، التي تجمع بين عشر دول إسلامية غير عربية: إيران، باكستان، تركيا، أذربيجان، كازاخستان، قيرغيزستان وتركمانستان وطاجيكستان وأوزبكستان وأفغانستان. أحد الدوافع إلى إحياء وتوسيع هذه المنظمة، التي تأسست أصلا في ستينيات القرن العشرين من قِبل تركيا وباكستان وإيران، هو إدراك قادة العديد من هذه البلدان عدم وجود فرصة للدخول للاتحاد الأوروبي. وبالمثل، فإن كاريكوم، السوق المشتركة لأمريكا الوسطى وميركوسور ترتكز على أسس ثقافية مشتركة. أما الجهود المبذولة لبناء كيان اقتصادي أوسع أمريكي ووسط كاريبي لسد الفجوة الأنجلو لاتينية، فقد فشلت حتى الآن.
وكما يعرِّف الناس هويتهم استنادا إلى العرق والدين، فمن المرجح أن نرى "نحن" في مقابل "هم" في العلاقة القائمة بينهم وبين الآخرين من ذوي العرق أو الدين المختلف.إن نهاية الدول التي حددت هويتها أيديولوجيا في أوروبا الشرقية والاتحاد السوفيتي السابق تسمح للهويات العرقية التقليدية والعداوات بالظهور على السطح. إن الاختلافات في الثقافة والدين تخلق خلافات حول قضايا السياسة العامة، بدءا من حقوق الإنسان إلى الهجرة إلى التجارة والتجارة إلى البيئة. يثير القرب الجغرافي المزاعم المتضاربة الإقليمية من البوسنة إلى مينداناو. والأهم من ذلك، فإن جهود الغرب لنشر قيمه الديمقراطية والليبرالية باعتبارها قيما عالمية، وللحفاظ على هيمنته العسكرية وتطوير مصالحه الاقتصادية تولد استجابات مضادة من الحضارات الأخرى. ومع تراجع قدراتها لحشد الدعم وتشيكل تحالفات على أساس الأيديولوجيا، فإن الحكومات والجماعات تحاول بشكل متزايد حشد الدعم عن طريق استدعاء الدين والهوية الحضارية المشتركين.
إذن يحدث صدام الحضارات على مستويين. على المستوى الجزئي، تتصادم الجماعات المتجاورة على طول خطوط الصدع بين الحضارات ، في كثير من الأحيان بعنف، من أجل السيطرة على الأرض وبعضها البعض. وعلى المستوى الكلي، تتنافس الدول ذات الحضارات المختلفة على القوة العسكرية والاقتصادية، ومن أجل السيطرة على المؤسسات الدولية والأطراف الأخرى، وتتنافس لنشر قيمها السياسية والدينية الخاصة.
خطوط الصدع بين الحضارات :
حلت خطوط الصدع بين الحضارات محل الحدود السياسية والأيديولوجية للحرب الباردة باعتبارها نقطة الوميض للأزمات وسفك الدماء. بدأت الحرب الباردة عندما كان الستار الحديدي يقسِّم أوروبا سياسيا وفكريا. وانتهت الحرب الباردة مع نهاية الستار الحديدي. وبزوال الانقسام الايديولوجي في أوروبا، عاد إلى الظهور الانقسام الثقافي لأوروبا بين المسيحية الغربية، من جهة، والمسيحية الأرثوذكسية والإسلام من جهة أخرى. الخط الفاصل الأكثر أهمية في أوروبا، كما قدمه ويليام والاس، قد يكون الحدود الشرقية للمسيحية الغربية في العام 1500م . يمتد هذا الخط على طول الحدود بين فنلندا وروسيا وبين دول البلطيق وروسيا، مخترقا روسيا البيضاء وأوكرانيا فاصلا بين غرب أوكرانيا الكاثوليكي وشرق أوكرانيا الأرثوذكسي ، ومتأرجحا غربا ليفصل ترانسلفانيا عن بقية رومانيا، ثم يعبر يوغوسلافيا بالضبط تقريبا على طول الخط الذي يفصل الآن كرواتيا وسلوفينيا عن بقية يوغوسلافيا. في البلقان يتطابق هذا الخط، ، مع الحدود التاريخية بين إمبراطوريتي هابسبورغ والعثمانية. الشعوب القاطنة شمال وغرب هذا الخط بروتستانتية أو كاثوليكية؛ عاشت تجارب تاريخة أوروبية مشتركة : الإقطاع، وعصر النهضة، والإصلاح، والتنوير، والثورة الفرنسية والثورة الصناعية؛ وهي عادة أفضل حالا من الناحية الاقتصادية من الشعوب في الشرق؛ وقد تتطلع الآن إلى زيادة المشاركة في اقتصاد أوروبي مشترك وتوحيد النظم السياسية الديمقراطية. والشعوب في الشرق والجنوب من هذا الخط أرثوذكسية أو مسلمة. انهم ينتمون تاريخيا إلى الإمبراطوريات العثمانية أو التترية، ولم تطلهم إلا تاثيرات طفيفة من الأحداث المُشكِّلة لبقية أوروبا. وهم عموما أقل تقدما من الناحية الاقتصادية؛ وتبدو احتمالية تطوير نظم سياسية ديمقراطية مستقرة فيه أقل بكثير. لقد حل الستار المخملي الثقافي محل الستار الحديدي الفكري ليكون الخط الفاصل الأكثر أهمية في أوروبا. كما تُبين الأحداث في يوغوسلافيا، إنه ليس خط اختلاف فقط،  أنه خط صراع دموي في بعض الأحيان.
تواصل الصراع على طول خط الصدع بين الحضارتين الغربية والإسلامية لمدة 1300 سنة. بعد تأسيس الإسلام، انتهى اندفاع العرب والموريين غربا وشمالا في تورو في عام 732 فقط. من القرن الحادي عشر الى القرن الثالث عشر حاول الصليبيون وبنجاح مؤقت نشر المسيحية والحكم المسيحي في الأراضي المقدسة. من القرن الرابع عشر إلى القرن السابع عشر، عكس الأتراك العثمانيون التوازن، وسّعوا سيطرتهم على الشرق الأوسط والبلقان، واستولوا على القسطنطينية، وحاصروا فيينا مرتين. في القرنين التاسع عشر وأوائل العشرين انهارت القوة العثمانية، وأسست  بريطانيا وفرنسا وإيطاليا للسيطرة الغربية على معظم شمال أفريقيا والشرق الأوسط.
بعد الحرب العالمية الثانية بدأ الغرب في الانسحاب ، في المقابل، اختفت الإمبراطوريات الاستعمارية. في البداية ظهرت القومية العربية ثم تبعتها الأصولية الإسلامية. وأصبح الغرب أكثر اعتمادا على دول الخليج الفارسي في موضوع الطاقة؛ أصبحت الدول الإسلامية الغنية بالنفط غنية ماليا وتسليحا، إذا رغبت بذلك. وقعت عدة حروب بين العرب وإسرائيل (التي تم إيجادها من قبل الغرب). خاضت فرنسا حربا دامية وقاسية في الجزائر في الخمسينيات . غزت القوات البريطانية والفرنسية مصر في عام 1956؛ ذهبت القوات الأمريكية إلى لبنان في عام 1958؛ ثم عادت إليه، وهاجمت ليبيا، ودخلت في مواجهات عسكرية مختلفة مع إيران. استخدم الإرهابيون العرب والمسلمين، بدعم من ثلاثة حكومات في الشرق الأوسط، سلاح الضعفاء وفجروا طائرات ومنشات غربية واحتجزوا رهائن غربيين. تُوجت هذه الحرب بين العرب والغرب في عام 1990، عندما أرسلت الولايات المتحدة جيشا ضخما لدول الخليج الفارسي للدفاع عن بعض الدول العربية ضد عدوان دول عربية أخرى. في أعقاب ذلك ،تركز تخطيط الناتو بشكل متزايد على التهديدات المحتملة وعدم الاستقرار على طول "حده الجنوبي".
