آخر المقالات

آخر المقالات
جاري تحميل المقالات...
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات. إظهار كافة الرسائل

الخميس، 15 أغسطس 2024

هولندا الداعم الأوروبي الثاني لإسرائيل بعد ألمانيا

 

كتب: علي طه النوباني

تم الاستعانة بحلقة المخبر الاقتصادي كمصدر للمعلومات(https://www.youtube.com/watch?v=0dovfAo9oag)

في بلدة صغيرة جنوب هولندا تُدعى "فونز بارك"، تُعرف هذه البلدة بين الهولنديين بأنها مقر لمستودع "ال سي دبليو" التابع للقوات الجوية الملكية الهولندية، والذي يُعتبر المستودع المركزي في أوروبا لقطع غيار المقاتلات الأمريكية الشبحية "F-35". يتم شحن قطع الغيار من هذا المستودع لحلفاء الولايات المتحدة الذين يستخدمون هذه الطائرة، بما في ذلك إسرائيل. يُعتبر أسطول طائرات "F-35" العمود الفقري للقوات الجوية الإسرائيلية، والتي استخدمتها بشكل كثيف في قصف قطاع غزة خلال العدوان الحالي.

في ديسمبر 2023، رفعت بعض المنظمات الحقوقية دعوى قضائية ضد الحكومة الهولندية بهدف وقف تصدير قطع غيار "F-35" للجيش الإسرائيلي. رفضت محكمة لاهاي هذا الطلب، ولكن المنظمات الحقوقية لم تتراجع وقررت اللجوء إلى محكمة الاستئناف في لاهاي. وفي تطور مفاجئ، أصدرت محكمة الاستئناف في لاهاي قرارها في 12 فبراير 2024، وأمرت الحكومة الهولندية بوقف تصدير قطع الغيار إلى إسرائيل خلال سبعة أيام فقط.

وفي تعليق على القرار، أعلنت الحكومة الهولندية في اليوم نفسه أنها ستستأنف الحكم أمام المحكمة العليا، وهو أمر كان متوقعًا، خاصةً وأن رئيس الوزراء الهولندي كان موجودًا في القدس المحتلة في اليوم الذي صدر فيه قرار محكمة الاستئناف. والجدير بالذكر أن هذه كانت الزيارة الثالثة لرئيس الوزراء الهولندي مارك روتا إلى إسرائيل منذ 7 أكتوبر.

يُعتبر رئيس الوزراء الهولندي مارك روتا أكثر زعيم في العالم اجتمع مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال العدوان الإسرائيلي الحالي على قطاع غزة. وخلال هذه الاجتماعات، كان يُعبر بوضوح عن دعمه للاحتلال الإسرائيلي. وفي الواقع، فإن أي شخص على دراية بتاريخ العلاقات الهولندية الإسرائيلية ومواقف هولندا من القضية الفلسطينية لن يتفاجأ أبداً من سلوك الحكومة الهولندية الحالي. على العكس، فإن هولندا تتنافس مع ألمانيا على لقب الدولة الأوروبية الأكثر دعماً للاحتلال الإسرائيلي.

ولكن ما هي قصة هولندا مع الاحتلال الإسرائيلي؟ وما هو سر الدعم المستمر من الحكومات الهولندية المتعاقبة لإسرائيل؟ وكيف كانت هولندا صديقاً وفياً للإسرائيليين، وقدمت لهم المساعدة في العديد من المواقف الصعبة؟

بعد دقائق من إعلان الاحتلال الإسرائيلي قيام دولته في فلسطين المحتلة في 14 مايو 1948، اعترف الرئيس الأمريكي حينها هاري ترومان بهذه الدولة، لتصبح الولايات المتحدة أول دولة في العالم تعترف بها. وعلى عكس الولايات المتحدة التي كانت متحمسة جداً لدعم الكيان الصهيوني، كانت العديد من الدول حول العالم، خاصة في أوروبا، أقل حماساً للاعتراف بدولة الاحتلال. كانت لهذه الدول حسابات خاصة ومصالح تسعى للحفاظ عليها، ومن بين هذه الدول هولندا.

اتخذ الهولنديون في بداية الصراع العربي الإسرائيلي موقفاً محايداً إلى حد كبير، وهو ما انعكس على موقفهم من الاعتراف بدولة الاحتلال عندما تم إعلان قيامها. في ذلك الوقت، كانت هولندا تحتل منطقة الهند الشرقية (إندونيسيا حالياً) في شرق آسيا، وكانت تخوض صراعاً مسلحاً مع الشعب الإندونيسي الذي كان يسعى لطرد الاحتلال الهولندي والحصول على الاستقلال.

خشي الهولنديون من أنَّ اعترافهم بالدولة التي أسستها العصابات الصهيونية في فلسطين قد يُثير مشاعر الشعب الإندونيسي، الذي كانت أغلبيته الساحقة من المسلمين، ويحفزه على مواصلة الكفاح ضد الهولنديين الذين كانوا يحاولون بشدة الحفاظ على سيطرتهم على إندونيسيا. لهذا السبب، تأخر الاعتراف الهولندي بدولة الاحتلال، لكن هذا التأخير لم يدم طويلاً، حيث نجح الإندونيسيون في أواخر عام 1949 في هزيمة الهولنديين وانتزاع الاعتراف باستقلال إندونيسيا.

عندما فقد الهولنديون سيطرتهم على إندونيسيا وطُردوا منها، لم يعد هناك ما يمنعهم من الاعتراف بالدولة الصهيونية الوليدة، وبالفعل اعترفوا بها رسمياً في يناير 1950. منذ ذلك الحين وحتى اليوم، تواصل هولندا دعمها القوي للاحتلال الإسرائيلي، حتى أصبحت تُعتبر واحدة من أكثر الدول وفاءً للإسرائيليين.

تطورت العلاقات الهولندية الإسرائيلية في بدايتها بفضل الصداقة الوثيقة التي جمعت بين رئيس الوزراء الهولندي وليم دريس وأول رئيس وزراء للاحتلال، ديفيد بن غوريون. وفقاً للصحفي الهولندي فرانس بيترز، توصّل الرجلان إلى اتفاق شفهي غير مكتوب يضمن دعم هولندي غير مشروط لإسرائيل في الأوقات الصعبة وأوقات الاضطرابات.

أول دليل على هذا الدعم الهولندي غير المشروط لإسرائيل ظهر في أكتوبر 1956، مع اندلاع العدوان الثلاثي على مصر. دعمت الحكومة الهولندية آنذاك هجوم الجيش الإسرائيلي على شبه جزيرة سيناء المصرية، واعتبرت أن الهجوم مُبرر بسبب التهديد الكبير الذي تشكله الدول العربية، وبخاصة مصر، على إسرائيل. وقد أيد البرلمان الهولندي بالكامل تقريباً موقف الحكومة الهولندية من الاحتلال الإسرائيلي والعدوان الثلاثي. لم يقتصر الدعم على الجانب السياسي فقط، بل شمل أيضاً توريد الأسلحة سراً لإسرائيل.

