آخر المقالات

آخر المقالات
جاري تحميل المقالات...
‏إظهار الرسائل ذات التسميات دراسات ومقالات. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات دراسات ومقالات. إظهار كافة الرسائل

الخميس، 15 أغسطس 2024

هولندا الداعم الأوروبي الثاني لإسرائيل بعد ألمانيا

 

كتب: علي طه النوباني

تم الاستعانة بحلقة المخبر الاقتصادي كمصدر للمعلومات(https://www.youtube.com/watch?v=0dovfAo9oag)

في بلدة صغيرة جنوب هولندا تُدعى "فونز بارك"، تُعرف هذه البلدة بين الهولنديين بأنها مقر لمستودع "ال سي دبليو" التابع للقوات الجوية الملكية الهولندية، والذي يُعتبر المستودع المركزي في أوروبا لقطع غيار المقاتلات الأمريكية الشبحية "F-35". يتم شحن قطع الغيار من هذا المستودع لحلفاء الولايات المتحدة الذين يستخدمون هذه الطائرة، بما في ذلك إسرائيل. يُعتبر أسطول طائرات "F-35" العمود الفقري للقوات الجوية الإسرائيلية، والتي استخدمتها بشكل كثيف في قصف قطاع غزة خلال العدوان الحالي.

في ديسمبر 2023، رفعت بعض المنظمات الحقوقية دعوى قضائية ضد الحكومة الهولندية بهدف وقف تصدير قطع غيار "F-35" للجيش الإسرائيلي. رفضت محكمة لاهاي هذا الطلب، ولكن المنظمات الحقوقية لم تتراجع وقررت اللجوء إلى محكمة الاستئناف في لاهاي. وفي تطور مفاجئ، أصدرت محكمة الاستئناف في لاهاي قرارها في 12 فبراير 2024، وأمرت الحكومة الهولندية بوقف تصدير قطع الغيار إلى إسرائيل خلال سبعة أيام فقط.

وفي تعليق على القرار، أعلنت الحكومة الهولندية في اليوم نفسه أنها ستستأنف الحكم أمام المحكمة العليا، وهو أمر كان متوقعًا، خاصةً وأن رئيس الوزراء الهولندي كان موجودًا في القدس المحتلة في اليوم الذي صدر فيه قرار محكمة الاستئناف. والجدير بالذكر أن هذه كانت الزيارة الثالثة لرئيس الوزراء الهولندي مارك روتا إلى إسرائيل منذ 7 أكتوبر.

يُعتبر رئيس الوزراء الهولندي مارك روتا أكثر زعيم في العالم اجتمع مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال العدوان الإسرائيلي الحالي على قطاع غزة. وخلال هذه الاجتماعات، كان يُعبر بوضوح عن دعمه للاحتلال الإسرائيلي. وفي الواقع، فإن أي شخص على دراية بتاريخ العلاقات الهولندية الإسرائيلية ومواقف هولندا من القضية الفلسطينية لن يتفاجأ أبداً من سلوك الحكومة الهولندية الحالي. على العكس، فإن هولندا تتنافس مع ألمانيا على لقب الدولة الأوروبية الأكثر دعماً للاحتلال الإسرائيلي.

ولكن ما هي قصة هولندا مع الاحتلال الإسرائيلي؟ وما هو سر الدعم المستمر من الحكومات الهولندية المتعاقبة لإسرائيل؟ وكيف كانت هولندا صديقاً وفياً للإسرائيليين، وقدمت لهم المساعدة في العديد من المواقف الصعبة؟

بعد دقائق من إعلان الاحتلال الإسرائيلي قيام دولته في فلسطين المحتلة في 14 مايو 1948، اعترف الرئيس الأمريكي حينها هاري ترومان بهذه الدولة، لتصبح الولايات المتحدة أول دولة في العالم تعترف بها. وعلى عكس الولايات المتحدة التي كانت متحمسة جداً لدعم الكيان الصهيوني، كانت العديد من الدول حول العالم، خاصة في أوروبا، أقل حماساً للاعتراف بدولة الاحتلال. كانت لهذه الدول حسابات خاصة ومصالح تسعى للحفاظ عليها، ومن بين هذه الدول هولندا.

اتخذ الهولنديون في بداية الصراع العربي الإسرائيلي موقفاً محايداً إلى حد كبير، وهو ما انعكس على موقفهم من الاعتراف بدولة الاحتلال عندما تم إعلان قيامها. في ذلك الوقت، كانت هولندا تحتل منطقة الهند الشرقية (إندونيسيا حالياً) في شرق آسيا، وكانت تخوض صراعاً مسلحاً مع الشعب الإندونيسي الذي كان يسعى لطرد الاحتلال الهولندي والحصول على الاستقلال.

خشي الهولنديون من أنَّ اعترافهم بالدولة التي أسستها العصابات الصهيونية في فلسطين قد يُثير مشاعر الشعب الإندونيسي، الذي كانت أغلبيته الساحقة من المسلمين، ويحفزه على مواصلة الكفاح ضد الهولنديين الذين كانوا يحاولون بشدة الحفاظ على سيطرتهم على إندونيسيا. لهذا السبب، تأخر الاعتراف الهولندي بدولة الاحتلال، لكن هذا التأخير لم يدم طويلاً، حيث نجح الإندونيسيون في أواخر عام 1949 في هزيمة الهولنديين وانتزاع الاعتراف باستقلال إندونيسيا.

عندما فقد الهولنديون سيطرتهم على إندونيسيا وطُردوا منها، لم يعد هناك ما يمنعهم من الاعتراف بالدولة الصهيونية الوليدة، وبالفعل اعترفوا بها رسمياً في يناير 1950. منذ ذلك الحين وحتى اليوم، تواصل هولندا دعمها القوي للاحتلال الإسرائيلي، حتى أصبحت تُعتبر واحدة من أكثر الدول وفاءً للإسرائيليين.

تطورت العلاقات الهولندية الإسرائيلية في بدايتها بفضل الصداقة الوثيقة التي جمعت بين رئيس الوزراء الهولندي وليم دريس وأول رئيس وزراء للاحتلال، ديفيد بن غوريون. وفقاً للصحفي الهولندي فرانس بيترز، توصّل الرجلان إلى اتفاق شفهي غير مكتوب يضمن دعم هولندي غير مشروط لإسرائيل في الأوقات الصعبة وأوقات الاضطرابات.

أول دليل على هذا الدعم الهولندي غير المشروط لإسرائيل ظهر في أكتوبر 1956، مع اندلاع العدوان الثلاثي على مصر. دعمت الحكومة الهولندية آنذاك هجوم الجيش الإسرائيلي على شبه جزيرة سيناء المصرية، واعتبرت أن الهجوم مُبرر بسبب التهديد الكبير الذي تشكله الدول العربية، وبخاصة مصر، على إسرائيل. وقد أيد البرلمان الهولندي بالكامل تقريباً موقف الحكومة الهولندية من الاحتلال الإسرائيلي والعدوان الثلاثي. لم يقتصر الدعم على الجانب السياسي فقط، بل شمل أيضاً توريد الأسلحة سراً لإسرائيل.

لكن الدعم الهولندي لإسرائيل في عام 1956 يبدو ضئيلاً مقارنةً بما قدمته هولندا في عام 1967، عندما قام جيش الاحتلال الإسرائيلي باحتلال سيناء، وقطاع غزة، والضفة الغربية، والجولان. مرة أخرى، وقفت هولندا بكل قوتها إلى جانب إسرائيل، ودعمتها في عدوانها على الأراضي العربية.

كان الدعم الهولندي لإسرائيل خلال حرب 1967 واسع النطاق وشاملاً: الشعب الهولندي، الحكومة، البرلمان، وحتى الملكة، كلهم كانوا داعمين لإسرائيل. خرج آلاف الهولنديين في مسيرات داعمة لإسرائيل، وشاركوا في حملات للتبرع بالمال والدم لصالح الكيان الصهيوني. في غضون أسابيع، جمع الهولنديون 18 مليون جلدر و9000 وحدة دم لصالح جرحى جيش الاحتلال. خلال الحرب، كانت طائرات شركة "العال" الإسرائيلية تقوم بثلاث رحلات يومياً لنقل المستلزمات الطبية، ووحدات البلازما، وأجهزة نقل الدم من أمستردام إلى تل أبيب.