ومن غير المرجح أن ينخفض مستوى ​​هذا التفاعل العسكري الذي استمر قرونا بين الغرب والإسلام. لقد أصبح أكثر خطورة. تركت حرب الخليج عند بعض العرب شعوراً بالفخر لأن صدام حسين هاجم إسرائيل ووقف في وجه الغرب. كما قاد العديد إلى الشعور بالمهانة والاستياء من الوجود العسكري الغربي في الخليج الفارسي، والهيمنة العسكرية الساحقة للغرب، وعجزهم الواضح  عن صياغة مصيرهم بأنفسهم. وصلت العديد من الدول العربية، بالإضافة إلى البلدان المصدرة للنفط، مستويات من التنمية الاقتصادية والاجتماعية لم تعد فيها الحكومات الاستبدادية مقبولة وأصبحت الجهود المبذولة لإدخال الديمقراطية أقوى. وقد حدثت بالفعل بعض الثغرات في النظم السياسية العربية. كانت الحركات الإسلامية المستفيد الرئيسي من هذه الثغرات. في العالم العربي، وعلى المدى القصير، تعزز الديمقراطية الغربية القوى السياسية المعادية للغرب. قد تكون هذه ظاهرة عابرة، ولكنها وبالتأكيد تُعقِّد العلاقات بين الدول الإسلامية والغرب.
تتعقد هذه العلاقات أيضا بالديموغرافيا. أدى النمو السكاني المذهل في البلدان العربية، لا سيما في شمال أفريقيا، إلى زيادة الهجرة إلى أوروبا الغربية. وزاد ذلك التطور من حدة الحساسيات السياسية داخل أوروبا الغربية المتجهة نحو تخفيف قيود الحدود الداخلية. أصبحت العنصرية في إيطاليا وفرنسا وألمانيا أكثر وضوحا على نحو متزايد، وأصبحت ردود الفعل السياسية والعنف ضد المهاجرين العرب والأتراك أكثر حدة وأكثر انتشارا منذ عام 1990.  
ويرى كلا الجانبين أن التفاعل بين الإسلام والغرب سيكون تفاعلا صداميا. وتوصل إم. جي. أكبر، وهو مؤلف هندي مسلم، إلى أن  "المواجهة المقبلة للغرب ، سوف تأتي بالتأكيد من العالم الإسلامي، وهي في طريقها لاكتساح الدول الإسلامية من المغرب إلى باكستان ذلك أن الصراع من أجل نظام عالمي جديد سوف يبدأ." وتوصل  برنارد لويس لاستنتاج مماثل:
"إننا نواجه نزعة وحركة تتجاوز بكثير حدود مستوى القضايا والسياسات التي تسعى الحكومات إلى تحقيقها. وليس هذا بأقل من صدام حضارات، ربما أنه غير عقلاني ولكنه بالتأكيد رد الفعل التاريخي لخصم قديم لتراثنا اليهودي المسيحي وحاضرنا العلماني ، وانتشار كلا الأمرين في جميع أنحاء العالم على حد سواء. "
تاريخيا، كان التفاعل العدائي الآخر الكبير للحضارة العربية الإسلامية مع الشعوب الوثنية السوداء ، المسيحية  الآن على نحو متزايد في الجنوب.انطبع هذا العداء  في الماضي، في صورة النخاس العربي والعبيد السود. وقد انعكس ذلك على الحرب الأهلية الجارية في السودان بين العرب والسود، والقتال في تشاد بين المتمردين بدعم ليبي والحكومة، والتوترات بين المسيحيين الأرثوذكس والمسلمين في القرن الأفريقي، والصراعات السياسية، وأعمال الشغب المتكررة والعنف الطائفي بين المسلمين والمسيحيين في نيجيريا. من المرجح أن يعزز تحديث أفريقيا وانتشار المسيحية احتمالات تجدد أعمال العنف على طول خط الصدع هذا . ومن بوادر تكثيف هذا الصراع خطاب البابا يوحنا بولس الثاني في الخرطوم في شباط 1993 وهجومه على سلوكات الحكومة الاسلامية في السودان المضادة للأقلية المسيحية هناك.
اندلع الصراع على نحو متزايد على الحدود الشمالية للإسلام، بين الأرثوذكس والشعوب الإسلامية، بما في ذلك مذابح البوسنة وسراييفو والعلاقات الهشة بين البلغار والأقلية التركية، والعنف المتسارع بين اوسيتيا وانغوشيا، والذبح المتواصل الذي يمارسه الأرمن والأذريين ضد بعضهم البعض ، والعلاقات المتوترة بين الروس والمسلمين في آسيا الوسطى، ونشر القوات الروسية لحماية المصالح الروسية في القوقاز وآسيا الوسطى. يعزز إحياء الدين الهويات العرقية ويثير المخاوف الروسية بشأن أمن حدودها الجنوبية. تم التقاط هذا القلق بشكل جيد من قِبل آرشي روزفلت:  
"يثير جزء كبير من التاريخ الروسي قلق الصراع بين السلاف والشعوب التركية على حدودها، والتي يعود تاريخها إلى تأسيس الدولة الروسية منذ أكثر من ألف سنة. في ذكرى ألفية مواجهة السلاف "مع جيرانهم الشرقيين" يكمن مفتاح فهم التاريخ الروسي، والشخصية الروسية. ولفهم حقائق الواقع الروسي اليوم، على المرء أن يفهم الجماعة العرقية التركية الكبرى التي شغلت الروس على مر القرون."
وصدام الحضارات متجذر بعمق في مكان آخر في آسيا. لا يتجلى الصدام التاريخي بين المسلمين والهندوس في شبه القارة الآن فقط في التنافس بين باكستان والهند ولكن أيضا في تكثيف الصراع الديني داخل الهند بين الجماعات الهندوسية المتشددة على نحو متزايد والأقلية المسلمة الكبيرة في الهند. أدى تدمير مسجد ايوديا في كانون أول  1992 إلى إبرازمسألة بقاء الهند دولة ديمقراطية علمانية ، أو أن تصبح دولة هندوسية إلى الواجهة.  للصين نزاعات حدودية عالقة مع معظم جيرانها في شرق آسيا. واستمرت في انتهاج سياسة متعسفة تجاه البوذيين في التبت، وكذلك الأمر تجاه الأقلية التركية المسلمة. مع انتهاء الحرب الباردة، أكدت الخلافات الكامنة بين الصين والولايات المتحدة نفسها في مجالات مثل حقوق الإنسان والتجارة وانتشار الأسلحة. ومن غير المرجح أن تخف حدة هذه الاختلافات. وصرح " دنغ زياو بنغ في عام 1991 "أن هناك حرب باردة جديدة تجري بين الصين وأمريكا."
وانطبق الأمر نفسه على العلاقات الصعبة بين اليابان والولايات المتحدة. الاختلاف الثقافي هنا يؤدي إلى تفاقم الصراع الاقتصادي. وطرفي النزاع يدَّعي ممارسة العنصرية ضده من الجهة الأخرى، ولكن ،على الأقل، على الجانب الأمريكي لا تنبع العدائية من عنصرية ولكن من حالة ثقافية. من الصعوبة بمكان جعل القيم الأساسية والمواقف والأنماط السلوكية للمجتَمَعين أقل اختلافا. والمشاكل الاقتصادية بين الولايات المتحدة وأوروبا ليست أقل خطورة من تلك التي بين الولايات المتحدة واليابان، ولكن لها ليس تلك الأهمية السياسية والتوتر الانفعالي  والسبب أن الاختلافات بين الثقافة الأمريكية والثقافة الأوروبية هي أقل بكثير من تلك التي بين الحضارة الأمريكية والحضارة اليابانية.
تختلف التفاعلات بين الحضارات اختلافا كبيرا في مدى العنف الذي يمكن أن تتسم به. تسود المنافسة الاقتصادية بشكل واضح بين الحضارات الفرعية الأمريكية والأوروبية للغرب وبين كل منهما واليابان. في القارة الآسيوية، لم يكن انتشار الصراع العرقي، والذي تجسد تطرفا في "التطهير العرقي"، عشوائيا تماما في القارة الأوراسية. فقد كان الأكثر تكرارا والأكثر عنفا بين الجماعات التي تنتمي إلى حضارات مختلفة. عادت خطوط التصدعات التاريخية العظيمة بين الحضارات في أوراسيا إلى التفجر مرة أخرى. ينطبق هذا بشكل خاص على طول الحدود ذات الشكل الهلالي للكتلة الإسلامية على الدول من شرق أفريقيا إلى آسيا الوسطى. ويبرز العنف أيضا بين المسلمين، من جهة، والصرب الأرثوذكس في البلقان واليهود في إسرائيل والهندوس في الهند والبوذيين في بورما والكاثوليك في الفلبين. للإسلام حدود دموية.