لكن الدعم الهولندي لإسرائيل في عام 1956 يبدو ضئيلاً مقارنةً بما قدمته هولندا في عام 1967، عندما قام جيش الاحتلال الإسرائيلي باحتلال سيناء، وقطاع غزة، والضفة الغربية، والجولان. مرة أخرى، وقفت هولندا بكل قوتها إلى جانب إسرائيل، ودعمتها في عدوانها على الأراضي العربية.

كان الدعم الهولندي لإسرائيل خلال حرب 1967 واسع النطاق وشاملاً: الشعب الهولندي، الحكومة، البرلمان، وحتى الملكة، كلهم كانوا داعمين لإسرائيل. خرج آلاف الهولنديين في مسيرات داعمة لإسرائيل، وشاركوا في حملات للتبرع بالمال والدم لصالح الكيان الصهيوني. في غضون أسابيع، جمع الهولنديون 18 مليون جلدر و9000 وحدة دم لصالح جرحى جيش الاحتلال. خلال الحرب، كانت طائرات شركة "العال" الإسرائيلية تقوم بثلاث رحلات يومياً لنقل المستلزمات الطبية، ووحدات البلازما، وأجهزة نقل الدم من أمستردام إلى تل أبيب.

كانت هولندا كلها تقريباً تتابع أخبار الحرب لحظة بلحظة للاطمئنان على الإسرائيليين. وأشارت نتائج استطلاع رأي أجراه المعهد الهولندي للرأي العام مباشرة بعد حرب 1967 إلى أن 67% من سكان هولندا كانوا متعاطفين مع الإسرائيليين، حيث أشار معظم المشاركين في الاستطلاع إلى الهولوكوست أو المحرقة كسبب رئيسي لدعمهم لإسرائيل، التي لم تكتفِ باحتلال الأراضي الفلسطينية، بل توسعت في احتلال أراضي دول عربية أخرى.

استمر الدعم السياسي الهولندي لإسرائيل من خلال البرلمان الهولندي الذي شجع الحكومة على تزويد الإسرائيليين بالمعدات العسكرية، بما في ذلك مكونات الطائرات المقاتلة والدبابات. الحكومة الهولندية، بالإضافة إلى ملكة هولندا آنذاك، الملكة يوليانا، كانت داعمة لإسرائيل بدرجة كبيرة. وصلت دعمها إلى حدٍ كاد أن يتسبب في أزمة دستورية في هولندا للتأكيد على تأييدها للإسرائيليين. ففي 16 يونيو 1967، استقبلت يوليانا في قصرها ممثلي لجنة هولندية تُدعى "العمل الجماعي من أجل إسرائيل" لتطلع على آخر مستجدات المساعدات الهولندية لإسرائيل. عبرت عن قلقها على مصير الإسرائيليين، وأعربت عن رغبتها في إصدار بيان عام تنتقد فيه سياسة الرئيس المصري جمال عبد الناصر، وتدعو الناس للصلاة من أجل إسرائيل. ولكن، هذا البيان كان مخالفًا لبروتوكولات الملكية الدستورية في هولندا، حيث إن دور الملك رمزي ولا يتدخل في الحكم. نتيجة لذلك، تدخل وزير خارجية هولندا آنذاك، جوزيف لونز، وأوضح لها أن منصبها لا يسمح لها بإصدار مثل هذا البيان.

انتهت حرب 1967 باحتلال إسرائيل لمناطق عربية عدة، بما في ذلك سيناء المصرية والجولان السورية. ومع مرور الوقت، قرر المصريون والسوريون استرجاع أراضيهم المحتلة عبر شن هجوم مشترك مفاجئ على إسرائيل في 6 أكتوبر 1973. على عكس حربي 1956 و1967، كان جيش الاحتلال الإسرائيلي في موقف حرج للغاية خلال حرب أكتوبر 1973، خاصة في الأيام الأولى، حيث كاد أن ينهار تمامًا. وهنا برزت هولندا مجددًا كإحدى أكثر الدول وفاءً ودعمًا لإسرائيل.

الجدير بالذكر أن الدعم الهولندي لإسرائيل لم يكن مرتبطًا فقط بالأزمات أو الحروب. فقبل حرب 1973، تم تدريب مجموعة من الجنود الإسرائيليين في هولندا بين عامي 1971 و1972. وخلال هذه التدريبات السرية، درّب الهولنديون الجنود الإسرائيليين على استخدام ناقلة الجند الأمريكية المدرعة "M113" وعلّموهم كيفية إطلاق النار باستخدامها. كان لهذا التدريب أهمية كبيرة لإسرائيل، حيث اعتمدت بشكل كبير على هذه المدرعة خلال الحرب مع مصر وسوريا. ومع اندلاع الحرب في 6 أكتوبر، وعلى الرغم من المفاجأة الاستراتيجية للهجوم المصري والسوري، كان حلفاء إسرائيل، بما فيهم الهولنديون، واثقين في قدرة سلاح الجو الإسرائيلي المتطور على سحق الهجوم بسرعة. ولكن مع مرور الوقت، أدرك الجميع، بما فيهم الهولنديون، أن تقديراتهم لقوة الجيش الإسرائيلي كانت مفرطة في التفاؤل، وأن وضع إسرائيل كان سيئًا للغاية، خاصة على الجبهة المصرية التي كانت مجهزة بدفاع جوي قوي لتقليص تأثير سلاح الجو الإسرائيلي.

بعد وصول تقارير عن تدهور الوضع الإسرائيلي في الحرب، اجتمع رئيس وزراء هولندا، يوب دن إل، في 8 أكتوبر 1973 مع وزراء الخارجية، والعدل، والشؤون الاقتصادية، والدفاع لمناقشة سبل مساعدة إسرائيل. قرروا أولاً الدعوة إلى وقف إطلاق النار في أقرب وقت ممكن بشروط مقبولة للطرفين، لكنهم فضلوا أن يكون وقف إطلاق النار على أساس الوضع الذي كان قبل الحرب، مما يعني انسحاب الجيش المصري من الأراضي التي حررها والعودة إلى الوضع الذي كان عليه صباح يوم 6 أكتوبر، وهو اقتراح شديد السُّخف يعكس انحيازًا واضحًا لإسرائيل.

