التسميات

شعر علي طه النوباني دراسات ومقالات قصص علي طه النوباني شعر ميسون طه النوباني علي طه النوباني قصص عبد الله الحناتلة شعر أدونيس ترجمات شعر الوأواء الدمشقي شعر المتنبي شعر كمال خير بك شعر الشيخ الأكبر بن عربي شعر العباس بن الأحنف شعر د. عطا الله الزبون شعر هاشم سوافطة شعر هناء مسالمة فعاليات ثقافية مقالات تحميل كتب شعر البحتري شعر د. إبراهيم السعافين شعر يوسف الخال أخبار شعر أبو العلاء المعري شعر أبو نواس شعر أمل دنقل شعر إبراهيم ناجي شعر د. شفيق طه النوباني شعر شفيق المعلوف شعر مصطفى صادق الرافعي شعر أحمد دحبور شعر أحمد مطر شعر إيليا أبو ماضي شعر الحلاج شعر الشنفرى شعر الصمة القشيري شعر العراس بن الأحنف شعر المثقب العبدي شعر بشار بن برد شعر توفيق زياد شعر خلدون بني عمر شعر رابعة العدوية شعر زهير بن أبي سلمى شعر سميح القاسم شعر طارق بنات شعر عبد الله البردوني شعر مجنون ليلى شعر مجنون ليلي شعر مظفر النواب شعر نازك الملائكة شعر نزار قباني قصص د. شفيق طه النوباني مقامات حديثة