حشد الحضارة: متلازمة الدولة القريبة
إذا دخلت الجماعات أو الدول التي تنتمي إلى حضارة واحدة في حرب مع شعب من حضارة مختلفة، ستحاول وبشكل طبيعي حشد الدعم من الدول أو الجماعات الأخرى التي تنتمي لحضارتها. مع تطورات عالم ما بعد الحرب الباردة أطلق عليها HDS غرينوي مصطلح ، متلازمة " البلدان ذات القربى " التي لها نفس المشتركات الحضارية ، وهو إحلال محل الإيديولوجيا السياسية والتوازنات التقليدية لمقومات القوة كأساس رئيسي للتعاون والتحالف. وهو ما ينشئ تدريجيا في صراعات ما بعد الحرب الباردة في الخليج الفارسي والقوقاز والبوسنة. لم يكن أي من هذه حرب واسعة النطاق بين الحضارات، ولكنها انطوت على عناصر الحشد الحضاري، والتي تبدو أكثر أهمية مع استمرار الصراع والتي قد تعطي نُذُرا للمستقبل.
أولا، في حرب الخليج غزت دولة عربية دولة عربية أخرى ثم خاضت حربا مع تحالف من دول عربية وغربية وغيرها. في حين لم يدعم صدام حسين علنا سوى عدد قليل من الحكومات الإسلامية ، هلّل كثيرٌ من النخب العربية له سرا ، وحظي بشعبية كبيرة بين قطاعات واسعة من الجماهير العربية. أيدت الحركات الأصولية الإسلامية عالميا العراق ضد الحكومات المدعومة من الغرب مثل الكويت والمملكة العربية السعودية. وبنبذه للقومية العربية، أطلق صدام حسين صراحة نداء الاحتجاج الإسلامي. حاول هو ومؤيدوه تعريف الحرب بأنها حرب بين الحضارات. " وكما وصفها سِفر الحوالي، عميد كلية الدراسات الإسلامية في جامعة أم القرى في مكة وسُجلت على شريط تم تعميمه على نطاق واسع "انه ليس العالم ضد العراق إنه الغرب ضد الإسلام". ومتجاهلا التنافس بين إيران والعراق، دعا الزعيم الديني الإيراني آية الله علي خامنئي، للجهاد ضد الغرب: "إن الكفاح ضد العدوان والجشع والخطط والسياسات الأمريكية جهاد، وأي شخص يُقتل على هذا الدرب شهيد ". وقال الملك حسين ملك الأردن، "هذه حرب ضد كل العرب المسلمين وليس ضد العراق وحده."
جعل اصطفاف قطاعات كبيرة من النخب والجماهير العربية خلف صدام حسين الحكومات العربية الداخلة في التحالف ضد العراق تخفف من أنشطتها وحدة تصريحاتها العلنية. عارضت الحكومات العربية أو نأت بنفسها عن الجهود الغربية اللاحقة للضغط على العراق، بما في ذلك تطبيق منطقة حظر الطيران في صيف عام 1992 وقصف العراق في كانون الثاني عام 1993. تقلَّص التحالف العربي الغربي السوفييتي التركي عام 1990 ضد العراق ليقتصر عام 1993 على الغرب والكويت فقط.
ناهضَ المسلمون الإجراءات الغربية ضد العراق بسبب فشل الغرب في حماية البوسنيين من الصرب وفشله في فرض عقوبات على إسرائيل لانتهاكها قرارات الامم المتحدة. وزعموا أن الغرب استخدم معاييرا مزدوجة. إن عالما قائما على صدام الحضارات، هو حتما عالم من المعايير المزدوجة: تطيق الشعوب معيارا على البلدان ذات القربى ومعيارا مختلفا على الآخرين.
ثانيا، ظهرت متلازمة البلاد "ذوي القربى" أيضا في النزاعات في الاتحاد السوفياتي السابق. حفزت النجاحات العسكرية الأرمنية في 1992 و 1993 تركيا لدعم أخوَّتهم الدينية والعرقية واللغوية في أذربيجان. وقال مسؤول تركي في عام 1992" للأمة التركية نفس مشاعر الأذريين؛ نحن تحت الضغط. صحفنا مليئة بصور الفظائع ويتساءلون عن مدى جديتنا في متابعة سياسة الحياد. ربما ينبغي لنا أن نبيِّن لأرمينيا أن هناك تركيا الكبرى في المنطقة ". وألمح الرئيس تورغوت أوزال، أن على تركيا على الأقل "أن تُخوف الأرمن قليلا." وهدد اوزال مرة أخرى في عام 1993، قائلا " على تركيا أن تكشر عن أنيابها." حلقت طائرات القوات الجوية التركية بطلعات استطلاعية على طول الحدود الأرمنية، وعلَّقت تركيا شحنات الغذاء والرحلات الجوية إلى أرمينيا. وأعلنت تركيا وإيران أنها لن تقبل تقطيع أوصال أذربيجان. في السنوات الأخيرة من وجودها، دعمت الحكومة السوفياتية أذربيجان لأن حكومتها كانت من الشيوعيين السابقين. مع نهاية الاتحاد السوفيتي، تنحت الاعتبارات السياسية لصالح الاعتبارات الدينية. قاتلت القوات الروسية إلى جانب الأرمن، واتهم الأذريون "الحكومةَ الروسية أنها تحولت 180 درجة" نحو دعم أرمينيا المسيحية.
ثالثا، فيما يتعلق بالقتال في يوغوسلافيا السابقة، أعلن الرأي العام الغربي التعاطف والدعم مع مسلمي البوسنة في مواجهة الأهوال التي تعرضوا لها على أيدي الصرب. إلا أن القلق كان قليلا نسبيا من الهجمات الكرواتية على المسلمين والمشاركة في تقطيع أوصال البوسنة والهرسك. في المراحل المبكرة من تفكك يوغوسلافيا،  قامت ألمانيا، في استعراض غير عادي للدبلوماسية والعضلات، بإقناع دول الاتحاد الأوروبي ليحذو حذوها في الاعتراف بسلوفينيا وكرواتيا. ونتيجة لإصرار البابا على تقديم دعم قوي للبلدين الكاثوليكيين ، قام الفاتيكان بالاعتراف بهما حتى قبل قيام الأوربيين بذلك. وحذت الولايات المتحدة حذو الأوربيين. وبالتالي فإن الجهات الرائدة في الحضارة الغربية احتشدت وراء اصطفافتها الأخوية. ونتيجة لذلك أُبلِغت كرواتيا في وقت في لاحق أنها ستتلقى كميات كبيرة من الأسلحة من الدول الغربية في أوروبا الوسطى وغيرها. من ناحية أخرى، حاولت حكومة بوريس يلتسين، اتباع مسار وسطي من شأنه أن يتعاطف مع الصرب الأرثوذكس ولكن لا يُبعد روسيا عن الغرب. هاجمت الجماعات المحافظة والقومية الروسية، بما في ذلك العديد من النواب، الحكومة لعدم تقديمها دعما أكبر للصرب. بحلول أوائل 1993 عمل عدة مئات من الروس على ما يبدو مع القوات الصربية، وتم نشرتقاريرتفيد بتوريد أسلحة روسية الى صربيا.
انتقدت الحكومات والجماعات الإسلامية الغرب ، من ناحية أخرى، لعدم قيامه بالدفاع عن البوسنيين. وحث الزعماء الايرانيين المسلمين من جميع البلدان لتقديم المساعدة إلى البوسنة. وفي انتهاك لحظر الأمم المتحدة على الأسلحة، زودت إيران البوسنيين بالأسلحة والمقاتلين. وأرسلت الجماعات اللبنانية المدعومة من ايران مقاتلي حرب عصابات لتدريب وتنظيم القوات البوسنية. في عام 1993 تم الإبلاغ عن وجود ما يزيد عن 4000 مقاتل من المسلمين من أكثر من عشرين دولة إسلامية يقاتلون في البوسنة. وقعت الحكومات العربية في السعودية وغيرها من البلدان تحت ضغوط متزايدة من الجماعات الأصولية في مجتمعاتها لتقديم المزيد من الدعم القوي للبوسنيين. وبحلول نهاية عام 1992، قدَّمت السعودية تمويلا ضخما للبوسنيين لشراء الأسلحة والمعدات، مما زاد بشكل كبير من قدراتها العسكرية في وجه الصربيين.
حرَّضت الحرب الأهلية الإسبانية في ثلاثينيات القرن العشرين على التدخل من بلدان كانت ذات إيديولوجية سياسية فاشية وشيوعية وديمقراطية. أما النزاع اليوغوسلافي في سنوات التسعينيات من نفس القرن فقد استثار تدخلا من بلدان مسلمة، وأرثوذكسية ومسيحية غربية. و لم تبتعد حرب البوسنة عن هذا النهج. وكتب محرر سعودي "لقد أصبحت الحرب في البوسنة والهرسك المعادل الوجداني للكفاح ضد الفاشية في الحرب الأهلية الإسبانية، وأولئك الذين لقوا حتفهم هناك، شهداء حاولوا إنقاذ إخوانهم المسلمين".
وسوف تحدث الصراعات والعنف أيضا بين الدول والجماعات ذات الحضارة الواحدة. من المرجح أن تكون هذه الصراعات، مع ذلك، أقل كثافة وأقل احتمالا للتوسع من الصراعات بين الحضارات. إن الاشتراك في حضارة واحدة يقلل من احتمالات حدوث عنف، قد يحدث فيها في (حضارات) حالات مختلفة. في عامي 1991 و 1992 ساد قلق كثير من احتمال نشوب نزاع عنيف بين روسيا وأوكرانيا على الأراضي، وخاصة شبه جزيرة القرم، وأسطول البحر الأسود، والأسلحة النووية وقضايا اقتصادية. إذا كانت الحضارة هي الأساس، فينبغي أن تكون احتمالات اندلاع أعمال العنف بين الأوكرانيين والروس منخفضة. فهما شعبين سلافيين أرثوذكسيين في المقام الأول وسادت بينهما علاقات وثيقة لعدة قرون. اعتبارا من مطلع عام 1993، وعلى الرغم من كل أسباب الصراع، تفاوض قادة البلدين بشكل فعال ونزعوا فتيل الصراع بين البلدين. وفي حين كان هناك قتال شديد بين المسلمين والمسيحيين في أماكن أخرى من الاتحاد السوفياتي السابق والكثير من التوتر والقتال بين المسيحيين الغربيين والأرثوذكس في دول البلطيق، لم يكن هناك تقريبا أي أعمال عنف بين الروس والأوكرانيين.
بقي الحشد القائم على الحضارة محدودا حتى الآن، ولكنه قد يتزايد، ولديه القدرة الواضحة على الانتشار أكبر من ذلك بكثير. مع استمرار الصراعات في الخليج الفارسي والقوقاز والبوسنة، كانت مواقف الدول والانقسامات بينها تتزايد على أسس حضارية. وقد وجد السياسيون الشعبيون، والزعماء الدينيون ووسائل الإعلام أنها وسيلة فعالة لحشد الدعم الجماهيري والضغط على الحكومات المترددة. في السنوات المقبلة، ستكون الصراعات المحلية الأكثر احتمالا أن تتحول إلى حروب كبرى ، كما في البوسنة والقوقاز، على طول خطوط الصدع بين الحضارات. و ستكون الحرب العالمية القادمة، إن حدثت، حربا بين الحضارات.