في نفس الاجتماع، اتفق الهولنديون على ضرورة منع أي محاولة من الدول العربية في الجمعية العامة للأمم المتحدة لوصف الاحتلال الإسرائيلي بأنه عدواني. أبلغوا مندوبهم الدائم في الأمم المتحدة بهذا الأمر وطلبوا منه التصويت ضد أي قرار يدعو لتنفيذ قرار مجلس الأمن رقم 242 الصادر عام 1967، والذي يلزم الاحتلال الإسرائيلي بالانسحاب من الأراضي التي احتلها في يونيو من ذلك العام. قررت هولندا في ذلك الوقت تقديم كل الدعم الدبلوماسي الممكن لإسرائيل، لكنها لم تكتفِ بذلك. ففي 7 أكتوبر، طلب السفير الإسرائيلي في هولندا، شنان بارون، من وزير الخارجية الهولندي تقديم الدعم العسكري والمادي لإسرائيل. كان الإسرائيليون في حالة يأس بسبب وضعهم السيئ في الحرب، وكانوا يواجهون صعوبة في تأمين الدعم العسكري لجيشهم، خاصة بعد أن فرضت بريطانيا وفرنسا حظرًا على تصدير الأسلحة لجميع أطراف النزاع، بما في ذلك إسرائيل. كما أن الجسر الجوي الأمريكي لم يبدأ إلا بعد فترة من الزمن.

في هذا السياق، عندما تواصل السفير الإسرائيلي مع الهولنديين، كانت هولندا تقريبًا الخيار الوحيد المتبقي لتزويد الجيش الإسرائيلي بالذخيرة وقطع الغيار الضرورية. وبحسب السفير الإسرائيلي، فإن رد وزير الخارجية الهولندي على طلبه كان باردًا نسبيًا، ربما بسبب التقارير المتفائلة حول قوة الجيش الإسرائيلي. ورغم ذلك، لم يستسلم السفير الإسرائيلي واستمر في التواصل مع رئيس الوزراء الهولندي ووزير الخارجية. وكان الأخير متعاطفًا جدًا مع الإسرائيليين، لدرجة أنه شارك شخصيًا في مظاهرة دعم لإسرائيل في أمستردام يوم 13 أكتوبر. كما تواصل مع الملحق العسكري الإسرائيلي في باريس للاستفسار عن احتياجات الجيش الإسرائيلي، وجاءه الرد في اليوم التالي بأنهم بحاجة ماسة للذخائر من عيار 105 ملم و155 ملم. وقد استجابت هولندا لهذا الطلب، وزودت إسرائيل بالذخيرة وقطع الغيار لدبابات سنتوريون التي كانت تشكل نصف قوة الدبابات الإسرائيلية خلال الحرب.

دعم الهولنديون الاحتلال الإسرائيلي رغم المخاطر التي تعرضوا لها، حيث تسبب ذلك في فرض حظر نفطي عليهم من قبل الدول العربية المنتجة للنفط، مما أدى إلى أزمة طاقة كبيرة في هولندا. كان موقف هولندا مختلفًا عن مواقف جيرانها في أوروبا، الذين فضلوا البقاء على الحياد خوفًا من استخدام العرب لسلاح النفط. وعندما زارت رئيسة الوزراء الإسرائيلية جولدا مائير لندن في نوفمبر 1973 لحضور مؤتمر الأممية الاشتراكية بعد وقف إطلاق النار، وبّخت الزعماء الأوروبيين لعدم دعمهم الكافي لإسرائيل في الحرب. ومع ذلك، شكرت اثنين فقط من القادة الأوروبيين الحاضرين لدعمهما لإسرائيل، وهما رئيس وزراء هولندا يوب دن آيل ومستشار ألمانيا الغربية فيلي برانت. وما زالت هذه الدول تدعم إسرائيل حتى اليوم.

انتهت الحرب، لكن الدعم الهولندي لإسرائيل استمر. فعلى سبيل المثال، عندما قطعت بولندا علاقاتها مع إسرائيل في عام 1967، وافقت الحكومة الهولندية على تمثيل المصالح الإسرائيلية في بولندا من عام 1967 حتى عام 1990. كذلك قدمت هولندا نفس الخدمة لإسرائيل في موسكو عندما انقطعت العلاقات الدبلوماسية بين الاتحاد السوفيتي وإسرائيل. وبين فبراير ويوليو 1953، كانت هولندا دائمًا تقف بجانب إسرائيل على حساب حقوق الشعب الفلسطيني، حيث صوتت ضد القرارات التي تدعو إلى حق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم.

الاستثناء الوحيد في السياسة الهولندية كان مشاركتها في مشروع ميناء غزة في أواخر التسعينات، حيث قدمت منحة تقدر بحوالي 23 مليون يورو. ولكن للأسف، لم يكتمل المشروع بسبب تدميره من قبل الجيش الإسرائيلي خلال الانتفاضة الفلسطينية الثانية. ومع ذلك، لم يكن هذا الدعم دليلاً على تغيير جذري في السياسة الهولندية، إذ رفض وزير الخارجية الهولندي ياب دي هوب شيفر مطالبة إسرائيل بتعويضات عن تدمير الميناء، حيث كان يميل لدعم الإسرائيليين مثل أغلب وزراء خارجية هولندا. وربما كان الاستثناء الوحيد هو وزير الخارجية الهولندي بوت، الذي شغل المنصب من ديسمبر 2003 حتى فبراير 2007، حيث كان يسعى لتقديم دعم أكبر للفلسطينيين، ولكن في النهاية استسلم للواقع السياسي، حيث منع البرلمان الهولندي أي جهود لزيادة الدعم السياسي للقضية الفلسطينية.

بقيت هولندا على موقفها الداعم لإسرائيل، وساهمت في حماية إسرائيل من الانتقادات الدولية. فعلى سبيل المثال، في فبراير 2012، أصدر دبلوماسيون في الاتحاد الأوروبي تقريرًا حول عنف المستوطنين الإسرائيليين ضد الفلسطينيين في الأراضي المحتلة، وأيدت جميع دول الاتحاد التقرير باستثناء هولندا، التي أبدت تحفظات عليه. وزير الخارجية الهولندي أور زنتال كسر إجماع الدبلوماسيين الأوروبيين في الأمم المتحدة بشأن حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة، مما جعل البعض يعتبر هولندا الصديق الأقرب لإسرائيل في أوروبا، حتى أكثر من ألمانيا التي رغم دعمها الكبير لإسرائيل، تتبنى مواقف أكثر تقدمية بشأن القضية الفلسطينية.

في هذا السياق، يمكن فهم موقف هولندا الحالي من العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، الذي أسفر حتى الآن عن مقتل أكثر من 40,000 شخص، معظمهم من النساء والأطفال. رغم كل هذا القتل والتدمير، لم يتغير موقف هولندا الداعم لإسرائيل. للأسف، تشارك هولندا في جرائم الاحتلال الإسرائيلي من خلال توفير الغطاء السياسي الذي يسمح باستمرار القتل والتدمير، ومن خلال عدم منع وصول أدوات القتل، مثل قطع غيار طائرات F-35، إلى الجيش الإسرائيلي.

لن تنسى الأمتان العربية والإسلامية دور هولندا السلبي في منطقة الشرق الأوسط، ومشاركتها المباشرة وغير المباشرة في الإبادة الجماعية وجرائم الحرب البشعة التي ترتكبها دولة الكيان الصهيوني إسرائيل في فلسطين عامة وفي قطاع غزة خاصة.