كانت هولندا كلها تقريباً تتابع أخبار الحرب لحظة بلحظة للاطمئنان على الإسرائيليين. وأشارت نتائج استطلاع رأي أجراه المعهد الهولندي للرأي العام مباشرة بعد حرب 1967 إلى أن 67% من سكان هولندا كانوا متعاطفين مع الإسرائيليين، حيث أشار معظم المشاركين في الاستطلاع إلى الهولوكوست أو المحرقة كسبب رئيسي لدعمهم لإسرائيل، التي لم تكتفِ باحتلال الأراضي الفلسطينية، بل توسعت في احتلال أراضي دول عربية أخرى.

استمر الدعم السياسي الهولندي لإسرائيل من خلال البرلمان الهولندي الذي شجع الحكومة على تزويد الإسرائيليين بالمعدات العسكرية، بما في ذلك مكونات الطائرات المقاتلة والدبابات. الحكومة الهولندية، بالإضافة إلى ملكة هولندا آنذاك، الملكة يوليانا، كانت داعمة لإسرائيل بدرجة كبيرة. وصلت دعمها إلى حدٍ كاد أن يتسبب في أزمة دستورية في هولندا للتأكيد على تأييدها للإسرائيليين. ففي 16 يونيو 1967، استقبلت يوليانا في قصرها ممثلي لجنة هولندية تُدعى "العمل الجماعي من أجل إسرائيل" لتطلع على آخر مستجدات المساعدات الهولندية لإسرائيل. عبرت عن قلقها على مصير الإسرائيليين، وأعربت عن رغبتها في إصدار بيان عام تنتقد فيه سياسة الرئيس المصري جمال عبد الناصر، وتدعو الناس للصلاة من أجل إسرائيل. ولكن، هذا البيان كان مخالفًا لبروتوكولات الملكية الدستورية في هولندا، حيث إن دور الملك رمزي ولا يتدخل في الحكم. نتيجة لذلك، تدخل وزير خارجية هولندا آنذاك، جوزيف لونز، وأوضح لها أن منصبها لا يسمح لها بإصدار مثل هذا البيان.

انتهت حرب 1967 باحتلال إسرائيل لمناطق عربية عدة، بما في ذلك سيناء المصرية والجولان السورية. ومع مرور الوقت، قرر المصريون والسوريون استرجاع أراضيهم المحتلة عبر شن هجوم مشترك مفاجئ على إسرائيل في 6 أكتوبر 1973. على عكس حربي 1956 و1967، كان جيش الاحتلال الإسرائيلي في موقف حرج للغاية خلال حرب أكتوبر 1973، خاصة في الأيام الأولى، حيث كاد أن ينهار تمامًا. وهنا برزت هولندا مجددًا كإحدى أكثر الدول وفاءً ودعمًا لإسرائيل.

الجدير بالذكر أن الدعم الهولندي لإسرائيل لم يكن مرتبطًا فقط بالأزمات أو الحروب. فقبل حرب 1973، تم تدريب مجموعة من الجنود الإسرائيليين في هولندا بين عامي 1971 و1972. وخلال هذه التدريبات السرية، درّب الهولنديون الجنود الإسرائيليين على استخدام ناقلة الجند الأمريكية المدرعة "M113" وعلّموهم كيفية إطلاق النار باستخدامها. كان لهذا التدريب أهمية كبيرة لإسرائيل، حيث اعتمدت بشكل كبير على هذه المدرعة خلال الحرب مع مصر وسوريا. ومع اندلاع الحرب في 6 أكتوبر، وعلى الرغم من المفاجأة الاستراتيجية للهجوم المصري والسوري، كان حلفاء إسرائيل، بما فيهم الهولنديون، واثقين في قدرة سلاح الجو الإسرائيلي المتطور على سحق الهجوم بسرعة. ولكن مع مرور الوقت، أدرك الجميع، بما فيهم الهولنديون، أن تقديراتهم لقوة الجيش الإسرائيلي كانت مفرطة في التفاؤل، وأن وضع إسرائيل كان سيئًا للغاية، خاصة على الجبهة المصرية التي كانت مجهزة بدفاع جوي قوي لتقليص تأثير سلاح الجو الإسرائيلي.

بعد وصول تقارير عن تدهور الوضع الإسرائيلي في الحرب، اجتمع رئيس وزراء هولندا، يوب دن إل، في 8 أكتوبر 1973 مع وزراء الخارجية، والعدل، والشؤون الاقتصادية، والدفاع لمناقشة سبل مساعدة إسرائيل. قرروا أولاً الدعوة إلى وقف إطلاق النار في أقرب وقت ممكن بشروط مقبولة للطرفين، لكنهم فضلوا أن يكون وقف إطلاق النار على أساس الوضع الذي كان قبل الحرب، مما يعني انسحاب الجيش المصري من الأراضي التي حررها والعودة إلى الوضع الذي كان عليه صباح يوم 6 أكتوبر، وهو اقتراح شديد السُّخف يعكس انحيازًا واضحًا لإسرائيل.

في نفس الاجتماع، اتفق الهولنديون على ضرورة منع أي محاولة من الدول العربية في الجمعية العامة للأمم المتحدة لوصف الاحتلال الإسرائيلي بأنه عدواني. أبلغوا مندوبهم الدائم في الأمم المتحدة بهذا الأمر وطلبوا منه التصويت ضد أي قرار يدعو لتنفيذ قرار مجلس الأمن رقم 242 الصادر عام 1967، والذي يلزم الاحتلال الإسرائيلي بالانسحاب من الأراضي التي احتلها في يونيو من ذلك العام. قررت هولندا في ذلك الوقت تقديم كل الدعم الدبلوماسي الممكن لإسرائيل، لكنها لم تكتفِ بذلك. ففي 7 أكتوبر، طلب السفير الإسرائيلي في هولندا، شنان بارون، من وزير الخارجية الهولندي تقديم الدعم العسكري والمادي لإسرائيل. كان الإسرائيليون في حالة يأس بسبب وضعهم السيئ في الحرب، وكانوا يواجهون صعوبة في تأمين الدعم العسكري لجيشهم، خاصة بعد أن فرضت بريطانيا وفرنسا حظرًا على تصدير الأسلحة لجميع أطراف النزاع، بما في ذلك إسرائيل. كما أن الجسر الجوي الأمريكي لم يبدأ إلا بعد فترة من الزمن.

في هذا السياق، عندما تواصل السفير الإسرائيلي مع الهولنديين، كانت هولندا تقريبًا الخيار الوحيد المتبقي لتزويد الجيش الإسرائيلي بالذخيرة وقطع الغيار الضرورية. وبحسب السفير الإسرائيلي، فإن رد وزير الخارجية الهولندي على طلبه كان باردًا نسبيًا، ربما بسبب التقارير المتفائلة حول قوة الجيش الإسرائيلي. ورغم ذلك، لم يستسلم السفير الإسرائيلي واستمر في التواصل مع رئيس الوزراء الهولندي ووزير الخارجية. وكان الأخير متعاطفًا جدًا مع الإسرائيليين، لدرجة أنه شارك شخصيًا في مظاهرة دعم لإسرائيل في أمستردام يوم 13 أكتوبر. كما تواصل مع الملحق العسكري الإسرائيلي في باريس للاستفسار عن احتياجات الجيش الإسرائيلي، وجاءه الرد في اليوم التالي بأنهم بحاجة ماسة للذخائر من عيار 105 ملم و155 ملم. وقد استجابت هولندا لهذا الطلب، وزودت إسرائيل بالذخيرة وقطع الغيار لدبابات سنتوريون التي كانت تشكل نصف قوة الدبابات الإسرائيلية خلال الحرب.

دعم الهولنديون الاحتلال الإسرائيلي رغم المخاطر التي تعرضوا لها، حيث تسبب ذلك في فرض حظر نفطي عليهم من قبل الدول العربية المنتجة للنفط، مما أدى إلى أزمة طاقة كبيرة في هولندا. كان موقف هولندا مختلفًا عن مواقف جيرانها في أوروبا، الذين فضلوا البقاء على الحياد خوفًا من استخدام العرب لسلاح النفط. وعندما زارت رئيسة الوزراء الإسرائيلية جولدا مائير لندن في نوفمبر 1973 لحضور مؤتمر الأممية الاشتراكية بعد وقف إطلاق النار، وبّخت الزعماء الأوروبيين لعدم دعمهم الكافي لإسرائيل في الحرب. ومع ذلك، شكرت اثنين فقط من القادة الأوروبيين الحاضرين لدعمهما لإسرائيل، وهما رئيس وزراء هولندا يوب دن آيل ومستشار ألمانيا الغربية فيلي برانت. وما زالت هذه الدول تدعم إسرائيل حتى اليوم.