الخميس، 17 يناير 2013

تشكّل الذوات المستلبة

د. ليندا عبيد 

 الإبداعُ دفقة روحية تمتزج برؤى المبدع وتصوراته، تمتزج بالفضاءين المكاني والزماني لتقول ذات المبدع وذات الآخرين، ضمن مساحة متفاوتة في درجة الحرية أو الانطلاق، تشي وتبوح بما في الواقع من ألوان واحتقانات عبر تشكلات لغوية وداخل أجناس أدبية مختلفة تعتمد تملك المبدع لأدواتهْ وإتقانه لرسم عوالمه النصية شعراً أو نثراً.
وقد حظي الإبداع في الأردن بدراسات كثيرة سلطّت الضوء على تقنيات هذا الإبداع وخصائصه، بينما ظلت القصة الجرشية التي تشكل مساحة لا بأس بها من مساحات القصة القصيرة الأردنية، بعيدة عن الضوء ودائرة النقد والانتباه رغم ما بها من دهشة، وما لها من حضور يساهم في تصوير الواقع بتقنيات فنية غنية متنوعة؛ تدلي بهموم المكان الخاصة، وتذوب داخل هموم الوطن والإنسانية ككل.
ومن هنا تتناول هذه الورقة نماذج من القصة القصيرة الجرشية ضمن إطلالة على المضمون والتقنية السردية في نموذجين قصصيين: أولهما لعلي النوباني في مجموعته «جامعو الدوائر الصفراء»، وثانيهما لطارق بنات في مجموعته «ذنوب الشمس»، لما في مجموعتيها من تناسب مع العتبة النصية للدراسة رغم تزاحم المجموعات القصصية وتنوعها وكثرة الأقدام الإبداعية في جرش.
تتناول هذه المقالة تجليات وتشكّلات الذوات المستلبة العاجزة عن الفعل داخل المجموعتين القصصيتين، بما يطلّ من ذلك من دلالات نفسية واجتماعية تشي بالواقع وعيوبه، بحثاً عن مساحة ضوء يشقها الإبداع في صدر العتمة.
تبدأ قصة «جامعو الدوائر الصفراء» التي تحمل المجموعة القصصية اسمها، برصد تفاصيل الفضاء المكاني القميء الضيّق الذي يتحرك به «أصحاب الدوائر الصفراء»؛ فالفضاء لا يظهر في القصة أو الرواية إلا ممتزجا بأجواء الفضاء النفسي، حيث تتفاعل العوالم النفسية مع الحدود المكانية المؤطرة في إطلاق جماح الذات بين حركتين نقيضتين: واحدة نحو الانطلاق والتفاعل، وأخرى نحو التقوقع والانسحاب إلى الداخل.
«على جانبي هذا الشارع الغائص بين جبلين شاهقين بيوت ملقاة بعضها فوق بعض بشكل عشوائي ومهمل مثل علب الكبريت، يتسلّل بينها درج ضيّق طويل يتفرّع لأعلى ثم أعلى، ويسيل عليه ماء متعفن له رائحة كريهة، ومجموعة من الأطفال العراة يلهون ويلعبون» (جامعو..، ص 59).
فالبيت هو المساحة المكانية التي تتحرك داخلها الشخوص، يساعد على كشف دواخلها، ويوحي بظروفها الاجتماعية والاقتصادية وعُقَدها، والبيت هو المساحة الأولى للتشكيل الإنساني، وبناء نفسية الفرد، ودفعه نحو الإخفاقات المستقبلية أو النجاحات. فإنْ كان البيت بهذه الرداءة، فعلينا توقُّع ذواتٍ مسحوقةً عاجزة مستلَبة.
تشكّل القصة ذواتها المسلوبة من خلال تسريد ملامحها الشكلية، وظروفها الاجتماعية المتدنية ابتداء بصورة فتاة مشلولة ملقاة على الرصيف، وإلى جانبها طفلة منفوشة الشعر رثة الثياب تتبخر من رأسيهما دوائر صفراء، مروراً بصورة عجوز تبيع «البندورة» على الرصيف ضمن ملامح شكلية تجعل من التجاعيد ترسم خريطة ودهاليز معقّدة في وجهها، مقابل صورة مشترٍ تتصاعد من رأسه دوائر صفراء يعاني ارتفاع الأسعار، وانتهاء بالراوي نفسه الذي يعاني أزمة الشباب في البحث عن العمل، ويستشعر ضعفه، واستلاب كينونته أمام السكرتيرة الملطخة بألوان الدهانات واحتقارها له، كأنها تمارس دور الحاجب في بلاط الخليفة.
ويشترك الراوي مع الشخوص في معاناة الحياة الرديئة؛ فالبيوت مثل علب الكبريت، والحياة متعفنة، يدور الراوي في الشوارع، ويراقب الواجهة الزجاجية التي يباع بها الذهب الأصفر؛ ما يوقفنا أمام المتضادين: كائنات مسحوقة مُعدمة اجتماعيا تخرج من رأسها دوائر صفراء، مقابل لون الذهب الأصفر المطل من وراء واجهات المحلات تنديداً بالغنى الفاحش، وتضخم ذوات على حساب ذوات أخرى.
فالدوائر الصفراء مضطهدة ومُشيَّأه؛ الرجل الأنيق الغني يتذمر من اتكاء الراوي على سيارته الفارهة، والسكرتيرة وأرباب العمل ذوات تضطهده، وصاحب محل الذهب يأتي بالشرطة لاضطهاد العجوز التي تمثل تشوّها يحاول الكل التخلص منه، والفتاه المشلولة رثة الثياب، والفضاء المكاني خانق ضيّق بمدلولَيه النفسي والواقعي.