الأحد، 12 فبراير 2023

صناعة النجوم من غبار الزلازل والجثث

 

بقلم: علي طه النوباني



استطاعت فرق الإنقاذ والمتطوعون إخراج عدد لا بأس به من الأحياء من تحت الأنقاض في تركيا وسوريا، وبالمقابل مات الكثيرون، بعضهم مات موتا سريعا أراحهم من عالم زاخر بالقسوة والوحشية والأنانية المفرطة، والبعض الآخر مات موتا بطيئا تحت حِمل الأنقاض والجوع والعطش والأسى على مرارة فقد الأحبة والانهيار المفاجئ لكل شيء.

وفي قلب هذه المأساة سَوَّقت الفضائيات ووسائل التواصل الاجتماعي لنوع جديد من العلماء والمتنبئين الذين أعلنوا مسبقا عن الزلزال، بل إنهم حدَّدوا مكانه وزمانه.

أَمّا المتنبئون، فقد عرفتُ مِنهم اللبناني ميشيل حايك، والمصرية اللبنانية ليلى عبد اللطيف، حيث ذكرا نبوءتهما ليلة رأس السنة الماضية على الفضائيات العربية بحدوث زلزال في تركيا في العام 2023 دون أن يحددا يوما أو شهرا محددا. وأما من أسموهم علماء فواحد من هولندا والآخر من أستراليا وقد نشرا نبوءتهما على تويتر قبل الزلزال بأيام.

وإذا كنا نعرف جميعا أنَّ العلم قد أكَّد لنا في غير مرَّة أنه لا يمكن التنبؤ بالزلازل، وأنَّ القدرات الخارقة للإنسان ما زالت قيدَ الدَّرس، ولم يتمَّ إثباتها علميا بأيِّ شكل من الأشكال؛ فمن أين عرف هؤلاء عن هذه الكارثة قبلها بأكثر من شهرين؟

لقد ادعى الهولندي والأسترالي أنهما تنبآ بالزلزال من خلال مراقبة حركة الكواكب والنجوم؛ بل إن الأسترالي يقول إن أبرز أسباب الزلزال أنَّ القمر كانَ بدرا ليلة الزلزال!

ولكنَّ القمر كان بدرا في الكرة الأرضية كلها، وليس في تركيا وسوريا وحدهما!

والقمر يصبح بدرا اثنا عشر مرة في العام!

ويضاف إلى ذلك أنَّ القمر موجود حول الأرض سواء أكان مضيئا أم مظلما!

أيُّ علماء جُدُد يتمُّ التسويق لهم؟ وعلى أي شعوب ستنطلي هذه الخزعبلات!

أيهما أولى: أن نصدق قدرات هؤلاء المنجمين الخارقة، أم أن نستعمل عقلنا للبحث ومحاولة إيجاد السيناريوهات الممكنة لتفسير الأمر؟

إذا أردنا أن نفهم عقل الرأسمالية، فعلينا أن نفكر بطريقتهم:

إنهم يصنعون المرض ثم يبيعون الدواء واللقاح!

ويصنعون الحرب ثم يبيعون الأسلحة!

 وربما هم الآن يصنعون الزلازل ثم يبيعون تقنيات الأبنية المقاومة للزلازل. ويحققون أرباحا إضافية بصناعة نجوم يصدقهم الناس، ويوجهون الرأي العام. كما يصنعون إنساناً خائفاً ومستسلماً ومهزوماً يستجيب بسهولة لخططهم الدنيئة، ويقوم بتوجيهه عميل لواحد من أجهزة المخابرات التابعة لواحدة من الدول الكبرى.

أيُّ دولة في العالم وصلت إلى تقنية التنبؤ بالزلازل أو حتى صناعتها، وأخفت عن العالم هذا الإنجاز، وأي جهاز استخبارات قام بتسريب الأمر إلى هؤلاء؟

إذن، هي مرَّة أخرى نظرية المؤامرة، ولكن، إذا رفضنا نظرية المؤامرة، فعلينا أن نقبل بأن أشخاصا مثل هؤلاء المتنبئين لديهم قدرات خارقة تتجاوز مئات المرات قدرات العلم ومراكز الأبحاث والتكنولوجيا!

وما الذي يمنع تصديق نظرية المؤامرة سوى الاعتبارات الأخلاقية، وهي ما لا يُحكى عنه قطعيا عند الحديث عن ماكينة الربح والخسارة والرأسمالية؛ وبخاصة إذا ما راجعنا قائمة الجرائم التي ارتكبتها، وما زالت ترتكبها حتى اليوم عن سبق الإصرار والترصد. إنها آلة تصنع وحوشا بشرية بلا ضمير لا يردعها وازع أخلاقي ولا قيمة إنسانية مهما بلغت أهميتها.

 

الثلاثاء، 26 يوليو 2022

الرماة ليسوا على الجبل أصلاً

 

بقلم: علي طه النوباني

الرماة ليسوا على الجبل أصلاً.

إنهم هناك في قعر وادي القهر والفقر والبطالة واللاعدالة.

إنهم هناك يحللون ويفسرون آلية ظهور الأقدام الكاذبة للأميبا في مستنقع التدليس والفساد والإفساد.

الرماة لا يملكون ثمن البنزين لكي يصلوا إلى مواقع الاجتماعات الكثيرة التي يتسلل إليها المتفذلكون والانتهازيون وصيادو المناصب والمنافع.

الرماة لا سهام في جعابهم، ولا نعال في أقدامهم، ولا ثياب على جلودهم، ولا أحلام في رؤوسهم، ولا حتى ماء في خزانات بيوتهم.

الرماة لم يعد لديهم القدرة العقلية على استيعاب المتفذلكين الذين يشبعون الناس كلاما ثم ينقلبون إلى منظرين ومنافقين للسلطة بعيوبها قبل مزاياها.

الرماة دفعوا كل ما لديهم لتعليم أولادهم بعد أن تحملوا شظف العيش ومرارة الحرمان، ثم جلسوا مع أولادهم في البيوت يراقبون كيف يعين النواب والمتنفذون أقاربهم ويقودون الفساد والمحسوبية.

الرماة رأوا غيرهم وهم يأكلون حقهم فأصيبوا بمتلازمة المظلوم اليائس من الحصول على حقه بعد أن وعده ألف متفذلك بالعدل والإنصاف ثم تخطى راسه وهو ساجد لله إلى مصالحه الضيقة.

الرماة لم يعد يهمهم فصاحة اللسان، والقدرات الفائقة على تنميق الكلام؛ لأن كلَّ من رأوهم من هذه النمرة باعوهم بأرخص الأثمان عند أول مكسب صغر أم كبر.

الرماة مَلّوا من ذوي البطون الجرباء الذين لا مانع لديهم من سحب لقمة خبز من فم جائع بائس دون أدنى شعور بوخز الضمير أو الخوف من الرب القدير.