انتهت الحرب، لكن الدعم الهولندي لإسرائيل استمر. فعلى سبيل المثال، عندما قطعت بولندا علاقاتها مع إسرائيل في عام 1967، وافقت الحكومة الهولندية على تمثيل المصالح الإسرائيلية في بولندا من عام 1967 حتى عام 1990. كذلك قدمت هولندا نفس الخدمة لإسرائيل في موسكو عندما انقطعت العلاقات الدبلوماسية بين الاتحاد السوفيتي وإسرائيل. وبين فبراير ويوليو 1953، كانت هولندا دائمًا تقف بجانب إسرائيل على حساب حقوق الشعب الفلسطيني، حيث صوتت ضد القرارات التي تدعو إلى حق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم.

الاستثناء الوحيد في السياسة الهولندية كان مشاركتها في مشروع ميناء غزة في أواخر التسعينات، حيث قدمت منحة تقدر بحوالي 23 مليون يورو. ولكن للأسف، لم يكتمل المشروع بسبب تدميره من قبل الجيش الإسرائيلي خلال الانتفاضة الفلسطينية الثانية. ومع ذلك، لم يكن هذا الدعم دليلاً على تغيير جذري في السياسة الهولندية، إذ رفض وزير الخارجية الهولندي ياب دي هوب شيفر مطالبة إسرائيل بتعويضات عن تدمير الميناء، حيث كان يميل لدعم الإسرائيليين مثل أغلب وزراء خارجية هولندا. وربما كان الاستثناء الوحيد هو وزير الخارجية الهولندي بوت، الذي شغل المنصب من ديسمبر 2003 حتى فبراير 2007، حيث كان يسعى لتقديم دعم أكبر للفلسطينيين، ولكن في النهاية استسلم للواقع السياسي، حيث منع البرلمان الهولندي أي جهود لزيادة الدعم السياسي للقضية الفلسطينية.

بقيت هولندا على موقفها الداعم لإسرائيل، وساهمت في حماية إسرائيل من الانتقادات الدولية. فعلى سبيل المثال، في فبراير 2012، أصدر دبلوماسيون في الاتحاد الأوروبي تقريرًا حول عنف المستوطنين الإسرائيليين ضد الفلسطينيين في الأراضي المحتلة، وأيدت جميع دول الاتحاد التقرير باستثناء هولندا، التي أبدت تحفظات عليه. وزير الخارجية الهولندي أور زنتال كسر إجماع الدبلوماسيين الأوروبيين في الأمم المتحدة بشأن حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة، مما جعل البعض يعتبر هولندا الصديق الأقرب لإسرائيل في أوروبا، حتى أكثر من ألمانيا التي رغم دعمها الكبير لإسرائيل، تتبنى مواقف أكثر تقدمية بشأن القضية الفلسطينية.

في هذا السياق، يمكن فهم موقف هولندا الحالي من العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، الذي أسفر حتى الآن عن مقتل أكثر من 40,000 شخص، معظمهم من النساء والأطفال. رغم كل هذا القتل والتدمير، لم يتغير موقف هولندا الداعم لإسرائيل. للأسف، تشارك هولندا في جرائم الاحتلال الإسرائيلي من خلال توفير الغطاء السياسي الذي يسمح باستمرار القتل والتدمير، ومن خلال عدم منع وصول أدوات القتل، مثل قطع غيار طائرات F-35، إلى الجيش الإسرائيلي.

لن تنسى الأمتان العربية والإسلامية دور هولندا السلبي في منطقة الشرق الأوسط، ومشاركتها المباشرة وغير المباشرة في الإبادة الجماعية وجرائم الحرب البشعة التي ترتكبها دولة الكيان الصهيوني إسرائيل في فلسطين عامة وفي قطاع غزة خاصة.


الخميس، 14 ديسمبر 2023

فلسطين بين نفاق الأصدقاء وسفالة الأعداء

 

بقلم: علي طه النوباني

في تصريح لوزير الخارجية الروسي لافروف يقول: "إن موسكو لن توافق على أي تسوية تمس أمن إسرائيل، ولا تشمل إقامة دولة فلسطينية".

وربما يبدو حديث لافروف لبعض العرب مغريا على الرغم من الإسفين الذي يدقه في الحقّ الفلسطيني، وهو أمن ما يسمى بإسرائيل!

كيف يكون أمن دولة فصل عنصري "أبارتيد" تنكر حق العودة للشعب الفلسطيني كما أقرته القوانين الدولية، وتسمح لنفسها بالاستيطان في أي قطعة أرض تحتلها ناظرة إلى الناس الأصليين فيها على أنهم مجرد سكان تنقلهم حيث تشاء، وتبيدهم متى تشاء.

كيف يمكن لأحد أن يطلب الأمن لسارق أو قاتل دون أن يحقق العدالة للضحية؟!

ليس من حق أي دولة تمارس الفصل العنصري أن تنعم بالأمن حتى تزيل جميع مخالفاتها للقانون الدولي، وما عدا ذلك فإن أي حديث عن أمن ما يسمى "إسرائيل" هو هرطقة ونفاق وتلاعب بالمنطق والقانون الدولي وحق العرب والمسلمين والفلسطينيين الثابت الذي لن يتم التنازل عنه مطلقا، وسيبقى مهددا للأمن والسلم العالمي إلى أن يتم تحقيق العدالة للفلسطينيين دون نفاق أو مواربة أو لف ودوران.

لقد قام الكيان الصهيوني المسمى "إسرائيل" على التطهير العرقي للسكان الأصليين العرب-الفلسطينيين، وإنما يتم تحقيق الحد الأدنى من العدالة بتحقيق ما يلي:

1-  إنهاء سياسة الفصل العنصري في الشكل الجديد للدولة في فلسطين والتي ستكون دولة لكل مواطنيها، واعتبار كل شخص يؤمن بأفضلية عرق على عرق أو دين على دين أو لون على لون مجرما مكانه السجن، وليس مشاركا في رسم السياسات ومتخذا للقرارات كما هو الحال في دولة الكيان المجرمة المدعوة "إسرائيل".

2-  تنفيذ حق العودة للشعب الفلسطيني لأي بقعة من فلسطين دون أي انحراف عن النص الحرفي للقرارات الأممية ذات الشأن.

3-  جميع فصائل المقاومة، وعلى راسها المقاومة الإسلامية حماس، هي جزء أساسي من حركة النضال والكفاح المسلح المشروع ضد الاحتلال والفصل العنصري والتمييز العرقي والديني. ومن حق هذه الفصائل أن تشارك في الشكل الجديد للدولة سياسيا وإداريا وفي كافة مناحي الحياة.

إن أي تعاطف مع الحق الفلسطيني لا يستوفي هذه المبادئ هو تعاطف الأعلى مع الأدنى، وهو يضرُّ القضية أكثر مما ينفعها. كما أن الحديث عن أمن ما يسمى إسرائيل دون إنهاء الفصل العنصري وتنفيذ القرارات الدولية، وأبرزها حق العودة، هو حديث عن حماية مجرم قاتل من المحاكمة، وهو ذر للرماد في العيون وضحك على الذقون.

العالم اليوم بين خيارين لا ثالث لهما: أولها تحقيق العدالة للفلسطينيين، وهو ما قد يمنحه شيئا من الأخلاقية للاستمرار ومواجهة أزماته الصعبة في الاقتصاد والبيئة وغيرهما، وثانيهما أن ينفجر الاحتقان لملياري مسلم يشعرون بالاضطهاد والظلم فيكون وبالا على العالم باسره.

يبدو أن السيد لافروف يتحدث بما يسمعه من السياسيين في بلادنا العربية والشرق الأوسط، وليس بما يمليه الحق والعدل والمنطق. وينبغي هنا أن نشير إلى أن هؤلاء السياسيين في منطقتنا لا يطرحون أنفسهم قادة لنظام عالمي جديد كما تفعل روسيا. فإذا ما أصرت روسيا على تقديم نفسها على أنها رائدة العالم الجديد، فعليها أن تقدم طرحا ثوريا ينحاز للعدالة والحق، وألا تمارس النفاق لأدوات الإمبريالية العالمية كما تفعل اليوم. وما عدا ذلك فإنه ينبغي على قوى التحرر في منطقتنا أن تنظر إلى روسيا على أنها إمبريالية ناشئة تسن أسنانها لكي تفعل كما يفعل غيرها من القتلة والمجرمين في هذه الغابة الموحشة.