الغرب في مواجهة العالم:
يعيش الغرب الآن في ذروة استثنائية من القوة في علاقته مع الحضارات الأخرى. لقد اختفى الخصم القوي من الخريطة. والصراع العسكري بين الدول الغربية غير وارد، والقوة العسكرية الغربية لا مثيل لها. وباستثناء اليابان، لا يواجه الغرب تحديات اقتصادية. فهو المؤسسات السياسية والأمنية الدولية. ومع اليابان يسيطرعلى المؤسسات الاقتصادية الدولية. يتم تسوية الخلافات السياسية والأمنية العالمية بفعالية بإدارة مشتركة مكونة من الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا، ويتم تسوية القضايا الاقتصادية العالمية بإدارة مشتركة مكونة من الولايات المتحدة وألمانيا  واليابان، وكلها على علاقات وثيقة للغاية مع بعضها البعض لاستبعاد غير الغربيين. وتظهر القرارات المتخذة في مجلس الأمن الدولي أو في صندوق النقد الدولي والتي تعبر عن مصالح الغرب للعالم بأنها انعكاس لرغبات المجتمع الدولي. أصبحت هذه العبارة بالذات "المجتمع الدولي" اسما ملطفا (حل محل عبارة "العالم الحر") لإعطاء الشرعية العالمية للإجراءات التي تعكس مصالح الولايات المتحدة والقوى الغربية الأخرى. يروج الغرب لمصالحه الاقتصادية من خلال صندوق النقد الدولي والمؤسسات الاقتصادية الدولية الأخرى، ويفرض على الدول الأخرى السياسات الاقتصادية التي يعتقدها مناسبة. في أي استطلاع لرأي الشعوب الغيرغربية، مما لا شك فيه أن صندوق النقد الدولي سيكسب تأييد وزراء المالية وعدد قليل من الآخرين، وسيحصل على تصنيف معارض بأغلبية ساحقة من أي شخص آخر، وهو ما  يتفق مع توصيف جورجي أرباتوف لمسؤولي صندوق النقد الدولي بأنهم " البلاشفة الجدد الذين يعشقون مصادرة أموال الآخرين، وفرض قواعد غير ديمقراطية وغريبة للسلوك الاقتصادي والسياسي الخانق للحرية الاقتصادية ".
إن الهيمنة الغربية على مجلس الأمن الدولي وقراراته، المخففة بامتناع الصين العرضي، أعطى شرعية الأمم المتحدة لاستخدام الغرب للقوة لاخراج العراق من الكويت والقضاء على أسلحة العراق المتطورة والقدرة على إنتاج هذه الأسلحة. وأدت أيضا إلى عمل غير مسبوق من قبل مكَّن الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا من الحصول من مجلس الأمن على قراريطالب ليبيا بتسليم المشتبه بهم بتفجير طائرة بان آم 103 ثم فرض عقوبات عندما رفضت ليبيا. وبعد هزيمة أكبر جيش عربي، لم يتردد الغرب في إلقاء ثقله في العالم العربي. يستخدم الغرب المؤسسات الدولية، والقوة العسكرية والموارد الاقتصادية لإدارة العالم بالسبل التي من شأنها الحفاظ على الهيمنة الغربية، وحماية مصالحها وتعزيز قيمها السياسية والاقتصادية.
هذه هي الطريقة التي يرى فيها غيرالغربيين على الأقل العالم الجديد، وهناك كم هام من الحقيقة في وجهة نظرهم.إن  الخلافات على القوة والصراعات على القوة العسكرية والاقتصادية والمؤسسية  هي أحد مصادر الصراع بين الغرب والحضارات الأخرى. والاختلافات في الثقافة، والقيم والمعتقدات الأساسية، هي المصدر الثاني للصراع.
وقد دافع في أس نايبول عن الحضارة الغربية قائلا " هي حضارة كونية تناسب جميع البشر". على المستوى السطحي نرى أن الكثير من الثقافة الغربية قد تغلغل في بقية العالم. على مستوى أكثر عمقا، تختلف المفاهيم الغربية اختلافا جوهريا عن تلك السائدة في الحضارات الأخرى.  نادرا ما يكون هناك قبول يُذكر للأفكار الغربية فيما يخص الفردية والليبرالية والدستورية، وحقوق الإنسان والمساواة والحرية وسيادة القانون، والديمقراطية، والأسواق الحرة، والفصل بين الكنيسة والدولة، في الثقافات الإسلامية، والكونفوشيوسية، واليابانية، والهندوسية، والبوذية أو الأرثوذكسية.
تنتج الجهود الغربية الرامية إلى نشر مثل هذه الأفكار بدلا من ذلك رد فعل ضد "إمبريالية حقوق الإنسان" والتأكيد على القيم الأصيلة، كما يُلاحظ من دعم الأصولية الدينية من قبل جيل الشباب في الثقافات غيرالغربية. وفكرة أنه يمكن أن يكون هناك "حضارة كونية" هي فكرة غربية، وهي على خلاف مباشرة مع خصوصيات معظم المجتمعات الآسيوية وتأكيدها على ما يميز شعب عن شعب آخر. وخلص مؤلف مراجعة 100 دراسة مقارنة للقيم في المجتمعات المختلفة هاري سي ترايندس أن "القيم الأكثر أهمية في الغرب هي الأقل أهمية في جميع أنحاء العالم." في المجال السياسي، وبطبيعة الحال فإن هذه الاختلافات هي الأكثر وضوحا في الجهود التي تبذلها الولايات المتحدة وقوى غربية أخرى لحث الشعوب الأخرى على تبني الأفكار الغربية المتعلقة بالديمقراطية وحقوق الإنسان. لقد نشأت الحكومة الديمقراطية الحديثة في الغرب، وعندما ظهرت في المجتمعات غير الغربية كانت نتاج الاستعمار الغربي أو فرضها من الغرب.
من المرجح أن يكون المحور الرئيسي للسياسة العالمية في المستقبل ، كما صِيغت في عبارة كيشور محبوباني، الصراع بين "الغرب وبقية العالم" وردود الحضارات غير الغربية على القوة والقيم الغربية. وتأخذ تلك الردود عادة واحدا أو مزيجا من ثلاثة أشكال. في أحد الصُعُد في الدول غيرالغربية ، مثل بورما وكوريا الشمالية، تحاول اتباع مسار من العزلة، لعزل مجتمعاتها عن الاختراق أو "الفساد" الغربي، وفي الواقع، الانسحاب من الانخراط في المجتمع الدولي الذي يسيطر عليه الغرب. إن تكاليف هذا المسار باهظة، واتبعته بضعة دول حصرا. والبديل الثاني، هو المسايرة في نظرية العلاقات الدولية، هو محاولة الانضمام إلى الغرب، وقبول قيمه ومؤسساته. البديل الثالث هو محاولة "التوازن" مع الغرب عن طريق تطوير القوة الاقتصادية والعسكرية والتعاون مع المجتمعات غيرالغربية الأخرى ضد الغرب، مع الحفاظ على القيم والمؤسسات الأصيلة؛ باختصار،نعم للتحديث ولا للتغريب.