أجزم أن الرماة يطالبون قبل أن يحاولوا الدوس على جراحهم أن يغيب المنافقون والأفاقون وَمُجَمِّلو الواقع البائس عن الساحة - وما أكثرهم - لكي تتضح الرؤيا لأن المتفذلكين مثل الضباب ومثل السراب يشوهون المشهد ويفقدوننا القدرة على الرؤية.

الرماة تركوا للأفاقين الجبل؛ لأنه يحتاج إلى مصاريفَ جاريةٍ لا قبلَ لهم بها. وإلى أن يجدوا طريقةً لِحلِّ المُعادلات الصعبة، ستبقى صناعة التخلف والتنظيرُ لها مهمة المنافقين والأفاقين وصناع الظلام.

 

 

الأحد، 26 يونيو 2022

إعاقة الطابق الرابع لدى أستاذ حقوق الإنسان!

 

بقلم: علي طه النوباني

من يعرفني، يَعرفُ رباطةَ جأشي، وَيعرفُ أَنّي لم أسمح لتافهٍ هُنا أو هُناك أن يوقف مَسيرتي وكِفاحي في الحياة أو أن يثبط عزيمتي. وقد لاحظت على نفسي أَني لم أكتب الكثير عن الإعاقة على الرغم من معاناتي الكبيرة في الحياة بسببها.

لماذا لم أكتب عن الإعاقة؟

قرأت يوما ما أَنَّــهُ إذا سقطت شجرة على شخص ما فانكسر ظهره، فإن ذلك الحدث لا يعتبر مأساة عامة، وإنما هو مأساة تخص ذلك الشخص وحده. وربما كان ذلك فهما إغريقيا قديما للمأساة أو التراجيديا بمفهومها الأدبي النقدي؛ لكنه بصراحة أثر بي كثيراً.

أما اليوم وقد رأيت بأم عيني الحضارات المتقدمة كيف أدمجت الأشخاص ذوي الإعاقة في المجتمع بكل مرافقه، وأزالوا الحواجز التي تمنعهم من المشاركة في فعاليات الحياة؛ فعاش الكثيرون منهم حياة طبيعية إلى حد بعيد؛ فإن شريط الذكريات المرة يمر أمام عيني كما تمر مشاهد الأشخاص ذوي الإعاقة الذين يُظلمون يوميا في مجتمعاتنا التي تزاود على العالم بالحديث عن الإنسانية والخير.

تجولت على العديد من الصفحات على مواقع التواصل الاجتماعي، فلاحظت أنَّ آلاف المبادرات الخجولة انطفأت بسبب عدم تفاعل المجتمع وعدم اهتمامه بقضايا الأشخاص ذوي الإعاقة. وليس أَدلَّ على ذلك من أن أضع منشورا عن حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة؛ فيعلمني الموقع بأن ألف شخص قد رأوه لكنه لم يحصل إلا على إعجاب واحد!

تذكرت مساق حقوق الإنسان الذي سجلت لدراسته أيام كنت طالبا في الجامعة في أوائل التسعينات من القرن الماضي. كان مكان القاعة في الطابق الرابع في مبنى الاقتصاد، ولم يكن في المبنى مصعد؛ فطلبت من الدكتور الذي يدرس حقوق الإنسان أن ينقل المحاضرات إلى الطابق الأول، فنقل المحاضرة الأولى ثم نظر نحوي في منتصف المحاضرة قائلا: " أنا ما بعرف أحكي في الطابق الأول، رح نرجع على الطابق الرابع وعليك أن تدبر أمرك!".

فصل دراسي كامل وأنا أصعد الأدراج على عكازتي المتهالكتين حتى الطابق الرابع لأن مدرس "حقوق الإنسان" لا يرتاح في الطابق الأول. وعلى الرغم من أن قاعات الطابق الأول كانت فارغة!

كان هذا أول احتكاك منهجي بيني وبين حقوق الإنسان على طريقة خريجي فرنسا في الحقوق!

أما أستاذ النثر الحديث فقد كان أكثر لياقة عندما ترك مليون قصة قصيرة في الأدب العربي واختار قصة بعنوان" الصبي الأعرج" ليطرحها في المحاضرة، وعلى الرغم من أني لم أُبدِ أي احتجاج على اختياره، وبرهنت ذلك بمشاركتي في الحوار الذي أداره حولها، إلا أن الأستاذ نظر نحوي في منتصف المحاضرة قائلا: أعتذر للأخ "علي" عن هذا الاختيار، وكأنه اختار هذه القصة عمدا ليصل معي إلى هذه النقطة!

قلت له: لا عليك، لا داعي للاعتذار.

من اليوم، لن أعير التفاتا لذلك الجانب من الفلسفة الإغريقية الذي يعزل ويهمل مآسي الناس واحتياجاتهم، ولن أترك فرصة لتذكير عديمي الضمير وذوي الاحتياجات البارانووية الحادة الذين لا يعرفون أن يتحدثوا عن حقوق الإنسان إلا في الطابق الرابع بمسؤولية الجميع تجاه الأشخاص ذوي الإعاقة، فهنالك الكثير الكثير منهم يعيشون ظروفا صعبة جدا، وينتظرون تنفيذ قانون حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة رقم 20 لسنة 2017، والذي لن تتحقق رؤيته دون وعي المجتمع واهتمامه الذي يعبر -إن تحقق- عن درجة عالية من التحضر.


الأحد، 5 يونيو 2022

الجُزء الثالث من قصة الأعرابي والإبل "مظفر النواب وفلسفة الشتائم"

 

بقلم: علي طه النوباني

تجنب أغلبية النقاد الخوض في شعر مظفر النواب لأسباب عديدة، منها كثرة الشتائم المقذعة في شعره على نحو يهدد الناقد بانقطاع مصدر رزقه إذا ما كتب عن شاعر هَجّاء كمظفر النوّاب، ومنها ندرة المصادر الأصلية لشاعر قضى حياته هاربا ومشردا بين البلدان، ولم يحتفظ بنظام صديق يطبع شعره ويروجه.

ولكن السبب الذي طرحه النقاد كثيرا هو ادعاء الأنفة عن الشتم، والتعالي عن لغة الشتائم الصريحة والمبطنة، وهم بذلك يتجاهلون أن غرض الهجاء في الشعر العربي كان أساسيا ومولِّدا للكثير من الدلالات العميقة، بل ومؤثرا مفصليا في الكثير من الأحداث السياسية والاجتماعية.

وإذا ما خضنا في فلسفة الشتم ونقيضه التأدب، فالسلطة مؤدبة غالبا -بهذا المقياس- لأنها قادرة على القتل والمسح من سجل الحياة، وليست بحاجة إلى الشتم؛ حالها في ذلك حال اللصوص الذين سرقوا إبل الأعرابي، وهو تأدب لعمري يفوق قلة الأدب بشاعة. أما الضعفاء فهم غير قادرين على شيء سوى الشتم، وهو مغامرة غير محمودة النتائج، وربما يدفعون حياتهم ثمنا لها كما حدث مع الشاعر الأيقونة "دعبل الخزاعي" الذي مات مقتولا.