 

 


الخميس، 23 نوفمبر 2023

الحق الفلسطيني والتأثير على الرأي العام العالمي

 

بقلم: علي طه النوباني

تَجوَّلَ وزير الخارجية الأمريكي بلينكن في العديد من العواصم العربية والإسلامية متحدثا عما أسماه حق الكيان الصهيوني في الدفاع عن نفسه. وكم كان مؤلما ألا نجد بين الساسة العرب مَن يَردُّ على بلينكن مؤكدا على حق الشعب الفلسطيني الأصيل والثابت في القانون الدولي في الكفاح ضدَّ الاحتلال بكل الطرق الممكنة مِن أجل تقرير مصيره على ترابه الوطني. وأبعد من ذلك فإن أحدا لم يقل له أن المستوطنين هم سكان غير شرعيين سرقوا أرض الفلسطينيين بالقوة، وهجَّروا أصحابها الأصليين، وأنهم جميعا مُجندون في قوات جيش الكيان الصهيوني أو على قوائم الاحتياط، وهم مسلحون ويرتكبون الجرائم بشكل يومي ضد الفلسطينيين العزل، ولا يجوز التعامل معهم على أنهم مدنيون.

لقد قَدَّم بلينكن السردية الصهيونية بكل ما فيها من تزوير وانحياز وخيانة للحقيقة، وبكل ما لها من دعم متعدِّد المصادر وغير محدود يمتد من الفضائيات ووكالات الأنباء مرورا بالمشاهير على وسائل التواصل الاجتماعي، ووصولا إلى الجماعات التي نظمتها الصهيونية للتلاعب بالرأي العام وتزوير المعلومات وقلب الحقائق. وإذا نظرنا على الجانب الآخر إلى السردية الفلسطينية، فإننا نجدها قائمة على جهود فردية مشتتة هنا وهناك تحتاج إلى الكثير من التنظيم والدعم لكي تكتسب الاستمرارية والقوة في مواجهة البروباغندا الصهيونية، ولكيلا تكون مجرد موجة مرافقة لطوفان الأقصى تنتهي بانتهاء المعركة.

ربما كان ملحوظا طوال فترة هذه الاعتداءات الوحشية على غزة أن عاملين رئيسين يتحكمان في إمكانية الوصول إلى وقف إطلاق النار، أولهما الوضع الميداني للقتال، وثانيهما ضغط الرأي العام العالمي الذي يضغط على الحكومات الغربية بحكم طبيعة تلك الأنظمة التي تعتمد على الانتخابات والحزبية ضمن الأشكال الديمقراطية التي تؤطر الدولة هناك، ولا يفوتني هنا أن أشير إلى أن ذلك لا ينطبق بالمقدار نفسه على الدول غير الديمقراطية التي لا يهمها صوت المتظاهرين ولا مشاركتهم في الانتخابات لأنها تستطيع أن تستخرج الموتى لكي يصوتوا ثم يعودوا إلى قبورهم غير آمنين، ولأن الأحياء أحيانا يتمنون الانضمام إلى سكان القبور لأنَّ قدرة سكان القبور على الفعل والتأثير أعلى من قدرتهم.

وعلى سبيل المثال فإن أهم أدوات العمل للتأثير في الرأي العام العالمي هي وسائل التواصل الاجتماعي، ولعل أبرزها الفيسبوك وإكس (تويتر سابقا)، وربما يكون معروفا للجميع أن فيسبوك يُصمم قوانينه وخوارزمياته لدعم السردية الصهيونية، ومعاداة السردية الفلسطينية. أما تويتر فيقدم هامشا واسعا لحرية التعبير، ويسمح لجميع الأطراف بطرح آرائهم دون تحيز فضلا عن أن تويتر هو الأقوى في التأثير على الرأي العام، وعلى كل حال فإن تويتر حاليا يتعرض لضغوط هائلة من الصهيونية لكي ينحاز لسرديتهم المزيفة وهو ما يتطلب البحث عن بدائل تساعد في تحقيق الأهداف المنشودة.

وإذا ما دخلنا إلى تويتر في هذه الأيام وبدأنا بالبحث عن الأشخاص الذين يحاولون تقديم السردية الفلسطينية باللغة الإنجليزية لكي يؤثروا في الرأي العام العالمي؛ فسنجد أن عدد صانعي المحتوى أو المتفاعلين معهم بالإعجاب أو بإعادة المشاركة قليل جدا بالمقارنة مع العدد الكلي للعرب والمسلمين ومناصري القضية الفلسطينية في العالم.

عندما نقوم بالبحث عن صفحات الصحفيين والناشطين في غزة والضفة الغربية، نجد أشخاصا كثيرين حاولوا ونشروا رسائل إعلامية قوية ومتنوعة لكنَّ صفحاتهم لا يتابعها سوى العشرات، بل إن بعض منشوراتهم المهمة لم تحظ بإعجاب واحد أو مشاركة واحدة. وعبر فترة طوفان الأقصى نجد أن العديد منهم إما استشهدوا أو انقطعت عنهم الاتصالات فانقطعت منشوراتهم.

ولسخرية القدر، كلنا نذكر أن شخصا ما كان يلفق صورة مزورة أو فيديو مفبرك ويكتب عنده: "لا تخرج قبل أن تقول كذا" كان يحصل على مائة ألف إعجاب وأكثر، فأين اختفى ذلك الجمهور عندما صرنا بحاجة للتأثير على الرأي العام بما يدافع عن مصالحنا كأمة وليس من أجل ربح مالي أو نجومية شخصية أو تسلية عبثية أحياناً.

أعتقد أن ذلك يعود إلى أسباب عديدة منها قلة العارفين بأهمية كسب تأييد الرأي العام وأساليب التأثير والإقناع، ومنها أيضا القوانين التي تحد من حرية الرأي، وتجعل الإنسان خائفا من مشاركة أي شيء أو مجرد التعبير عن الإعجاب به مهما كان يعبر عن الحق والصواب. ولكن السبب الأهم هو عدم وجود مؤسسة أو مؤسسات عربية تتبنى التأثير على الرأي العام العالمي لصالح القضية الفلسطينية بكل الوسائل الممكنة، وتضع الاستراتيجيات اللازمة لذلك بحيث تميز بين قصير المدى منها مثل فترة طوفان الأقصى، وطويل المدى منها والذي يستمر العمل به مهما كانت الظروف. كما أن وجود هذه المؤسسة أو المؤسسات من الممكن أن يؤدي إلى وضع استراتيجيات لمقاطعة مواقع التواصل الاجتماعي التي تنحاز لترجيح كفة على أخرى مثل فيسبوك وممتلكاته الأخرى مثل واتساب وإنستجرام.

ربَّ قائلٍ بأن الفضائيات تقوم بهذا الدور، لكن الفضائيات تؤطر المحتوى وتضع له حدوداً لا تناسب مصلحة القضية الفلسطينية دائما، وعلى سبيل المثال فإن أكبر فضائية عربية رغم دعمها الواضح للقضية الفلسطينية لا تتطرق إلى مسألة حق الشعب الفلسطيني في مقاومة الاحتلال، ولا تتطرق لتوضيح عدم شرعية الاستيطان في الضفة الغربية وقطاع غزة، ولا تتحدث عن حق العودة للشعب الفلسطيني، وهي حدود تقررها الدولة المضيفة للفضائية التي تؤطر العمل الإعلامي وتقرر ما يقال وما لا يقال بغض النظر عن مصلحة القضية وحقوق الشعب الفلسطيني، كما أن تاريخ الفضائية ودخولها في معتركات خِلافية في الزمن الماضي يؤثر سلبا على ما تقدمه في معترك آخر حتى لو كان تناولها له فيه شيء من الموضوعية.

إذن نحن بحاجة إلى مؤسسة أو أكثر تتبنى التأثير على الرأي العام؛ تقوم على حقوق الشعب الفلسطيني كما هي مقررة وثابته في القوانين الدولية والقرارات الأممية؛ وعلى رأسها حق العودة والحق في الكفاح ضد الاحتلال بكل الطرق الممكنة، والحق في تقرير المصير، هذا من الجانب الأول، ومن الجانب الثاني تقوم بفضح انتهاكات الكيان الصهيوني لهذه الحقوق بالكلمة والصورة وكافة الأساليب الممكنة، ويبقى الشرط الأهم هو ثبات المبدأ الأساسي وهو عدم تأثير المحاور السياسية المتصارعة في المنطقة والعالم على هذه المؤسسة وعلى عملها بأي شكل من الأشكال، وإنما يضمن ذلك بعدها عن الانحياز لأي طرف سوى رسالتها وهي الحق الفلسطيني كما هو مقرر في القوانين الدولية وقرارات الأمم المتحدة.