البلدان الممزقة:
مع تمييز الشعوب لأنفسها حضاريا في المستقبل، البلدان التي تضم أعدادا كبيرة من الشعوب ذات الحضارات المختلفة، مثل الاتحاد السوفياتي ويوغوسلافيا، هي المرشحة للتمزيق. بعض الدول الأخرى لديها درجة معقولة من التجانس الثقافي ولكن شعوبها منقسمة حول ما إذا كان مجتمعهم ينتمي إلى حضارة واحدة أو أكثر. هذه هي البلدان الممزقة. يرغب قادتها في اتباع استراتيجية المسايرة وإدخال بلدانهم في عالم الغرب، ولكن تاريخ وثقافة وتقاليد بلدانهم غير غربية. البلد الأكثر وضوحا ونمطية في التمزق هي تركيا.
وقد اتبع القادة الأتراك أواخر القرن العشرين التقليد الأتاتوركي وعرّفوا تركيا بأنها دولة علمانية قومية غربية حديثة. أدخلوا تركيا في تحالف مع الغرب في حلف شمال الأطلسي وحرب الخليج. وتقدموا بطلب الحصول على عضوية الاتحاد الأوروبي. في الوقت نفسه، دعمت عناصر في المجتمع التركي صحوة إسلامية وحاججت بأن تركيا هي في الأساس مجتمع مسلم شرق أوسطي .  وبالإضافة إلى ذلك، وفي حين أن النخبة في تركيا ‘عرّفت تركيا بأنها مجتمع غربي، ترفض نخبة الغرب قبول تركيا على هذا النحو. تركيا لن تصبح عضوا في الاتحاد الأوروبي، والسبب الحقيقي، كما قال الرئيس أوزال "، هو أننا مسلمون وهم مسيحيون لكنهم لا يعلنون ذلك". بعد أن رَفضت العالم الإسلامي، ورُفِضت من قبل بروكسل، أين تتطلع تركيا؟ قد تكون طشقند هي الجواب. تعطي نهاية الاتحاد السوفياتي تركيا فرصة لتكون قائدة  لانبعاث حضارة تركية تشمل سبع دول من حدود اليونان حتى حدود الصين. وبتشجيع من الغرب تبذل تركيا جهودا مضنية لاقامة هذه الهوية الجديدة لنفسها.
أثناء العقد الماضي تبنت المكسيك موقفا يشبه إلى حد ما موقف تركيا. مثلما تخلت تركيا عن المعارضة التاريخية لأوروبا وحاولت الانضمام إلى أوروبا، توقفت المكسيك عن تعريف نفسها كنقيض للولايات المتحدة؛ وبدلا من ذلك تحاول تقليد الولايات المتحدة والانضمام إلى منطقة التجارة الحرة لأمريكا الشمالية. وينخرط القادة المكسيكيون في مهمة عظيمة لإعادة تعريف الهوية المكسيكية، وأدخلوا إصلاحات اقتصادية أساسية من شأنها أن تؤدي في النهاية إلى تغيير سياسي جذري.
في عام 1991 وصف أحد كبار مستشاري الرئيس كارلوس ساليناس دي غورتاري لي مطولا كل التغييرات التي تقوم بها حكومة ساليناس. وعندما انتهى، علّقت قائلا: "هذا العمل الأكثر إثارة للإعجاب ويبدو لي أساسا أنكم تريدون تغيير المكسيك من بلد أمريكي لاتيني إلى بلد أمريكي شمالي." قال وهو ينظر إلي متعحبا: "بالضبط، هذا هو بالضبط ما نحاول القيام به، ولكن بالطبع لا يمكن أن نصرح بذلك علنا." وكما تشير تصريحاته، في المكسيك كما هو الحال في تركيا، هنالك عناصر هامة في المجتمع تقاوم إعادة تعريف هوية بلدانها. في تركيا، على القادة ذوي التوجه الأوروبي القيام بلفتات إسلامية (حج اوزال لمكة)؛ وكذلك الحال أيضا لقادة المكسيك ذوي التوجه الشمال أمريكي عليهم تقديم لفتات لأولئك الذين يرون المكسيك أحد بلدان أمريكا اللاتينية (حضور ساليناس القمة "الأيبيرية الأمريكية في غوادالاخارا).
تاريخيا كانت تركيا البلد الأكثر تمزقا. وبالنسبة للولايات المتحدة فإن المكسيك هي البلد الأحدث تمزقا. وعلى الصعيد العالمي فإن البلد الأهم  والأكثر تمزقا هي روسيا. والسؤال الأكثر تكرارا في التاريخ الروسي هو ما إذا كانت روسيا جزءا من الغرب أو زعيمة الحضارة السلافية الأرثوذكسية المتميزة. تم حجب هذه القضية بانتصار الشيوعية في روسيا، التي استوردت إيديولوجيا غربية، وكيفتها مع الظروف الروسية ومن ثم تحدت الغرب باسم تلك الأيديولوجيا. وأغلقت الهيمنة الشيوعية الجدل التاريخي على التغريب مقابل الروسنة. ومع فقدان الشيوعية مصداقيتها، يواجه الروس هذا السؤال مرة أخرى.
يتبنى الرئيس يلتسين مبادئ وأهداف غربية ويسعي لجعل روسيا " دولة طبيعية" وجزء من الغرب. إلا أن  النخبة الروسية والشعب الروسي منقسمون بشأن هذه المسألة. يقول سيرجي ستانكفيتش وهو من المعارضين الأكثر اعتدالا أنه يجب على روسيا ان ترفض مسار "الأطلسيين" الذي سيقودها لتصبح أوروبية، وجزءا من الاقتصاد العالمي بطريقة سريعة ومنظمة، لتصبح العضو الثامن من سبعة ، وأن تعطي أهمية خاصة لألمانيا والولايات المتحدة العضوين المهيمنيَن في حلف الأطلسي ".
 وفي حين يرفض أيضا السياسة الأوراسية حصرا، إلا أن سنانكيفتش يقول يجب على روسيا أن تعطي الأولوية لحماية الروس في بلدان أخرى، والتأكيد على علاقاتها التركية والإسلامية، وأن تعزز "إعادة توزيع مقبول لمواردنا، وخياراتنا ، وعلاقاتنا، ومصالحنا باتجاه آسيا الشرقية. " ينتقد أصحاب هذا الرأي يلتسين لإخضاعه مصالح روسيا لتلك التي في الغرب، لخفضه القوة العسكرية الروسية، لفشله في دعم الأصدقاء التقليديين مثل صربيا، ودفع الإصلاح الاقتصادي والسياسي بطرق مؤذية للشعب الروسي. ومن المؤشرات على هذا التوجه عودة شعبية أفكار بيتر سفيتسكي، الذي قال في عام 1920 أن روسيا حضارة أوراسية فريدة.
يحث المنشقون الأكثر تطرفا وأكثر قومية والمعادين للغرب والسامية، روسيا لإعادة تطوير قوتها العسكرية وإقامة علاقات أوثق مع الصين والمسلمين. وشعب روسيا منقسم كما هو حال نخبته. وكشف استطلاع للرأي أُجري في روسيا الأوروبية في ربيع عام 1992 أن 40 في المئة من الجمهورذوي مواقف إيجابية تجاه الغرب، وكان 36 في المئة  من ذوي المواقف السلبية. وكما كان الحال في أغلب تاريخها، كانت روسيا في وقت مبكر من أعوام التسعينيات حقا بلداً ممزقاً.