ولكن هلا تأملنا كم من الشعراء الكبار أقذعوا في الهجاء؟

هل منعت نقائض جرير والفرزدق والأخطل الثقافة العربية من حفظ أشعارهم وتصنيفهم في مقدمة الشعراء الكبار.

وهل منعت قصائد الهجاء المرّ التي كتبها المتنبي من الخوض في عظمة شعره وروعة حكمته وعميق معناه.

وماذا عن ابن الرومي الذي قال عنه المرزباني "لا أعلم أنه مَدَحَ أحداً من رئيس أو مرؤوس إلا وعاد إليه فهجاه؛ ولذلك قلَّت فائدته من قول الشعر، وتحاماه الرؤساء". وعلى الرغم من ذلك، وَصَلَنا ديوان شعر ضخم لابن الرومي، واحتفى به نقاد الشعر، وأعطوه شيئا من حقه. وإذا أردتَ أن تتوسع في معرفة طريقة ابن الرومي في الهجاء، فاذهب إلى ديوانه، وشاهد بعينك أنواع الشتم التي تتخلل عظمة قدرته على التصوير، والتشكيل اللغوي والفني البديع.

وفي ذروة الحضارة العربية الإسلامية هجا دعبل الخزاعي عددا من الخلفاء ومنهم المعتصم، فلم يُلحَّ المعتصم في طلبه للقصاص عندما هرب دعبل إلى رؤوس الجبال، وقُدِّر لدعبل أن يموت بالسم على يد مالك بن طوق بعد أن هجاه بقوله:

إِنَّ اِبنَ طَوقٍ وَبَني تَغلِبٍ                     لَو قُتِّلوا أَو جُرِّحوا قَصرَه

لَم يَأخُذوا مِن دِيَةٍ دِرهَماً                 يَوماً وَلا مِن أَرشِهِم بَعرَه

دِمائُهُم لَيسَ لَها طالِبٌ                       مَطلولَةٌ مِثلَ دَمِ العُذرَه

وُجوهُهُم بيضٌ وَأَحسابُهُم                       سودٌ وَفي آذانِهِم صُفرَه

واللافت للنظر أن دعبلاً قد تعرض في شعره لخلفاء كثيرين إلا انَّ نهايته كانت على يدِ مَن كانَ أَقَلَّ مِنهم مكانةً وسلطاناً فمالك بن طوق هو أحد ولاة الرشيد والواثق والمتوكل. وعلى الرغم من ذلك كله فقد وصلنا جزء جيد من شعر دعبل الخزاعي (ونأسف أشد الأسف لما ضاع منه)، ولم يختلف النقاد على أهميته كشاعر من الطبقة الأولى.

ولكن ماذا يحدث؟ هل نسير إلى الوراء في كل شيء؟!

كان أهل اللغة والأدب في ذروة الحضارة العربية الإسلامية ينصفون المبدعين الكبار مهما أقذعوا في الهجاء، وحتى لو كان يهجو الخليفة نفسه، واليوم يقف الناقد متحدثا عن التأدُّب لا الأدب وكأن السلطة أحكمت وثاق كل شيء في حياتنا حتى لم نعد نميز بين ما هو سياسة وما هو فن.

لقد هجا دعبل المعتصم على ما نعرفه عن سيرة المعتصم فلم يترفع النقاد عن ذكر قيمة فنه الشعري بعيدا عن موقفهم الأخلاقي من فكرة الهجاء والشتم، وهجا مظفر النواب النظام السياسي العربي في عصر الهزائم والانهيار فذاب النقاد أخلاقاً وتجنبوه، بل إن بعضهم أسقط عليه مواقف اعتباطية نابعة من قربه من الشارع والناس، وكأن القرب من ضمير الشعوب جريمة، وهو أمر إن دلَّ على شيءٍ فإنما يدل على أن حضارتنا أصبح لها وجه واحد هو وجه السلطة، وهو وجه غير ولاد ولا يكفي للبقاء، وإني أحسب أننا قريبا سنجتمع مع الديناصورات في متاحف التاريخ ككائنات لم تحترم مبدعيها وثوارها الذين حاولوا أن يدبوا الحياة في اليباس، وديناميكية التغير في السكون القاتل، وحركية الجماهير في قماءة السلطة.

لقد نسي أولئك أن مظفرا لم يفعل شيئاً غريبا على حضارتنا، فقد عبر عما يناسب مقتضى الحال، بل لعلهُ تَحرّى الأَدب في كثير مما قاله أكثرَ مِنْ أولئك المُتَردِّدين المُتَزَيِّنينَ بالكَلامِ المُنمق الذين لا تعرف لهم وجها من ظهر.

وفي نهاية المطاف، الشعوب الحية هي التي تصنع معايير الفن، ويمكن لكل منا أن يتجاوز فذلكات نقاد السلطة الخائفين على لقمة عيشهم، ويرى مظفر النواب وهو ينطق بحال الجماهير المسحوقة قائلا:

وطني أنقذني

رائحةُ الجوع البَشَرِيِّ مُخيفة

وَطَني أَنقِذني

مِن مُدُنٍ سَرَقَتْ فَرَحي

أَنقِذني مِن مُدُنٍ يُصبِحُ فيها الناسُ

مَداخِنَ للخَوفِ وَللزِّبلِ

مُخيفَة

مِن مُدُنٍ تَرقُد في الماءِ الآسِنِ

كالجاموسِ الوَطَنِيِّ

وَتَجْتَرُّ الجيفة

أنقِذْني كَضَريحِ نَبيٍّ مَسروقْ

في هذي السّاعة في وطني

تَجتمعُ الاشعارُ كَعُشبِ النَّهرِ

وترضَعُ في غَفَواتِ البَرِّ

صِغارُ النّوقْ

يا وَطَني المَعروضُ كَنَجمةِ صُبح في السّوقْ

السبت، 4 يونيو 2022

الجُزء الثاني من قِصَّةِ الأَعرابيِّ والإِبل

 

بقلم: علي طه النوباني

رأيت مَنشورا على فيسبوك لواحد ممن يُفترض بهم أن يدافعوا عن الناس وهو يتفذلك بحديث ممجوج دفاعًا عن باطلٍ ظاهر، ورأيت "شرشورا" من الشتائم المبطنة في خانة التعليقات، فخطر لي أن أكتب الحلقة الثانية من قصة الأعرابي الممنوع من الشَّتم.

لقد انتبه زهير بن أبي سلمى منذ ما يزيد على ألفِ سَنه إلى أنَّ الوقاية من الشتم لا تكون بتكميم الأفواه، وتغليظ العقوبة، ومنع الناس من الفضفضة، بل تكون بالاستقامة، وفعل الخير، وعمل كل ما يجلب الذكر الطيب، فإذا لم يعلن الناس أن فلاناً حقيرٌ وظالم، أو منافق ونذل، أو فاسد وخسيس، فإنهم يتناقلون الدّلالات نفسها خلسة؛ فتحفظها الأجيال، وتصبح تاريخاً بعد أن كانت مجرَّدَ شتائم.