وإلى أن تظهر مؤسسة قوية للحديث عن الحق الفلسطيني لا تمل تقديم السردية الفلسطينية الحقيقية لكل شعوب العالم، ولا تمل الحديث عن الكفاح ضد الاحتلال بما في ذلك الكفاح المسلح، ولا تمل التأكيد بكل الطرق الممكنة على حق العودة وتقرير المصير، فإن جهودنا ستبقى موجات هابطة وصاعدة حسب الحدث بما لا يضمن ضغطا مستمرا ولا يحتفظ حتى بالمناصرين الذين يتعرضون لضغوط هائلة تصل إلى حد التهديد بقطع أرزاقهم، بل أعناقهم أحيانا.

الأحد، 12 فبراير 2023

صناعة النجوم من غبار الزلازل والجثث

 

بقلم: علي طه النوباني



استطاعت فرق الإنقاذ والمتطوعون إخراج عدد لا بأس به من الأحياء من تحت الأنقاض في تركيا وسوريا، وبالمقابل مات الكثيرون، بعضهم مات موتا سريعا أراحهم من عالم زاخر بالقسوة والوحشية والأنانية المفرطة، والبعض الآخر مات موتا بطيئا تحت حِمل الأنقاض والجوع والعطش والأسى على مرارة فقد الأحبة والانهيار المفاجئ لكل شيء.

وفي قلب هذه المأساة سَوَّقت الفضائيات ووسائل التواصل الاجتماعي لنوع جديد من العلماء والمتنبئين الذين أعلنوا مسبقا عن الزلزال، بل إنهم حدَّدوا مكانه وزمانه.

أَمّا المتنبئون، فقد عرفتُ مِنهم اللبناني ميشيل حايك، والمصرية اللبنانية ليلى عبد اللطيف، حيث ذكرا نبوءتهما ليلة رأس السنة الماضية على الفضائيات العربية بحدوث زلزال في تركيا في العام 2023 دون أن يحددا يوما أو شهرا محددا. وأما من أسموهم علماء فواحد من هولندا والآخر من أستراليا وقد نشرا نبوءتهما على تويتر قبل الزلزال بأيام.

وإذا كنا نعرف جميعا أنَّ العلم قد أكَّد لنا في غير مرَّة أنه لا يمكن التنبؤ بالزلازل، وأنَّ القدرات الخارقة للإنسان ما زالت قيدَ الدَّرس، ولم يتمَّ إثباتها علميا بأيِّ شكل من الأشكال؛ فمن أين عرف هؤلاء عن هذه الكارثة قبلها بأكثر من شهرين؟

لقد ادعى الهولندي والأسترالي أنهما تنبآ بالزلزال من خلال مراقبة حركة الكواكب والنجوم؛ بل إن الأسترالي يقول إن أبرز أسباب الزلزال أنَّ القمر كانَ بدرا ليلة الزلزال!

ولكنَّ القمر كان بدرا في الكرة الأرضية كلها، وليس في تركيا وسوريا وحدهما!

والقمر يصبح بدرا اثنا عشر مرة في العام!

ويضاف إلى ذلك أنَّ القمر موجود حول الأرض سواء أكان مضيئا أم مظلما!

أيُّ علماء جُدُد يتمُّ التسويق لهم؟ وعلى أي شعوب ستنطلي هذه الخزعبلات!

أيهما أولى: أن نصدق قدرات هؤلاء المنجمين الخارقة، أم أن نستعمل عقلنا للبحث ومحاولة إيجاد السيناريوهات الممكنة لتفسير الأمر؟

إذا أردنا أن نفهم عقل الرأسمالية، فعلينا أن نفكر بطريقتهم:

إنهم يصنعون المرض ثم يبيعون الدواء واللقاح!

ويصنعون الحرب ثم يبيعون الأسلحة!

 وربما هم الآن يصنعون الزلازل ثم يبيعون تقنيات الأبنية المقاومة للزلازل. ويحققون أرباحا إضافية بصناعة نجوم يصدقهم الناس، ويوجهون الرأي العام. كما يصنعون إنساناً خائفاً ومستسلماً ومهزوماً يستجيب بسهولة لخططهم الدنيئة، ويقوم بتوجيهه عميل لواحد من أجهزة المخابرات التابعة لواحدة من الدول الكبرى.

أيُّ دولة في العالم وصلت إلى تقنية التنبؤ بالزلازل أو حتى صناعتها، وأخفت عن العالم هذا الإنجاز، وأي جهاز استخبارات قام بتسريب الأمر إلى هؤلاء؟

إذن، هي مرَّة أخرى نظرية المؤامرة، ولكن، إذا رفضنا نظرية المؤامرة، فعلينا أن نقبل بأن أشخاصا مثل هؤلاء المتنبئين لديهم قدرات خارقة تتجاوز مئات المرات قدرات العلم ومراكز الأبحاث والتكنولوجيا!

وما الذي يمنع تصديق نظرية المؤامرة سوى الاعتبارات الأخلاقية، وهي ما لا يُحكى عنه قطعيا عند الحديث عن ماكينة الربح والخسارة والرأسمالية؛ وبخاصة إذا ما راجعنا قائمة الجرائم التي ارتكبتها، وما زالت ترتكبها حتى اليوم عن سبق الإصرار والترصد. إنها آلة تصنع وحوشا بشرية بلا ضمير لا يردعها وازع أخلاقي ولا قيمة إنسانية مهما بلغت أهميتها.

 

الاثنين، 14 نوفمبر 2022

رسالة إلى علاء الدين


 بقلم: علي طه النوباني

في ورشة لمراجعة وإنعاش لغة الإشارة لدى الصم والبكم؛ أردت أن أبدأ بتمرين للتعارف وكسر الجليد بين المشاركين.

قلت لهم: تخيل أنك ذهبت إلى محل يبيع التحف والأدوات القديمة، واشتريت مجموعة من الأشياء منها مصباح زيت قديم. وعندما عدت إلى البيت تأملت مشترياتك حتى وصلت إلى المصباح، وسرعان ما خرج منه عفريت ضخم قائلا: "شبيك لبيك، عبدك بين إديك، اختر أمنية واحدة، وسوف أحققها لك مهما كانت صعبة". فما هي الأمنية التي تختارها؟

بدأ المشاركون يتحدثون:

فتاتان من المشاركين تمنيتا أن يصبحن معلمات!

خمسة من المشاركين والمشاركات تمنوا أن يسافروا للسعودية لأداء العمرة!

ثلاثة مشاركين تمنوا أن يحصلوا على عمل يكفي لإعالة أسرهم!

واحد من المشاركين قال: لا أريد شيئا، وكأنه يقول:

                         "يكفيك أنك لم تزل حيا    ولست من الأحبة معدما"

إحدى المشاركات قالت إنها ستطلب جهاز تابلت لكي تتعلم عليه لغة الإشارة، وقالت إنها حاولت جمع ثمنه أكثر من مرة؛ ولكنها لم تستطع إلى ذلك سبيلا.

إحدى المشاركات قالت: "سأطلب سماعة طبية لي، ونظارة طبية لزوجي، فأنا بالكاد أسمعه، وهو بالكاد يراني! بل إن أطفالي ينادون عليَّ ولا أسمعهم، ولدينا تقارير طبية وقياسات منذ عام، ولكن العين بصيرة، واليد قصيرة!"

فتشجع طفل من ذوي الإعاقة الحركية يختلس السمع للورشة ووقف مشيرا بيده: "أريد أن أسافر في الطائرة"، فقلت له: إلى أين؟ فقال: "لا أعرف، إلى أي مكان! المهم أن أركب في الطائرة"، وحرَّك يده مثلما تقلع الطائرة.

وحيث أنَّ شبكة الانترنت كبيرة جدا، ولا بد أن علاء الدين يتابع دائما؛ ويبحث عن اسمه على محركات البحث، وحيث أني غلبان مثل كل المشاركين، ولا أملك أن أحقق بعض أمانيهم؛ فقد قررت أن أكتب هذه الرسالة إلى علاء الدين وأميرته ومارده الطيب، لعله يقرأها، ويعرف أنَّ هنالك بشرا أكثر رفقا بعفريته الذي سيهرب من أماني الجشعين المتوحشين الذين لا يملأ بطونهم سوى التراب.

تعال يا علاء الدين وأحضر معك مصباحك السحري، فكل أمنيات أصدقائي هنا لا تعادل قصرا أو سيارة فارهة تمنحها لشخص عابث، فيملُّ منها في يوم أو يومين!

حين تحقق لزينب رغبتها؛ وتجعلها معلمة، فإنك ستـشعر بالسعادة عندما تراها وهي تعطي بلا حدود.

وعندما تسمع فاطمة صوت أطفالها، سيرحل صوتك نحو الخلود.