ولإعادة تعريف هويته الحضارية، يجب على البلد الممزق تلبية ثلاثة شروط. أولا، يجب على النخبة السياسية والاقتصادية أن تكون داعمة ومتحمسة لهذه الخطوة بشكل عام. ثانيا، يجب على جمهورها أن يكون مستعدا لقبول إعادة التشكيل. ثالثا، يجب على المجموعات المهيمنة في الحضارة المُستَهدفة أن تكون على استعداد لاحتضان التحول. تتوافر هذه الشروط الثلاثة بقدر كبير في المكسيك. والشرطين الأَولين متوافران في تركيا. وليس من الواضح وجود أي منها فيما يتعلق بانضمام روسيا للغرب. كان الصراع بين الديمقراطية الليبرالية والماركسية اللينينية صراعا بين الأيديولوجيات التي، على الرغم من خلافاتها الرئيسية، تتشارك ظاهريا في الأهداف النهائية للحرية والمساواة والرخاء. لكن قد يكون لروسيا التقليدية، الاستبدادية، القومية أهدافا مختلفة تماما. يمكن لديمقراطي غربي أن يخوض في نقاش فكري مع ماركسي سوفياتي. لكن سيكون من المستحيل تقريبا بالنسبة له القيام بذلك مع روسي تقليدي. وبتوقف الروس عن التصرف كماركسيين، فإنهم يرفضون الديمقراطية الليبرالية ويتصرفون كروس وليس كغربيين وستصبح العلاقات بين روسيا والغرب متباعدة ومتصارعة.
العلاقات الكنفوشية الإسلامية:
تختلف العقبات التي تواجه البلدان غير الغربية في الانضمام إلى الغرب اختلافا كبيرا. وهي الأقل لبلدان أمريكا اللاتينية وأوروبا الشرقية. وهي أكبر للبلدان الأرثوذكسية من الاتحاد السوفياتي السابق. ولا تزال أكبرفي المجتمعات المسلمة، والكونفوشية والهندوسية والبوذية. وقد أسست اليابان لنفسها وضعا فريدا باعتبارها عضوا منتسبا للغرب: هي في الغرب في بعض النواحي ولكن من الواضح أنها ليست من الغرب في جوانب هامة. تلك البلدان التي وبسبب الثقافة لا ترغب في، أو لا يمكنها، الانضمام إلى الغرب، تتنافس مع الغرب عن طريق تطوير قواها الاقتصادية والعسكرية والسياسية. انها تفعل ذلك عن طريق تعزيز التنمية الداخلية، والتعاون مع الدول الأخرى الغيرغربية. وأبرز أشكال هذا التعاون هو العلاقات الكونفوشية الإسلامية التي برزت متحدية للمصالح والقيم والقوة الغربية.
من دون استثناء تقريبا ،تقوم الدول الغربية بخفض قوتها العسكرية؛ وكذلك الحال في روسيا أيضا تحت قيادة يلتسين.إلا أن الصين وكوريا الشمالية والعديد من دول الشرق الأوسط، ، تُوسِّع بشكل كبيرمن قدراتها العسكرية. وهم يقومون بذلك عن طريق استيراد الأسلحة من مصادر غربية وغير غربية وتطوير صناعات أسلحة محلية. والنتيجة الأولى ظهور ما سماها تشارلز كروثامر " دول الأسلحة ". ودول الأسلحة ليست دولا غربية. ونتيجة أخرى هي إعادة تعريف مفهوم الحد من التسلح، وهو مفهوم وهدف غربي. كان الهدف الرئيسي للحد من التسلح أثناء الحرب الباردة إقامة توازن عسكري مستقر بين الولايات المتحدة وحلفائها والاتحاد السوفياتي وحلفائه. أما في عالم ما بعد الحرب الباردة فالهدف الرئيسي للحد من التسلح هو منع المجتمعات غير الغربية من تطوير قدرات عسكرية يمكن أن تهدد المصالح الغربية. ويحاول الغرب تطبيق ذلك عن طريق الاتفاقيات الدولية، والضغط الاقتصادي ووضع على ضوابط نقل الأسلحة والتكنولوجيات العسكرية.
يركز الصراع بين الغرب والدول الكونفوشية والإسلامية إلى حد كبير، وليس على سبيل  الحصر، على الأسلحة النووية والكيماوية والبيولوجية والصواريخ البالستية والطرق المتطورة الأخرى للحصول عليها، ومنظومات التوجيه، والاستخبارات و القدرات الإلكترونية الأخرى لتحقيق هذا الهدف. ويروج الغرب لمنع الانتشار كقاعدة عالمية؛ ومعاهدات الحد من انتشارها والتفتيش الشامل كوسيلة لتحقيق هذا المعيار. ويهدد الغرب أيضا بعقوبات متنوعة ضد الذين يروجون لانتشار أسلحة متطورة، ويقدم بعض المغريات لأولئك الذين لا يفعلون ذلك. يركز الغرب انتباهه ، بطبيعة الحال، على الدول المعادية أو التي يُحتمل أن تكون معادية للغرب.
من ناحية أخرى تؤكد الدول غير الغربية، ،على حقها في الحصول على الأسلحة ونشرها والتي تعتقد أنها ضرورية لأمنها. كما أنها استوعبت، وعلى نحو كامل، مضمون رد وزير الدفاع الهندي عندما سُئل ما الدرس الذي استخلصه من حرب الخليج: فقال "لا تحارب الولايات المتحدة إن لم يكن لديك أسلحة نووية." ويُنظر إلى الأسلحة الكيماوية والصواريخ والأسلحة النووية، على أنها المُعادِل المُحتَمل للقوة التقليدية المتفوقة للغرب. لدى الصين، بطبيعة الحال، أسلحة نووية. باكستان والهند لديها القدرة على نشرها. ويبدو أن كوريا الشمالية وإيران والعراق وليبيا والجزائر تسعى للحصول عليها. وأعلن مسؤول ايراني كبير ان على جميع الدول الاسلامية الحصول على أسلحة نووية. وفي عام 1988 أصدر الرئيس الإيراني مرارا توجيها يدعو إلى تطوير "أسلحة هجومية ودفاعية كيميائية وبيولوجية وإشعاعية".
من الأهمية بمكان، بالنسبة للصين تطوير قدرات عسكرية مكافئة للغرب والتوسع المستمر في القوة العسكرية وإمكانياتها لخلق قوة عسكرية. ومدفوعة بتنميتها الاقتصادية المدهشة، يتزايد إنفاق الصين العسكري بسرعة وتمضي قُدما في تحديث قواتها المسلحة. فهي تشتري الأسلحة من دول الاتحاد السوفيتي السابق، وتطور صواريخ بعيدة المدى. وفي عام 1992 أجرت تجربة على سلاح نووي بقوة واحد ميغا طن . انها تطور قدراتها الصاروخية المضادة للصواريخ والطائرات، وتكنولوجيا التزود بالوقود جوا، وتحاول شراء حاملة طائرات. وتثيرحشودها  العسكرية وتأكيدها على سيادتها على بحر الصين الجنوبي سباقَ تسلح إقليمي متعدد الأطراف في شرق آسيا. والصين أيضا مُصدرٌ رئيسي للتكنولوجيا العسكرية والأسلحة. وقد صدّرت مواد إلى ليبيا والعراق يمكن استخدامها لتصنيع أسلحة نووية وغاز الأعصاب. وقد ساعدت الجزائرعلى بناء مفاعل نووي صالح لأبحاث الأسلحة النووية وإنتاجها. وباعت أيضا تكنولوجيا نووية لإيران يعتقد المسؤولون الأميركيون أنها تستخدم في صناعة الأسلحة. وعلى ما يبدو شحنت مكونات صواريخ يصل مداها إلى 300 ميل للباكستان. ولكوريا الشمالية برنامج اسلحة نووية يجري العمل عليه منذ وقت، وباعت صواريخ متطورة وتكنولوجيا صواريخ لسوريا وايران. إن مسارتدفق تكنولوجيا الأسلحة والأسلحة عموما يبدأ من شرق آسيا ويصل إلى الشرق الأوسط. إلا أنه هناك حركة في الاتجاه المعاكس أحيانا. فقد حصلت الصين على صواريخ ستينغر من باكستان.