صدق زهير بن أبي سلمى حين قال:

وَمَنْ يَجْعَلِ المَعْرُوفَ مِنْ دُونِ عِرْضِهِ

                                               يَفِرْهُ، وَمَنْ لَا يَتَّقِ الشَّتْمَ يُشْتَمِ

وهذا يعني أن هنالك من يبذلون قصارى جهدهم لكي يبوؤوا بالشتم؛ كما حدث مع الراعي النميري عندما أوقع نفسه بلسان جرير؛ فأطفأ ذكر قومه، وأخرج نفسه من مجالس الكبار كما جاء في قول جرير:

أَتَلتَمِسُ السّبابَ بَنو نُمَيرٍ               فَقَد وَأَبيهِمُ لاقوا سِبابا

وصاحبنا في هذا مثل الطبيب الذي اختاره الناس لعلاج جراحهم، ففعل مثلما فعل ابن شمعون في قول بلبل الغرام الحاجري:

طِبُّ اِبنُ شَمعونٍ بِلا ريبَةٍ            حكمٌ عَلى هَذا الوَرى يَقضي

ما عادَ يَوماً مَن بِهِ عِلَّةٌ                وَعادَ مَوجوداً عَلى الأَرضِ

       يَمشي وَعَزرائيلُ مِن خَلفِهِ                  مُشَمِّرَ الأَردانِ لِلقَبضِ 

تبا لك من طبيب، وتبا لكل من يشيد بك بعد هذا، أوتحتمل الحال البائسة التي يعيشها الناس فذلكة أمثالك ممن يتفننون في تبرير الظلم، وقوننة الفساد! أم هل يحتاج الطغيان إلى محامين مدلِّسين.

وقد عرفناك خير ممثل لقول بشار بن برد:

إذا جِئتَهُ في حاجةٍ سَدَّ بابَهُ                     فلَمْ تَلْقَهُ إلا وأنْتَ كَمينُ

إذا سَلّمَ المِسكينُ طار فُؤادُهُ                مخافةَ سُؤْلٍ واعْتراهُ جُنُونُ

أو قول ابن الرومي:

مَلَكَ النفاقُ طباعَه فتَثَعْلَبا                 وأبى السماحةَ لؤمُهُ فاستكلبا

فترى غروراً ظاهراً من تحته            نَكدٌ فَقُبِّح شاهداً ومُغيَّبا

ولَشرُّ من جرَّبتَهُ في حاجةٍ             من لا تزال به مُعنَّىً مُتعبَا

من لا يبيعُك ما تريد ولا يرى          لك حُرمةً إن جئته مُستوهِبا

لقد احتوى الشعر العربي على الكثير من الحكمة في باب الهجاء والشتم، وذِكرِ ما رآه الشعراء من قُبح، وعندما يُمنع الأعرابي من الشتم تتحول الطاقة من شكلٍ إلى آخر، وتبقى نظرية زهير بن أبي سلمى قائمة:

وَمَنْ لَا يَتَّقِ الشَّتْمَ يُشْتَمِ

 

 

 


الثلاثاء، 15 مارس 2022

انتهازية الحياد في قضية روسيا وأوكرانيا

 


بقلم: علي طه النوباني

قال لي أحد الأصدقاء: أنا محايد، لا أتعاطف مع روسيا، ولا أتعاطف مع أوكرانيا. فما الغريب في ذلك؟

رأيت أن الأمر يحتاج إلى جدل طويل فالتزمت الصمت، ربما لأني لم أكن أمتلك الطاقة الكافية لهذا الجدل في تلك اللحظة، فبدا الأمر وكأني فقدت الحجة، أو كأني مُنحاز عاطفيا دون مسوغ عقلي مقبول.

في البداية أؤكد على تعاطفي مع الشعب الأوكراني الذي وقع ضحية نخبة سياسية تواطأت مع مخططات الغرب التي تهدف للاستفراد بحكم العالم، والمحافظة على التخلف والتبعية في كل البلاد التي تقع خارج نطاقه؛ للاستمرار في نهب خيرات الشعوب ونهب مقدراتها وإخضاعها لمصالح الإمبريالية التوسعية التي لا حدود لجشعها.

منذ أن خرجت الدولة العثمانية من منطقتنا، بذلت بريطانيا العظمى جهودا جبارة لمنع منطقتنا العربية من دخول التاريخ بعد غياب دام ما يقارب أربعة قرون، ثم قامت بتسليم دورها للولايات المتحدة التي ما زالت تتفنن في الحفاظ على تخلفنا وفسادنا وفوضانا غير الخلاقة، وليس أدل على ذلك من الدعم غير المحدود للكيان الصهيوني المزروع في قلب بلادنا العربية بكل ما يمتلكه من عنصرية ووحشية وقدرة على تعطيل أي بادرة أمل لشعوبنا العربية في التنمية والنهوض والتحرر. وهكذا، فإننا نتحدث عما يزيد عن مئة سنة أخرى من عمر شعوبنا هدرتها الإمبراطوريات الاستعمارية الغربية فيما يشبه رحلة سيزيف إلى قمة الجبل، فكلما خطونا خطوة للأمام؛ أعادونا عشرة للوراء.

ها هما الولايات المتحدة وبريطانيا تقودان الناتو الذي يسيد ويميد في العالم ضاربا هذا ومدمرا ذاك، وساعيا إلى الاستفراد الكامل بحكم العالم بتحطيم أي قوة تنافسه وخنقها بكل الطرق أخلاقية كانت أو غير أخلاقية.

يقابل قوة الناتو قوى أخرى تحاول أن تخلق توازنا في هذا العالم القلق وعلى رأسها روسيا والصين، وهما على أي حال لا يمتلكان التاريخ الاستعماري الإجرامي للغرب، ونحن بالمقابل نحتاج إلى من يعيد التوازن إلى عالمنا بعد أن استفردت به قوى متوحشة مخادعة ومجرمة ومنحازة ولاأخلاقية.

إذا كنت لا تقدر رومنسية الاتحاد السوفييتي عندما انحاز للمظلومين والفقراء في هذا العالم، وإذا كنت لا تقدر عمال الاتحاد السوفييتي الذين كانوا يكدحون ليوفروا السلاح والغذاء للثوار في أطراف عالمنا، وإذا كنت لا تعترف بأن الاتحاد السوفييتي هو الذي ضغط دوليا لتثبيت حقوق العمال في كل العالم حتى صارت حقا مكتسبا للجميع؛ فليس أقل من أن تنحاز للقوى الناشئة ليس بالضرورة محبة لها؛ وإنما من أجل عالم متوازن لا يستفرد بحكمه طاغية مخادع أفاق.