وأنا أيضا سأطرح أمنية على عفريتك الطيب، أمنية واحدة لا غير، وأخشى أن أقع في تهمة الجشع، فهل يستطيع عفريتك أن يعيد الضمير إلى النُّخب في بلادي، ليعرفوا أنَّ فردة كوتشوك في سياراتهم الفخمة قد تركب عشرين سماعة طبية، وعشرين نظارة طبية لحسن وفاطمة وزيد، وليعرفوا أن هذه الأشياء يجب أن تبقى خارج دائرة التجارة والربح والخسارة، وهم أكثر الناس حديثا عن الربح في الآخرة؛ لا في الدنيا!

تعال يا علاء الدين، فالأماني هنا أسهل، وعفريتك سوف يرتاح من عناء بناء القصور، وشراء الجزر البعيدة والسيارات الفارهة، وتطويل الأعمار، ونفخ الشفاه والأرداف، وقلق المزادات الباهظة، والسباقات التافهة!

ليتك تبحث يا علاء الدين على محركات البحث، وليت عفريتك يستطيع!

ملاحظة: هكذا عرض المشاركون أمنياتهم، دون تصرف في المعنى، فحولتها إلى الفصيحة، وها أنا أحاول توصيلها إلى علاء الدين.

 

الأربعاء، 21 سبتمبر 2022

كتابُ شكرٍ للتخلّفِ والفسادِ والمَحسوبيَّة

 

بقلم: علي طه النوباني

كل من حققوا المكتسبات من تخطي الرقاب، واستغلال كل ثغرات الفساد، والتفنن في خيانة الأمانة متأرجحين بين الأمر ونقيضه، يظهرون في لحظة ما كما الأنبياء والقديسين داعين إلى الحداثة وسيادة القانون والعدالة دون أي شعور بالخجل من ماضيهم، ودونما لحظة صمت أو فترة انتقالية للتأمل والمراجعة.

هكذا - وبهذه البساطة - يستطيع كل واحد أن يضع نقطة، ويبدأ سطراً جديداً بانياً على ماضيه القذر حاضرا مشرقا ومستقبلا مجيدا دون أن يجرؤ أحد على تذكيره بالطريق الذي سلكه قبل أن يصل إلى ما وصل إليه!

ونستطيع بالمقابل أن نقول له: لقد ارتقيت مرتقىً صعباً يا رويعي الغنم!

" شوفوا مين بحكي!"

كان الأحرى بك أن تعلن شكراً واضحاً للتخلف والفساد والمحسوبية؛ ففضلها عليك كفضل المطر على سائر المخلوقات. لقد نقلتك من أسفل الهرم إلى أعلاه، وها أنت تتغنى بأعدائها دون أي مقدمات منطقية!

ما الذي يضمن أنك لن تنقلب من جديد عائدا إلى أصلك اللبلابي المتسلق!

 يا ناكر الجميل!

أتأكل خبز الفساد، ثم تتغنى بالنزاهة والعدالة!

أتبني قصرك وتخيط ثوبك في ردهات الظلام، ثم تتغنى بالأنوار!

عد إلى كهفك المحفوف بالشياطين، ودعك من حديث الملائكة، أو فاشرح لنا قصتك وإرهاصات تغيرك المفاجئ، وصف لنا شياطينك واحدا واحدا، هل طردوك من عالمهم، أم تخليت أنت عنهم بمحض إرادتك؟

هل أعدت لزيد ما سرقت منه؟ وهل سامحك عمرو على ما بدر منك؟

كيف أكلت حق هذا، وظلمت ذاك؟

اخلع ثوب الوقار المزيف الأشبه بقطعة ذهب روسي ملقاة في مزبلة متعفنة.

لقد كان الأحرى بك أن تتخلى عن البراويز الكاذبة التي أحطت نفسك بها بالتدليس والانتهازية والتسلق قبل أن تتحدث عن النزاهة والاستقامة.

أجزم أن الحداثة تخجل من نفسها، ويصيبها المغص والتبول اللاإرادي عندما تعرف أن أمثالك من دعاتها؟

حقك أن تنقلب رأسا على عقب، وحقنا أن نستبين، فارقص على هذه الخشبة التي أدمنت وقوف الأفاقين والكذابين! وإنما ابتلينا بكم، وعزاؤنا أن الرحلة قصيرة جدا، والباب مفتوح على الألغاز والأحجيات، فلعلَّ كوكباً من الغيب يضيء على أرض السبات.   

الجمعة، 10 يونيو 2022

الغولةُ والغول في إتلاف العقول

 

بقلم: علي طه النوباني

على الرغم من التحديثِ المتواصل لمناهج اللغة العربية، يُصرُّ المؤلفون على اعتبار حرفِ المدِّ الطويل ساكنا، وهُم في ذلك يقولون للطالب: انظر إلى ذلك الجدار الأبيض، ما لونه؟ فيقول الطالب: أبيض!، ويرد المعلم: لا يا غبي، إنه أسود!

يمكنك أن تستمر في نطق حرف المَدِّ الطَّويل (ا، و، ي) ما دام نَفَسُكَ قادرا على الاستمرار، ولا يمكن لحرف المدِّ الطويل عِلميا أَن يقبل التَّسكين.

يقول المؤلف: أنظر إلى تلك الألف، ما صنفها من الأصوات، فيقول العلم: إنها حرف مَدٍّ طويل لا يقبل السكون، فَيُصِرُّ المُؤلِّفُ على أَنَّها حَرفُ مَدٍّ طَويلٍ ساكن أي هي جِدارٌ أَبيض وأسود في الوقت نفسه.

وعلى الرغم من أن درسي الإبدال والإعلال غير ضروريين للطالب -باعتقادي- ما لم يتخصص في اللغة العربية في الجامعة؛ يُصِرُّ مُؤلِّفو المَناهجِ على تدريسهما بما ورد فيهما من مغالطات علمية تُسَبِّب الصُّداعَ للطالبِ وَلِمَن يُحاول أن يُفهم الطالب تلك الاجتهادات الغريبة والمعقدة التي لا تلزم إلا لمن يجلس في حلقات بحث جامعيَّة.

وعلى سبيل المثال، ورد في كتاب "النحو والصرف" للصف الثاني عشر للفرع الأدبي في الأردن (ص 95):

" انظر إلى كلمة الأدنَينَ في المثال الثالث، تجد أن أصلها (الأَدْنَايْنَ) لأن مفردها (الأدنى)، وهو اسم مقصور جُمِعَ جَمْعَ مذكرٍ سالماً، فحذفت ألفه لالتقاء الساكنين، وبقيت الفتحة قبل ياء الجمع...)

وهو بذلك يقصد أَنَّ الألف (الأَدْنَايْنَ) حرف ساكن على الرغم من أنه حرف مد طويل لا يمكن أن يقبل السكون، فهو أبيض هنا على الرغم من أنه أسود وعلى الرغم من أنف العلم وأنف الطالب، وينبغي الإشارة هنا إلى أن الياء في (الأَدْنَايْنَ) تقبل السكون هنا لأنها Semivowel أي نصف حرف عله إنْ صح التعبير.

وإذا أردتَ أن تَتَحقَّقَ من ذلك فاقرأ الكلمة (al+ad+naay+na)، هل تشعر بالتقاء ساكنين؟ حتما لا!

الأنكى من ذلك أن المؤلف وضع فَتحةً على النون في المقطع (نا) هكذا (نَا) على الرغم من معرفتنا بأن الألف هي حركةُ النون، وَأَنَّ وضعَ الفتحةِ يَزيدُ حَرَكةً إِلى المقطعِ الصَّوتيّ فَيَصيرُ (naaa)، وَكَأنَّ المَسألةَ مُزاوَدَةٌ عَلى كَومَةِ خُضار توضَعُ الحَركاتُ فيها على غيرِ هُدىً، وَدونَ أيِّ حِساب.

السَّواكِن التي التقت في الواقِع ليست في مثل هذه الكلمة، وإنَّما في أيامنا التي حكمنا فيها على أولادنا بأن يتعَقَّدوا مِن لُغتنا، وَمِن ثَمَّ، مِن ثقافتنا، وَيَغترِبوا إلى حيث لم يعد ينفعُ الاغتراب. لَقد عَرفَ العالمُ أَنَّنا أُمَّةٌ تُحِب التَمَحُّك، وَطَبخَ المُتناقِضات مع بعضها على نحو ينجح في ضرب العقولِ أكثرَ من الغُولَةِ والغول.

كان بإمكان المؤلف أن يقول أنَّ الألف حُذِفَتْ لتسهيل اللفظ، ولكنَّ التعالي على الطالب وإشعاره بأن هنالك أمورا لا يمكن أن يفهمها عقله الصغير يجعل المؤلف يتحدث عن التقاء الأبيض والأسود في آن معاً.