وتنتهي القصة ضمن مفارقة ساخرة تجعل من الدوائر الصفراء ملاحَقة تحيا مشاعر القلق والخوف والترقب والانقلاب، بمقابل تضخم جامعي الدوائر، وتزايد هيمنتهم. وتمتد الدوائر الصفراء بمدلولاتها، وما تمثلّه من انسحاق وقهر وجوع لتهيمن على المساحة المكانية: «تزايدَ شعوري بالخوف، ونظرت حولي، فلم أرَ في وهج المدينة على غير الدوائر الصفراء تمتد لتبتلع كل شيء.. لقد أيقنت بأنهم مغرمون بجمع أولئك اللذين تتصاعد من رؤوسهم الدوائر الصفراء» (جامعو..، ص 62).
يتكئ القاص في قصته على تقنية ضمير المتكلم التي تجعله أقرب ما يكون إلى واقع الشخصية. ومن جماليات هذا الضمير أنه يجعل الحكاية المسرودة مدمجة في روح المؤلف، فيذوّب الحاجز الزمني الذي يفصل بين زمن السرد وزمن السارد، ويجعل ضمير المتكلم يلتصق بالعمل السردي أكثر، ما يجعلنا أقرب إلى فهم دواخل الشخصيات ومعاناتها، فنجد مبرراً لسلوكاتها واختناقاتها رغم بعده عن الحياد.
وفي قصة «الحزام» للنوباني، تتجلّى الذات مستلبة من حقوقها وإنسانيتها بصورة طفل صغير يعاني الكبت والمرارة. ويظهر مكمن السخرية في الأزمنة؛ فالصبي يحلم ضمن ظروف اجتماعية قاسية، ببنطال قماش أسوة بزملائه بالمدرسة، وذلك بدلاً من بنطال «السريتش» الذي يلازمه، فيصير هذا الحلم متعذراً وصعبا؛ فتلجأ والدته إلى تقصير بنطال أبيه، مستبدلة الخيط بالحزام، ما عرّض الطفل إلى سخرية زملائه، وعامة الناس في عيادة الطبيب ضمن أجواء هستيرية للضحك تصل حدّ البكاء، وقد أدى ذلك إلى دفع الصبي المسحوق نحو الهرب والعودة إلى ماضيه وبنطاله القديم الرديء، من دون أي إحساس بالبهجة، منشغلاً بمراقبة التجاعيد المرتسمة ببنطاله التي يتغير شكلها كالأميبا استسلاماً لواقع يصعب تغييره، فالذات المستلبة ضعيفة لا تستطيع تبديل الواقع أو تغييره، لانكسارتها النفسية، أو بفعل العجز وضيق الإمكانيات الاقتصادية، ونتيجة لهيمنة ذوات أكبر عليها، فلا تستطيع أن تحظى بسلوك فاعل واحد، بل سرعان ما نحظى بذوات مستسلمة.
وبالوصول إلى قصة «قاعة فارغة» للنوباني، نجد استكمالاً للذوات المتعبة؛ إذ يقف القاص أمام شخصية طالب الجامعة المضطهَد بفعل الظروف الاجتماعية والاقتصادية، فلا يستطيع حراكا أو مقاومة لما يتعرض له من حرمان من التعبير عن رأيه، ما يجعله يتقوقع داخل نفسه مستسلما لما يلاقيه من حجر فكري، وحصار لحريته رغم رفضه الداخلي لصورة الأستاذ الجامعي الذي يقول شيئاً، ويفعل شيئا آخر، ويعمل على تقزيم وتحجيم كل من يحاوره أو يتصدى له، فكل شرائح المجتمع خاضعة للاستلاب، والذوات متعبة لا تستطيع شيئا مطحونة بعجلة الحياة المادية المتعملقة، وهي ضحية مجتمع مادي يعمل على خنق حرية المثقف والمتعلم الخاضع لعجلة الهيمنة.
وتطل من هذه القصة صورة الشاب الجامعي الآخر المنظم والمدلل، بينما تتجول الذات المستلبة في الشوارع أمام بيوت الأغنياء بحثاً عن مخلّفات السلال، ما يخلق مفارقة صادقة يطل القبح والسخرية من جوانبها.
تزدحم هذه القصة باستخدام تقنية المونولوج، فالذات لا تستطيع أن تنطق أو تواجه الذوات المتنفذة: «أيُّ منهجٍ هذا.. إنك تلقي علينا آراءك كأنها نواميس الطبيعة الثابتة التي لا تتبدل،... وكيف أسحب المساق. إنّ ذلك يعني أن أدفع الرسوم ثانية.. زوجتي تنتظر أن أشتري لها ثوبا» (قاعة فارغة، ص 68).
يُظهر المونولوج الانفعالات الداخلية للشخصية، فنشعر بغضبها واختناقها وحزنها، وبكل ما لا تستطيع أن تنطق به أمام الذوات المهيمنة القادرة على فرض إرادتها على الآخرين سواء بصورة شرعية أو غير شرعية معتمدة على قدراتها النفسية والمادية.
ويتضخم القهر في قصة «خصخصة» للنوباني، ليطال النظام الأسري بوصفه جزءاً من النظام المؤسسي الاجتماعي الذي يمنح السلطة للأب على اختلاف تكوينه النفسي والاجتماعي، والذي يعمل بدوره على إخضاع بقية الذوات إلى سلطته، ويرى في وعيها تهديدا واضحا لسلطته. ويستخدم في ذلك كل أساليب العنف الجسدي والنفسي واللفظي لإخضاعها ضاربا بسلطة الواقع الاجتماعي والسياسي، ما يجعل القهر متضخما، لصغر الذات وضعفها. ومن أمثلة العنف اللفظي: «يا ابن المجنونة، اتبعني أيها الجحش، يا ابن الكلب، رأسك بشبه رأس الضبع، وعيناك اللتان لا تنفكان تنتجان القذى، ورائحتك النتنة، فأنت بكل بساطة.. مازلت تبول بفراشك.. وترسل روائح أشد نتناً من مزابل القرية» (خصخصة، ص 74).