شخص آخر كتب على صفحته على فيسبوك عن ازدواجية المعايير لافتا النظر إلى مقارنة خاطئة بين ما حدث في سوريا وما حدث في العراق، وقافزا عن حقيقة أن الولايات المتحدة قد أسقطت الدولة في العراق، في حين أن النظام الشرعي في سوريا استعان بحليفه في مواجهة المرتزقة الذين يعرف الجميع مصادر تمويلهم، وكيف ينقلهم أسيادهم مثل الدُّمى من جبهة لجبهة وكأنهم روبوتات مبرمجة لصالح الولايات المتحدة والغرب؛ يخوضون المعركة نفسها في أفغانستان والعراق وسوريا وليبيا، وها هم ينتقلون الآن إلى أوكرانيا، ولست أعرف تحت أي مبرر لحفظ ماء الوجه ينتقلون للحرب في أوكرانيا!

ناشط آخر تخصص في هذه الفترة بانتقاد اهتمام الناس بالانحياز لطرف دون آخر في الحرب الروسية الأوكرانية موحياً بأنها حرب لا ناقة لنا فيها ولا جمل، وكأنها تحدث في كوكب آخر يبعد عنا مئات السنوات الضوئية.

الحَيادُ السلبيُّ أسوأ بكثير من الانحياز للظالم، لأنَّ الأَخِير عَلى الأغلب مُضَلَّل أو انتهازي مكشوف، أما أنت فواحد ممن يقومون بفعل التضليل من موقعك كمثقف.

 إذا كنتَ أنت على المستوى الشخصي بخير، ترتدي ملابس أنيقة، وتُحَصِّلُ دخلا جيدا، وتؤمِّن مستقبل أولادك، فالأمة - كما ترى - ليست بخير، واعلم أنك من القلة القليلة التي خدمتها الفوضى بمحض الصدفة، وأنك بحيادك تؤدي ثمن ما أنت فيه لمن صنعوا الفوضى عن وعي أو عن غير وعي. فإذا كنت تركن إلى حالك هذا؛ فتذكر، ليس بالضرورة أن تخدم الفوضى أولادك - كما خدمتك - لأنها ببساطة (فوضى): فكِّر بالأجيال القادمة، وحقها بعالم أكثر توازنا وعدلا.

الأرض بيتنا جميعا، وكل ما يحدث فيها يعنينا، والحياد السلبي هو انتهازية من ينتظر المنتصر ليكذب عليه ويقول: كنت معك!

 

 

 

 

 

 

 

 

الخميس، 14 يناير 2021

تدوير الفساد باسم الديمقراطية

 


بقلم: علي طه النوباني

يتودَّد النواب للوزراء لتعيين أولادهم ومحاسيبهم في أغرب شكل للديمقراطية عرفته البشرية في القرن الحادي والعشرين؛ حيث لا يستطيع أضخم الحواسيب أن يفهم الآليات السحرية التي تستخدم لتحديد مُمَثلي الشعب، ناهيك عن أن يَفهم دورهم في الدولة؛ والذي يتدرج من التشريع والرقابة إلى الاستجداء والتجاوز عن حقوق العباد والمشاركة في الفساد.

تنقسم المدن والحواضر في مواسم الانتخابات إلى عشائر متنافسة؛ وأحيانا متناحرة؛ فيقوم الذكور من كلِّ عشيرة بانتخاب مرشح العشيرة ثم يفرضونه على النساء للتصويت له. ويبذل كلّ مرشح أقصى جهده للحصول على رضا الجهات التي تقرر من يناسب المرحلة ومن لا يناسبها، فإذا ما أصبح نائبا فقد تخطى الرقاب، وتجاوز حدود الصحراء والسراب، وأدرك أسرار فتح الأبواب، والمتاجرة بالخطأ قبل الصواب.

يحصل النائب لدينا على تقاعد كبير مدى الحياة مهما كان عمره بشرط أن يكون له خدمة 7 سنوات منها 4 سنوات في مجلس النواب.

وللمقارنة: يحصل عضو الكونجرس الأمريكي على راتب تقاعدي في الحالات التالية:

-         إذا تجاوز عمره 62 عاما، وكانت له خدمة 5 سنوات على الأقل.

-         إذا تجاوز عمره 50 عاما، وكانت خدمته 20 سنة على الأقل.

-         إذا تجاوزت خدمته 25 عاما مهما كان عمره.

ومن الواضح أن تشريعنا يضمن للنائب ألا يعود إلى صف العامة سواء أنجح في دورة أخرى أم لم ينجح. وهو ما يغذي روح الأنانية وحرق السفن والاندماج في تيار المصلحة الشخصية وتقديمها على المصلحة العامة.

 ومن اليوم الأول يبدأ دوره – غالبًا - في زيادة الفوضى، وتغذية الجشع، وتقديم ما تأخر وتأخير ما تقدم، فتنقسم البلاد إلى ضعفاء لا حيلة لهم يقفون في طابور البطالة والبؤس من جهة، ومتنفذين يتنفعون ويُنفِّعون محاسيبهم، ويعززون الفساد بدلا من السعي إلى العدالة وإحقاق الحقوق.

لا يطالبون بمشاريع استثمارية كبيرة تُشغِّل كل الباحثين عن عمل؛ بل يتلذذون باحتكار الفرص القليلة، ومشاهدة أبنائنا وهم يقطعون سنوات عمرهم كمن يمشي على الجمر.

لا يطالبون بتعديل هيكلة الرواتب لتحقيق العدالة بين العاملين في الجمارك مثلا والعاملين في الصحة والتربية وغيرهما، بل هم يحاولون توظيف هذا الاختلال الظالم بتعيين أبنائهم في المواقع ذات الرواتب والمزايا الأكثر ساعين بذلك إلى مجتمع منقسم إلى ظالم ومظلوم، منتفع ومبخوس، غير آبهين بحيرة أبٍ ركب الدَّين والهمَّ لتعليم أولاده، أو أمٍّ وفَّرت ثمن علاجها لتدفعه رسومًا جامعيةً لأبنائها ثم تجمدوا بردًا وجوعاً وشعورا بالتهميش والغبن؛ وقد خاب سعيهم في رحلة لا تصل بــرَّ الأمان، ولا تعرف وجهة أو طريقا.

أي قسوة وأي أنانية وصل إليها حالنا.

كيف تستمرئ في جوفك لقمة غيرك؟

في أي ديانة أو تشريع قرأت ذلك غير شريعة الغاب.

ها نحن نُراكم الخلل فوق الخلل حتى لقد عمَّ الشعور بالظلم والإحباط إلى درجة تُعدِم الإنتاجية، وتقضي على الإبداع، وتعزز الشعور بالضياع والشرذمة.

لقد تمَّ تكييف الديمقراطية في بلادنا حتى صرنا نَعدُّ أصابعنا كلَّما صافحنا شخصية منتخبة على الطريقة العربية. وما كان أصلًا مصمَّمًا لتأكيد سيادة القانون وعدالته؛ أصبح أداة للظلم وتجاوز القانون.

شكرًا لكم ولضمائركم الحيَّــة، فلقد لدغتنا حتى عرفنا عبثية الكلمة ومرارة الصمت.