الأمثلة على ذلك كثيرة في تدريس اللغة العربية، ولا أدري من هو المستفيد من جعل الطالب يكره درس لغتنا الجميلة، وأحسب أننا بحاجة إلى مراجعة شاملة لطرائق تدريس اللغة العربية؛ تحافظ على وجودها في عقل الأجيال؛ ومن ثم على خارطة الثقافات الحية في العالم.


الأحد، 29 مايو 2022

الأعرابي الممنوع من الشتم!

 

بقلم: علي طه النوباني

يُحكى انَّ أعرابيا كان عنده إبل يرعاها، ويسهر عليها، ويعيش من خيرها. وذات يوم أغار مجموعة من اللصوص على الإبل وساقوها أمامهم؛ فانتبه الأعرابي، وأخذ يركض وراءهم ويشتمهم؛ ويبدو أنَّه قدَّر أنه لن يتمكن من التغلب عليهم، فتقاعس عن مواجهتهم، وأخذوا الإبل، فلما عاد، سأله قومه: ماذا فعلت؟ فقال لهم: أشبعتهم شتما وفازوا بالإبل! وذهب قوله مثلا.

وقد سمعت حوارا حول جدوى الشتم والسباب بعد فقدان الإبل:

قال أحدهم: الشتم عيب ولا يليق بالرجل الخلوق أن يشتم.

وقال آخر: الشتم علامة ضعف وعدم قدرة على الفعل.

وقال آخر: الشتم يطال أناسا لا ذنب لهم كأب الحرامي وأمه وذويه!

وقال متفذلك آخر: إذا كنت صاحب حق؛ فالجأ إلى القضاء دون أن تنبس ببنت شفة.

ولكن أحدا منهم لم يتطرق لحقيقة أن الشتم والسباب سلوك بشري وُجد لفاقد الحيلة لكي ينفس عن غيظه وشعوره الطاغي بوقوع مظلومية ميؤوس منها عليه لا ينفعه فيها القضاء ولا القضاة؛ فإذا لم يتمكن من الشتم انفجر قهرا.

ماذا لو حرمنا الأعرابي من نعمة الشتم؟ وصار القانون متشددا جدا في عقوبة السباب، ومتراخيا جدا في عقاب قطاع الطرق الذين سرقوا الإبل! تلك والله مظلمة تتجاوز حدود العقل، وتفوق أشد الجبابرة ظلما، وتزيد الغليان المعتمل في النفوس، وتضع المجتمع على حافة الجحيم.

وماذا بعد!

لقد ذهبت ساكسونيا* إلى أبعد من ذلك عندما قدَّمت الحماية لقطاع الطرق، وشنقت الأعرابي بجريمة الشتم! تبا لك أيها الأعرابي الخليع، كيف ستعيش دون إبلك؟ وما الذي سيخفف عنك مرارة الظلم إذا لم تتمكن من إغراقهم بالشتم والسباب؟!

·       كان قانون ساكسونيا يُفرِّق بين الناس في العقوبة وفق طبقتهم الاجتماعية. فكان يجري تنفيذ عقوبة الإعدام للقاتل إذا كان من عامة الشعب، وذلك بأن يُقطع رأسه بحيث يُفصل عن جسده. أما إذا كان القاتل من طبقة النبلاء والأغنياء فكان يجري تنفيذ عقوبة الإعدام بطريقة «غريبة»، إذ كان يؤتى بالقاتل ليقف في الشمس وكانوا يُقطعون رقبةَ ظله!


الاثنين، 25 أبريل 2022

دموع النخب... دموع التماسيح

 

بقلم: علي طه النوباني

قلما أشاهد اللقاءات مع شخصيات من النخب السياسية، ولكن أحيانا تفرض عليك وسائل التواصل الاجتماعي مشهدا قصيرا لمسؤول كبير من هنا أو هناك.

يقول أحد وجوه النخبة السياسية ردا على أحد الأسئلة التي وجهها له المذيع حول حادثة مؤلمة حدثت معه: هل تريدني أن أبكي؟

والحقيقة أنني على الرغم من تعاطفي إنسانيا مع قصته - شعرت بدوار في رأسي وأنا أتساءل:

هل صحيح أن هؤلاء بشر مثلنا يبكون ويضحكون ويتعاطفون ويحبون ويكرهون؟

وإذا كان الأمر كذلك، فلماذا لا يبكون على ما آلت إليه حالنا، وهي صنيعة تخطيطهم وإدارتهم ومشاركتهم بالفعل حينا، وبالتواطؤ والصمت حينا آخر.

ألا يرون معدل البطالة الذي يرتفع مؤشرة مثل الحرارة في شهر آب؟

ألا يرون عشرات الآلاف من الخريجين العاطلين عن العمل، والذين بلغوا حالة من الإحباط واليأس وخيبة الأمل التي تنبت في صحراء الظلم وعدم تكافؤ الفرص وقلة الضمير والتقريب الرياضي المبالغ به بين المئة والخمسين!

ألا يرون الأسر التي تآكل دخلها تحت وطأة الفقر المدقع، بعد وعودٍ كثيرة بالحياة الكريمة آلت إلى مصنع للتعاسة والبؤس!

ألا يرون إلى الفوضى العارمة التي أضاعت حقوق العباد، وأفشلت كل من حاول بصدق أن ينجح دون فساد ومحسوبية ومقايضات قذرة؟

ألا يرون إلى مصطلح العدالة الاجتماعية كيف تحول إلى مسخ في بلاد العرب التي ساحت فيها القيم على بعضها حتى لم يعد هنالك فرق بين الاجتهاد والكسل، والعدل والظلم، والليل والنهار، والحمامة البيضاء والوحش الكاسر.

لقد احتار المحللون في مسألة دموع التماسيح، ولكنَّ أقوى التحليلات تقول بأن التمساح يغص بجسم فريسته؛ فتنزل دموعه ليس حزنا، وإنما بسبب ضغط حجم الفريسة على حلقه وجوفة، ولا يسعني هنا إلا أن أتمنّى لكل فاسِد وظالم أن يغص الغصَّة الأخيرة؛ فلا يبقى له وقت لنرى دموعه التي ترفع ضغط ملايين المظلومين والمخنوقين بصمت المحافظة على الروح على امتداد أرضنا العربية المنكوبة بالتماسيح والوحوش.

 

 


السبت، 2 أبريل 2022

تشويه صورة المقاومة الفلسطينية في فيلم "صالون هدى"

 


بقلم: علي طه النوباني

قبل أن أشاهد فلم " صالون هدى"، تلقيت أكثر من استفسار؛ ليس عن الفيلم؛ ولكن عن مشهد ظهور "ريم" عارية بعد أن قامت الكوافيرة هدى بتخديرها ونزع ملابسها؛ ليتم تصويرها وابتزازها من أجل أن تصبح عميلة للموساد الإسرائيلي.

ويكفي أن نذهب إلى محرك البحث جوجل ونكتب كلمتي " المشهد المحذوف.." حتى يظهر لنا بقية العبارة على النحو التالي: من فيلم صالون هدى"، فأغلبية الجماهير التي تعلن احتجاجها على المشهد، تقوم بإغلاق غرفة ما، وتبحث عنه حتى حفظ محرك البحث سلوكهم معبرين بذلك عن واحد من تناقضاتنا المزمنة بين الشكل الصوفي الذي يفيض بالزهد والتقوى، والباطن العامر بالرغبات والحاجات (والدنيا الزائلة) التي لا يمكن إنكارها ذاهبين بهذا إلى ما قاله زهير بن أبي سلمى:

ومهما تكن عند امرئ من خليقة         وإن خالها تخفى على الناس تعلم

هكذا استطاع مؤلف العمل ومخرجه إغفال المشاهدين عما بثه في الفيلم من أضاليل وخداع وركاكة درامية ظاهرة؛ وتزوير للحقائق؛ بحيث يمكن لكل من يتجاوز عن مسألة ظهور جسد "ريم" أن ينتبه للسقطات الكثيرة ويساعد الآخرين على النجاة من فخ الدراما الرخيصة غير البريئة التي تخدم مآرب العدو دون أن تتعمق بشكل متناسق في رؤية إنسانية تستحق المغامرة.

بعد أن قبضت المقاومة على الكوافيرة "هدى"، تقول "هدى" لمحقق المقاومة أنها تختار النساء اللواتي على خلاف مع أزواجهن لتساعدهن على الخروج من ظروفهن الصعبة، وهي بذلك تطرح رأيا غريبا مفاده أن الموساد الإسرائيلي يقوم بتمكين النساء الفلسطينيات اللواتي يقعن تحت قمع السلطة الأبوية للمجتمع (الأب، الزوج، الأخ، القبيلة، .....) من خلال الجاسوسية، وبالمقابل يبدو المحقق ضعيفا ركيكا وعاطفيا غير قادر على الرد على ما تطرحه "هدى"، بل إنه يقر بأن " مجتمعنا يحتاج إلى نفض" أي: تغيير شامل.