فالسلطة الأبوية تعمل على تقزيم الذات نفسياً وسجنها ضمن صورة الضآلة والقيح والعجز، ما يحول دون تمرّدها أو وعيها لتظل ضمن دائرة الإخضاع. وتمارس السلطة العنف الجسدي، أيضاً: «لقد ضربتك حتى ازرّق جلدك» (خصخصة، ص 74).
ويرسم القاص صورة الأب بشاربين طويلين يرمزان إلى سلطته الذكورية المجتمعية ضمن لوحة شكلية منفرّة تُشعرنا بتعاطف القاص مع الذات المستلبة، وعدائها الداخلي نحو السلطة، فالحياد غائب رغم محاولة الإقناع بعكس ذلك، كما يطلّ من الوصف الشكلي المنفرّ للأب شاربا والده وهما يهتزان مع حركة الشفتين بما يشكل إيقاعاً منتظماً يذكرّهُ بحركة الذباب الرشيقة حول قطعة الحلوى» (خصخصة، ص 74).
وتشكل قطعة الحلوى إكسسواراً قصصياً يقودنا إلى فهم ما يدور داخل الطفل الصغير؛ فأحلامه تتمحور حول قطعة حلوى من دون أن يستطيع الحصول على واحدة حتى في آخر الموسم. ثم تقدّم القصة مفارقتها الساخرة؛ إذ تتحوّل الذات المتسلطة في آخر القصة إلى ذات ضعيفة مسحوقة عاجزة أمام من هم أقوى منها لمجرد دخول الأب إلى حمّام السيدات، ما جعله عرضة للأيدي التي تتلقّفه بالضرب فيبول على نفسه. فالسلطة بدواخلها ضعيفة عاجزة ومزدوجة الشخصية، وحين تخرج في مواجهة الواقع تتحول إلى ذات ضعيفة مسحوقة عاجزة، فيتحول الأب إلى فعل مشابه لفعل الابن حين يبول على نفسه، فينقلب الصبي الصغير بضحكة يحاول إخفاءها رغم رغبته الكامنة بالغضب والتمرد والبغض: «لقد تبلل بنطال الرجل وانفلتت كل أدواته في ضبط نفسه.. وعلى الرغم من خوف الصبي إلا أنه كان يغالب رغبة شديدة في الضحك» (خصخصة، ص 77). ولعل العتبة النصية «خصخصة» هي عنوان ساخر ناقد للواقع الاقتصادي المعيش؛ فالخصخصة تبتلع كل شيء حتى الحمّامات، ما يؤدي إلى زيادة الذوات المسحوقة الفقيرة المعدمة.
ولقد رسم القاص في هذه القصة ذاتَين مستلبتين اجتماعياً رغم تشكّل إحداهما على شكل سلطة تسحق الذات الأخرى، وقد برع في تصوير ملامحها الشكلية والنفسية، وأساليب السلطة في تطويع الذات وتشييئها وإذلالها، وقهرها لفظياً وجسدياً رغم الحرمان الاقتصادي الذي يصنعه الواقع.
لقد طوّع النوباني في مجموعته تقنيات سردية متنوعة، فمرة يتبع أسلوب التسلسل الكرونولوجي للزمن، ومرة يعود إلى أفق تقنية الاسترجاع مروراً باستخدام ضمير المتكلم أو ضمير الغائب الذي يدعي الحيادية رغم أننا كثيراً ما نستشعر تعاطف القاص مع إحدى الشخصيات المسحوقة على حساب الأخرى المتسلطة، وقوفاً على تقنية المونولوج واللغة الساخرة الناقدة التي تمدّ إصبع الاتهام إلى الواقع الاجتماعي والاقتصادي والسياسي المتسبب بخلق هذه الذوات المتشيئة المتعبة.
إن النوباني في مجموعته «جامعو الدوائر الصفراء» يدين الواقع المادي المجنون الذي أشار إليه في قصته الأولى «حشرات»، جاعلاً من النقود الشخصية الرئيسة في القصة؛ إذ تنتقل من جيوب شخصية إلى أخرى، وتنطق بدواخل الشخوص مروراً بشخصية شاب يهوّم وراء حلمه، فيتعرض لسخرية أبناء القرية؛ فالوعي والاختلاف يخلقان معاناة ضمن واقع متخلّف متراجع تحكمه المادة لتنتهي الحال بالشاب من مختص بالحشرات إلى عامل في ملهى ليلي ينضاف إلى قائمة المسحوقين يُعنى بالراقصات والمومسات ضمن أجواء ساخرة تتصدّرها الأوراق النقدية: «أنا أعمل في صلب تخصصي العلمي. أمنع الذباب من الاقتراب من الحلوى. أساعد اللحظات في حرق سطوة الزمن البائس، وألوذ بدور يختارني بدلاً من أن أموت بدور أختاره» (حشرات، ص 34). فلا أحد يملك زمام أمره، والأحلام تظل في دائرة الاستلاب والعجز عن التحقيق لتعذُّر الفعل.