وهكذا ظهرت العلاقة العسكرية الكونفوشية الإسلامية إلى حيز الوجود، وتهدف إلى تعزيز إكساب أعضائها تكنولوجيا الأسلحة والأسلحة اللازمة لمواجهة القوة العسكرية للغرب. قد تدوم أو لا تدوم. هي في الوقت الحاضر كما قال ديف مكوردي، " اتفاقية دعم متبادل بين متمردين يديرها مؤيدو انتشار الأسلحة ومناصروهم ". هناك شكل جديد من التنافس على التسلح يجري بين الدول الإسلامية، الكونفوشية والغرب. في سباق التسلح التقليدي، طور كل جانب أسلحته لتحقيق التوازن، أو تحقيق التفوق على الجانب الآخر. في الشكل الجديد من سباق التسلح ، هناك جانب يطور أسلحته والجانب الآخر لا يحاول الوصول للتوازن ولكن الحد من ومنع تكديس الأسلحة، في الوقت الذي يحد من قدراته العسكرية.
مضامين للغرب:
لا يحاول هذا المقال إثبات أن الهويات الحضارية ستحل محل كل الهويات الأخرى، وأن الدول القومية ستتلاشى، وأن كل حضارة ستصبح كيانا سياسيا متماسكا ، وأن الجماعات في الحضارة الواحدة لن تتعارض مع بعضها البعض ولن تتقاتل. تضع هذه الورقة فرضية أن الاختلافات بين الحضارات حقيقية ومهمة. الوعي الحضاري متزايد. وسيحل الصراع بين الحضارات محل الصراعات الأيديولوجية والأشكال الأخرى من الصراع كما في النموذج العالمي السائد للصراع؛ العلاقات الدولية،التي كانت تاريخيا لعبة تُلعب داخل الحضارة الغربية، ستُنزع وعلى نحو متزايد من يد الغرب وتصبح لعبة تكون فيها الحضارات الغير غربية جهات فاعلة وليس مجرد أدوات؛ ستتطورالمؤسسات الدولية الناجحة السياسية والأمنية الاقتصادية داخل الحضارات وليس عبر الحضارات؛ ستكون الصراعات بين الجماعات من الحضارات المختلفة أكثر تواترا، واستدامة وأكثر عنفا من الصراعات بين الجماعات في الحضارة نفسها. ستكون الصراعات العنيفة بين الجماعات في الحضارات المختلفة المصدر الأكثر احتمالا والأكثر خطورة للتصعيد  الذي يمكن أن يؤدي إلى حروب كونية؛ وستكون ذروة السياسة العالمية هي العلاقات بين "الغرب وبقية العالم". ستحاول النخب في بعض البلدان الممزقة الغير غربية دفع بلدانها  باتجاه الغرب، ولكن في معظم الحالات ستواجه عقبات كبيرة لتحقيق ذلك؛ سيكون محور الصراع في المستقبل القريب الغرب والعديد من الدول الاسلامية الكونفوشية.
هذا ليس دفاعا عن الرغبة في الصراعات بين الحضارات. إنما هي فرضيات وصفية لما يمكن ان يكون عليه المستقبل. إذا كانت هذه الفرضيات معقولة، فإنه من الضروري النظر في آثارها على السياسة الغربية. يجب أن تُقسم هذه الآثار بين فوائد قصيرة المدى وتكيفاً على المدى الطويل. من الواضح أنه في المدى القصير من مصلحة الغرب تعزيز مزيد من التعاون والوحدة داخل حضارته ، ولا سيما بين مكوناته في أوروبا وأمريكا الشمالية. و أن تستقطب المجتمعات في أوروبا الشرقية وأمريكا اللاتينية ذات الثقافات القريبة من الغرب. وتعزيز والحفاظ على علاقات تعاونية مع روسيا واليابان. ومنع تصاعد الصراعات الداخلية المحلية في الحضارات إلى حروب بين الحضارات ؛ والحد من التوسع في القوة العسكرية للدول الكونفوشية والإسلامية. والتخفيف من خفض القدرات العسكرية الغربية والحفاظ على التفوق العسكري في شرق وجنوب غرب آسيا. والاستفادة من الخلافات والصراعات بين الدول الكونفوشية والإسلامية. ودعم الجماعات المتعاطفة في الحضارات الأخرى مع القيم والمصالح الغربية. وتعزيز المؤسسات الدولية التي تعكس وتبرر المصالح والقيم الغربية، وتعزيز مشاركة الدول الغير غربية في تلك المؤسسات.
سيتم استحضار تدابير أخرى على المدى الأطول. إن الحضارة الغربية غربية وحديثة على حد سواء. حاولت الحضارات غير الغربية أن تصبح حديثة دون أن تصبح غربية. وحتى الآن لم تنجح في هذا المسعى سوى اليابان. وسوف تستمر الحضارات الغيرغربية في محاولة الحصول على الثروة والتكنولوجيا والمهارات والآلات والأسلحة التي هي جزء من الحداثة. وستسعى أيضا للتوفيق بين هذه الحداثة وثقافتها وقيمه التقليدية. سوف تزداد قوتها الاقتصادية والعسكرية النسبية إلى الغرب. وبالتالي سيضطر الغرب لاستيعاب هذه الحضارات الحديثة الغيرغربية التي تقترب قواها من قوة الغرب لكن قيمها ومصالحها تختلف كثيرا عن تلك التي للغرب. وهذا يتطلب من الغرب الحفاظ على القوة الاقتصادية والعسكرية اللازمة لحماية مصالحه أمام هذه الحضارات. ويجب على الغرب كذلك أن يطور فهما أكبر وأكثر عمقا للمفاهيم الدينية والفلسفية الأساسية الكامنة في الحضارات الأخرى والوسائل التي تتبعها الشعوب في تلك الحضارات في تحديد مصالحها. وسوف يتطلب جهدا لتحديد العناصر المشتركة بين الحضارة الغربية والحضارات الأخرى. وبالنسبة للمستقبل ، لن يكون هناك حضارة عالمية، ولكن بدلا من ذلك سيكون هنك عالم من الحضارات المختلفة، يجب على كل منها أن تتعلم التعايش مع الآخرين.
19- 6- 2015

اقرأ أيضاً على حبيبتنا

أنشودة العرب، شعر: علي طه النوباني  

بنما دولة بعيدة... ومُشوِّقة جدا  

الأزمة الاقتصادية، ومصالح الطبقات  

قراءة في رواية دموع فينيس لعلي طه النوباني  

عَهْدُ فلسطين - عهد التميمي  

كذبة نيسان  

الشوكُ جميلٌ أيضا  

«مدينة الثقافة الأردنية».. مراجعة التجربة لتعزيز الإيجابيات وتلافي السلبيات  

المشنقة  

البيطرة  

قصة نظرة  

عملية صغرى  

سيجارة على الرصيف  

بالشوكة والسكين والقلم  

نهاية التاريخ؟ مقالة فرانسيس فوكوياما  

الدولة العربية الإسلامية / الدولة والدين/ بحث في التاريخ والمفاهيم  

شهامة فارس  

جذورالحَنَق الإسلامي برنارد لويس  

صِدام الجهل : مقالة إدوارد سعيد  

صدام الحضارات؟ صموئيل هنتنغتون 

الفضائيات والشعر  

كأسٌ آخرُ من بيروت 

عمّان في الرواية العربية في الأردن": جهد أكاديمي ثري يثير تساؤلات 

تشكّل الذوات المستلبة  

مشهد القصة بين الريف والمدينة  

وحدة الوجدان والضمير  

«المنجل والمذراة».. استبطان الداخل  

دور المثقف والخطاب العام  

جرش: حديث الجبال والكروم  

في شرفة المعنى 

المثاقفة والمنهج في النقد الأدبي لإبراهيم خليل دعوة للمراجعة وتصحيح المسيرة  

!!صديق صهيوني  

عنترُ ودائرةُ النحس  

فجر المدينة  

مقامة الأعراب في زمن الخراب  

دورة تشرين 

الغرفُ العليا  

الصيف الأصفر  

حب الحياة: جاك لندن 

قصة ساعة كيت تشوبن 

قل نعم، قصة : توبايس وولف 

معزوفة الورد والكستناء  

منظومة القيم في مسلسل "شيخ العرب همام"  

ملامح الرؤية بين الواقعية النقدية والتأمّل  

الرؤية الفكرية في مسلسل «التغريبة الفلسطينية»  

"أساليب الشعريّة المعاصرة" لصلاح فضل - مثاقفة معقولة  

كهرباء في جسد الغابة  

جامعو الدوائر الصفراء  

صَبيَّةٌ من جدارا اسمُها حوران