وتأكيدا لفكرة التمكين المزعومة؛ وفي الوقت الذي يكون مطروحا أمام "ريم" خيار إبلاغ المقاومة بأن ما حدث لها، حدث قبل يوم من القبض على "هدى"، وأنها لم تقم بشيء يجعلها عميله، فإنها تتجاوز عن ذلك؛ وتختار أن تتصل بمندوب الموساد لتطلب المساعدة من دولة الكيان، فيقول لها عميل الموساد "موسى" أنها لم تقدم أي معلومات بَعدُ للمخابرات الإسرائيلية وأنَّ دولة الكيان هي دولة قانون ومؤسسات، وهو بذلك إن عَنى أنه يتخلى عن "ريم" التي بَعد لم تُثبِت تعاونها، فهو يؤكد أنه يقدم الحماية لغيرها ممن أثبتن تعاونهن.

وحيث أن "ريم" تمتلك دليلا قاطعا على أنها لم تنخرط في العمالة، وهو أنها تعرضت للابتزاز قبل القبض على "هدى" بيوم واحد فقط، فإن تفضيلها الاتصال بمندوب الموساد على أن تتصل بالمقاومة هو إيحاء بأن المقاومة الفلسطينية غير عقلانية ولا تميز بين ظروف كل حالة على حدة. كما أنه يقول بشكل ضمني أن دولة الاحتلال بكل ما نعرفه عنها من إجرام وعسف أَرحمُ مِن المقاومة!

وفي مشهد غريب يقوم رجال المقاومة بالقبض على الشاب العميل الذي كان يساعد "هدى" في تصوير ضحاياها، ويقومون بإحراقه حتى الموت دون أن يخضع للتحقيق خلافا لما عرفناه عن المقاومة الفلسطينية من انضباط ووضوح في الإجراءات والعقوبات، فمن الموثق أن المقاومة تقوم بالتحقيق مع المشتبه بهم لأيام عديدة، وأنَّ عقوبة الموت تكون بالرَّميِ بالرَّصاص.

إذن، لماذا الحرق؟ إنها عملية ممنهجة في الفيلم للإساءة للمقاومة الفلسطينية، وكأن ضابطا في الموساد الصهيوني كتب السيناريو، وأخرج الفيلم!

تطلب "هدى" من المحقق أن يكون إعدامُها رَميا بالرَّصاص وليس شَبْحاً، وألا يكون الرصاص على وجهها. والعادةُ أنَّ الكلامَ في الدراما لا يكون عَفوَ الخاطِر، وأنَّ سكوتَ المحقق عليه يعني إقرارَه، فمن أين أتى صانعو العمل بفكرة أنَّ المقاومة تُعدم العملاء شبحًا أو رميا بالرصاص على وجوههم أو حرقًا؟

يعترف محقق المقاومة للكوافيرة "هدى" أثناء التحقيق أنه في طفولته ألقى حجرًا على سيارةٍ لشرطة الكيان، وقام بإرشاد جنود الاحتلال إلى بيت صديقه الطفل مُدَّعِيًا أنه هو من ألقى الحجر، فقاموا بقتل صديقه أمامه برصاصة في الرأس، أي أنَّه ضحى بصديقه لينجو بنفسه، وإذا ما تجاهلنا ركاكة فكرة اعتراف المحقق للكوافيرة هدى بحد ذاتها، فلن نستطيع أن نقفز عن سخافة فكرة أن تتبع سيارة الاحتلال طفلا صغيرا إلى بيته وتطلق النار على رأسه لمجرد أنه ألقى حجرا على السيارة، وإنما أراد صانعو العمل من هذه القصة الملفقة أن يصوروا المقاوم بأنه شخص ضعيف ومهزوز لا يمتلك منظومة قيمية ولا تقاليد راسخة.

تستغل "هدى" قصة المحقق لتجري مقارنة غير عادلة بينها وهي امرأة بالغة من جهة والمحقق وهو طفل من جهة أخرى فهي تضحي بصديقاتها من أجل أن تعيش، وهي مناوَرة أخرى من صانعي العمل لتبرير الخيانة بمقارنة غير محسوبة بين طفل صغير وسيدة يفترض أنها ناضجة من خلال قصة ملفقة توضع في فم المحقق.

تطلب "هدى" من المحقق أن يحضر لها ماء لتشرب، فيذهب هو شخصيا لإحضار الماء بينما تستغل هي الفرصة بإخفاء صورة "ريم" في صدرها، وعندما يكشف المحقق أمرها، تقول إن هذه السيدة بريئة دون أن توضح سبب براءتها مع أن السبب بسيط وهو أنه تم تصوير "ريم" قبل يوم من القبض على "هدى"، ولم يتضح أنها ستتعاون أم لا.

ومع ذلك، يتم تنفيذ الحكم بالموت على "هدى" دون أن تنطق بهذه الجوهرة!

هكذا، وكما هو الحال في الكثير من الأعمال الدرامية العربية، يتلاعب صانعو العمل بالشخوص كما يريدون هم، لا كما يريد منطق الأحداث وتفاعل الشخوص، إنهم يستخفون بالمُشاهد، ويسيئون إلى الدراما، ويقدمون مساهمتهم في تدهور أوضاعنا وصناعة الإحباط واليأس.

قبل خروج "هدى" لتنفيذ الحكم بالإعدام تمد يدها لتصافح المحقق، وهي مصافحة مقحمة على الموقف لا تعني شيئا على الإطلاق، فلا هي نالت تخريجا لأزمتها المعقدة بهذا اللقاء مع المقاوم؟ ولا هي اتفقت مع المقاوم فيما ذهب إليه؟ وإنما المصافحة هنا حركة مسرحية سخيفة لا تضيف شيئا إلى العمل سوى الإرباك والتشتت.

وكما هي الحال في الكثير من الأعمال الدرامية العربية يلجأ صانعو العمل إلى الصدفة، فعندما تنفد أسطوانة الغاز في اللحظة التي تحاول فيها "ريم" الانتحار بعد أن يتخلى عنها زوجها خوفا على طفلته من الطرفين: المقاومة والكيان الصهيوني في رسالة مبطنة تساوي بين المقاومة والكيان الصهيوني! وهي رسالة يختتم بها صانعوا العمل الفيلم إذ تتصل المقاومة بِ "ريم" مؤكدين لها أنَّهم أحرقوا الصورة، وأنَّهم يعرفون أنَّها بريئة، وأنَّ زوجها وابنتها بخير، ويريدون منها مساعدتهم في الوصول إلى عميل الموساد "موسى".

ينتهي الفيلم هنا موحيا بأن المقاومة تستغل أزمة "ريم" وما وقع عليها من ابتزاز وإساءة للوصول إلى عميل الموساد "موسى"، وموحِيًا أنَّ المقاومة في ذلك لا تختلف عن مخابرات الكيان مُسَلِّطًا الضوء على أزمة "ريم" التي تمَّ عَرضُها عَلى نَحو انتقائي تلفيقي مشوش، ومتغافلا عن أزمة شعب بأكمله يرزح تحت الاحتلال، ويمارس حقَّه المشروع في المقاومة.

هكذا إذن:

ريم تفضل أن تلجأ للموساد على أن تلجأ للمقاومة!

زوج ريم يخاف على طفلته الرضيعة من المقاومة!

المقاومة تحرق المشتبه بهم حتى الموت ودون تحقيق!

المقاومة تضغط على "ريم" للتعاون معها بنفس طريقة مخابرات الكيان!

لصالح مَن يحاول هؤلاء تشويه صورة المقاومة؟ وهل أبقت عجرفة الكيان الصهيوني وهمجيته لأي مثقف عربي هامشا ولو صغيرا للحديث عن خيار آخر غير المقاومة؟

هكذا هو فيلم صالون هدى: ظلمات بعضها فوق بعض، تَمَّ تصميمها مسبقا لتسريب عقل الهزيمة إلى المتلقي في ظل انشغاله بخرق تابو الجنس المسيطر على عقله منذ المشهد الأول. إنها تقنية مبتكرة ومحسوبة لصناعة عقل الهزيمة، وتفريغ المقاومة من كل بطولاتها وإنجازاتها لصالح عدوٍّ بات يغزونا من خلال صهاينة الداخل أكثر مما يستعمل أسلحته وقوته المباشرة.