وإذا كان الأدب عالماً متخيلاً مرسوماً على الورق، فإنه في داخله يشكل انعكاساً للواقع المعيش بشكل ما، ويوظّف له المبدع شخوصه وفضاءيه المكاني والزماني ضمن أحداث قصصية متخيلة. ومن هنا، فإننا بالوقوف على المجموعة القصصية «ذنوب الشمس» لطارق بنات، نقف على مثيل ذلك؛ إذ نقدّم المجموعة ذواتها المنهكة المستلبة داخل نماذج قصصية متخيلة تحوّلها اللغة البارعة في الانتقال من مستواها السردي التقريري الاعتيادي إلى مستواها الشعري المحمّل بالكثافة حيناً آخر. محاولة لخلق انعتاق نفسي وإبداعي من العذابات إذا ما انطلقنا مما يقوله سيجموند فرويد من أن الأدب وسيلة للتنفيس عن الكبت والرغبات الكامنة في اللاوعي.
يقدّم بنات في قصته المعنونة «الصغيرة» نموذجاً جديداً لذات أنثوية مستلبة، ويقدّّم لها تمثيلاً شكلياً ونفسياً وسلوكياً أقرب ما يكون إلى صورة ملاك بريئة طاهرة تجمعها مع الراوي علاقة حب بريء، وإذ يقترب منها محاولاً تقبيلها تقْدم على صفعه ومجافاته ضمن إطار صورة نمطية للمرأة التقليدية ومفهومها المحدّد الواضح حول مفهومَي الحلال والحرام: «متأهبة لتراهن الملائكة بطبيعتها ونظافتها، فضلاً عن كونها الألحان والنوارس.. الزنابق السنابل.. الأعياد والصلوات» (الصغيرة، ص 21).
وفي آخر القصة تتحوّل هذه الذات النقية إلى ذات ملوثة تعمل مومسا تمارس البغاء واللهو بعد أن تناولتها امرأة تمارس تجارة الجنس، وتتلقف ضحاياها من الفتيات البريئات. ويقدّم القاص لها صورة جسدية منفّرة تتناسب مع مستوى الشخصية الأخلاقي والاجتماعي،: «تضاريسها مقطوفة من فم تنين، دخلت زجاجة الجنس، وجاء الزمن فملأها بعصير الليمون والخل وانتهت عانساً طائشة» (الصغيرة، ص 22). فهذه الذات كانت ضحية ذات يوم، والآن تتحول إلى ذات تفتش عن ضحايا، فالضحية -وفق علماء النفس- تفتش عن خلق ضحايا مشابهة. وتنتهي الذات المستلبة تراود الراوي عن نفسه ضمن مشهد ساخر يقلب الموازين، ويحطّم صورتها الأولى، إذ يبصق عليها، فالأنثى لو امتلكت وعياً كافياً بجسدها ومتطلباتها، وازدادت يقيناً بقناعات نقائها، لما تناولتها يد السوء وسلبتها من طهرها الجسدي، وحضورها الإنساني والعاطفي لتصير ذاتها مستلبة بلا قيمة.
وفي قصته «سينما» نقف أمام ذات تعاني مشاعر الخوف والقلق والهزيمة بصورة رجل يعاني جوعاً وأحلاماً كبيرة لتنزعه من رحم الحرمان والجوع ولا يملك في جيبه إلا تسعين قرشاً، يتنقل بين الشوارع يراقب الصور والإعلانات في واجهات المحلات، وتقوده رغباته لحضور فيلم في السينما، وبينما هو كذلك تصدمه سيارة امرأة ثرية، فيواصل هروبه من الواقع إلى الحلم فيراها تحضر له باقة من الورود وصولاً إلى الزواج بها فراراً من واقع الحرمان والفقر والخوف. ومعروف أن الحلم وسيلة عاجزة لتغيير الواقع، ما يعمق الاستلاب والعجز داخل الذات. وبينما هو يمارس الحلم اللذيذ تدهسه سيارة أخرى، ولكن بذات ذكورية، ليكون الموت مصير هذه الذوات المسحوقة المستلبة.
يستخدم القاص في قصته تقنية ضمير الغائب ليُشعرنا بحياده، وليتتبع حركة الشخصية في فضاءاتها المكانية المختلفة من دون أن نسمع صوتها إلا من خلال حوارات ضئيلة توقظه من شروده ليعود إلى الانكماش داخل أحلامه المتعذّرة.
وقد راوح في هذه القصة بين المستويين السردي المباشر للغة، والتعبيري المحمّل بالانفعالات والكثافة واللغة الشعرية. ونلاحظ براعة القاص في تتبع الحركة اليومية الاعتيادية للشخصية، في ما يطلق عليه اسم المستوى التقريري الذي لا يفلت سكنة ولا حركة، فتتصاعد خطوات الشخصية، أو تتراجع كنغمة إيقاعية لغوية.
وتكثر في هذه المجموعة الذوات الأنثوية المستلَبة؛ إذ تتحول الأنثى المتزوجة من رجل لا تحبه إلى ذات مغتصَبة يرصد عاشقها بخيالاته استلاب جسدها وذبوله ضمن أجواء تعمها الخشونة والقسوة، فتتحول الذات إلى طائر جريح معذَّب وتئن. وتفيض قصة «الاغتصاب» بعواطف محتقنة، ولغة محتقنة بالحزن والحركة ضمن مستويات تعبيرية تنقل دواخل الذوات. وتتحول الذات الأنثوية في آخر القصة إلى جسد مغتصب مستلب، وروح جريحة، بينما يتحول الراوي إلى رجل مكسور القلب مستلب الداخل يتخيل صورة أنثاه المستلبة المغتصبة
عن جريدة الرأي الأردنية
http://alrai.com/article/3018.html


اقرأ أيضاً على حبيبتنا

أنشودة العرب، شعر: علي طه النوباني  

بنما دولة بعيدة... ومُشوِّقة جدا  

الأزمة الاقتصادية، ومصالح الطبقات  

قراءة في رواية دموع فينيس لعلي طه النوباني  

عَهْدُ فلسطين - عهد التميمي  

كذبة نيسان  

الشوكُ جميلٌ أيضا  

«مدينة الثقافة الأردنية».. مراجعة التجربة لتعزيز الإيجابيات وتلافي السلبيات  

المشنقة  

البيطرة  

قصة نظرة  

عملية صغرى  

سيجارة على الرصيف  

بالشوكة والسكين والقلم  

نهاية التاريخ؟ مقالة فرانسيس فوكوياما  

الدولة العربية الإسلامية / الدولة والدين/ بحث في التاريخ والمفاهيم  

شهامة فارس  

جذورالحَنَق الإسلامي برنارد لويس  

صِدام الجهل : مقالة إدوارد سعيد  

صدام الحضارات؟ صموئيل هنتنغتون 

الفضائيات والشعر  

كأسٌ آخرُ من بيروت 

عمّان في الرواية العربية في الأردن": جهد أكاديمي ثري يثير تساؤلات 

تشكّل الذوات المستلبة  

مشهد القصة بين الريف والمدينة  

وحدة الوجدان والضمير  

«المنجل والمذراة».. استبطان الداخل  

دور المثقف والخطاب العام  

جرش: حديث الجبال والكروم  

في شرفة المعنى 

المثاقفة والمنهج في النقد الأدبي لإبراهيم خليل دعوة للمراجعة وتصحيح المسيرة  

!!صديق صهيوني  

عنترُ ودائرةُ النحس  

فجر المدينة  

مقامة الأعراب في زمن الخراب  

دورة تشرين 

الغرفُ العليا  

الصيف الأصفر  

حب الحياة: جاك لندن 

قصة ساعة كيت تشوبن 

قل نعم، قصة : توبايس وولف 

معزوفة الورد والكستناء  

منظومة القيم في مسلسل "شيخ العرب همام"  

ملامح الرؤية بين الواقعية النقدية والتأمّل  

الرؤية الفكرية في مسلسل «التغريبة الفلسطينية»  

"أساليب الشعريّة المعاصرة" لصلاح فضل - مثاقفة معقولة  

كهرباء في جسد الغابة  

جامعو الدوائر الصفراء  

صَبيَّةٌ من جدارا اسمُها حوران  

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق