آخر المقالات

آخر المقالات
جاري تحميل المقالات...
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات. إظهار كافة الرسائل

الخميس، 15 أغسطس 2024

هولندا الداعم الأوروبي الثاني لإسرائيل بعد ألمانيا

 

كتب: علي طه النوباني

تم الاستعانة بحلقة المخبر الاقتصادي كمصدر للمعلومات(https://www.youtube.com/watch?v=0dovfAo9oag)

في بلدة صغيرة جنوب هولندا تُدعى "فونز بارك"، تُعرف هذه البلدة بين الهولنديين بأنها مقر لمستودع "ال سي دبليو" التابع للقوات الجوية الملكية الهولندية، والذي يُعتبر المستودع المركزي في أوروبا لقطع غيار المقاتلات الأمريكية الشبحية "F-35". يتم شحن قطع الغيار من هذا المستودع لحلفاء الولايات المتحدة الذين يستخدمون هذه الطائرة، بما في ذلك إسرائيل. يُعتبر أسطول طائرات "F-35" العمود الفقري للقوات الجوية الإسرائيلية، والتي استخدمتها بشكل كثيف في قصف قطاع غزة خلال العدوان الحالي.

الأحد، 12 فبراير 2023

صناعة النجوم من غبار الزلازل والجثث

 

بقلم: علي طه النوباني



استطاعت فرق الإنقاذ والمتطوعون إخراج عدد لا بأس به من الأحياء من تحت الأنقاض في تركيا وسوريا، وبالمقابل مات الكثيرون، بعضهم مات موتا سريعا أراحهم من عالم زاخر بالقسوة والوحشية والأنانية المفرطة، والبعض الآخر مات موتا بطيئا تحت حِمل الأنقاض والجوع والعطش والأسى على مرارة فقد الأحبة والانهيار المفاجئ لكل شيء.

وفي قلب هذه المأساة سَوَّقت الفضائيات ووسائل التواصل الاجتماعي لنوع جديد من العلماء والمتنبئين الذين أعلنوا مسبقا عن الزلزال، بل إنهم حدَّدوا مكانه وزمانه.

أَمّا المتنبئون، فقد عرفتُ مِنهم اللبناني ميشيل حايك، والمصرية اللبنانية ليلى عبد اللطيف، حيث ذكرا نبوءتهما ليلة رأس السنة الماضية على الفضائيات العربية بحدوث زلزال في تركيا في العام 2023 دون أن يحددا يوما أو شهرا محددا. وأما من أسموهم علماء فواحد من هولندا والآخر من أستراليا وقد نشرا نبوءتهما على تويتر قبل الزلزال بأيام.

وإذا كنا نعرف جميعا أنَّ العلم قد أكَّد لنا في غير مرَّة أنه لا يمكن التنبؤ بالزلازل، وأنَّ القدرات الخارقة للإنسان ما زالت قيدَ الدَّرس، ولم يتمَّ إثباتها علميا بأيِّ شكل من الأشكال؛ فمن أين عرف هؤلاء عن هذه الكارثة قبلها بأكثر من شهرين؟

لقد ادعى الهولندي والأسترالي أنهما تنبآ بالزلزال من خلال مراقبة حركة الكواكب والنجوم؛ بل إن الأسترالي يقول إن أبرز أسباب الزلزال أنَّ القمر كانَ بدرا ليلة الزلزال!

ولكنَّ القمر كان بدرا في الكرة الأرضية كلها، وليس في تركيا وسوريا وحدهما!

والقمر يصبح بدرا اثنا عشر مرة في العام!

ويضاف إلى ذلك أنَّ القمر موجود حول الأرض سواء أكان مضيئا أم مظلما!

أيُّ علماء جُدُد يتمُّ التسويق لهم؟ وعلى أي شعوب ستنطلي هذه الخزعبلات!

أيهما أولى: أن نصدق قدرات هؤلاء المنجمين الخارقة، أم أن نستعمل عقلنا للبحث ومحاولة إيجاد السيناريوهات الممكنة لتفسير الأمر؟

إذا أردنا أن نفهم عقل الرأسمالية، فعلينا أن نفكر بطريقتهم:

إنهم يصنعون المرض ثم يبيعون الدواء واللقاح!

ويصنعون الحرب ثم يبيعون الأسلحة!

 وربما هم الآن يصنعون الزلازل ثم يبيعون تقنيات الأبنية المقاومة للزلازل. ويحققون أرباحا إضافية بصناعة نجوم يصدقهم الناس، ويوجهون الرأي العام. كما يصنعون إنساناً خائفاً ومستسلماً ومهزوماً يستجيب بسهولة لخططهم الدنيئة، ويقوم بتوجيهه عميل لواحد من أجهزة المخابرات التابعة لواحدة من الدول الكبرى.

أيُّ دولة في العالم وصلت إلى تقنية التنبؤ بالزلازل أو حتى صناعتها، وأخفت عن العالم هذا الإنجاز، وأي جهاز استخبارات قام بتسريب الأمر إلى هؤلاء؟

إذن، هي مرَّة أخرى نظرية المؤامرة، ولكن، إذا رفضنا نظرية المؤامرة، فعلينا أن نقبل بأن أشخاصا مثل هؤلاء المتنبئين لديهم قدرات خارقة تتجاوز مئات المرات قدرات العلم ومراكز الأبحاث والتكنولوجيا!

وما الذي يمنع تصديق نظرية المؤامرة سوى الاعتبارات الأخلاقية، وهي ما لا يُحكى عنه قطعيا عند الحديث عن ماكينة الربح والخسارة والرأسمالية؛ وبخاصة إذا ما راجعنا قائمة الجرائم التي ارتكبتها، وما زالت ترتكبها حتى اليوم عن سبق الإصرار والترصد. إنها آلة تصنع وحوشا بشرية بلا ضمير لا يردعها وازع أخلاقي ولا قيمة إنسانية مهما بلغت أهميتها.

 

الثلاثاء، 26 يوليو 2022

الرماة ليسوا على الجبل أصلاً

 

بقلم: علي طه النوباني

الرماة ليسوا على الجبل أصلاً.

إنهم هناك في قعر وادي القهر والفقر والبطالة واللاعدالة.

إنهم هناك يحللون ويفسرون آلية ظهور الأقدام الكاذبة للأميبا في مستنقع التدليس والفساد والإفساد.

الرماة لا يملكون ثمن البنزين لكي يصلوا إلى مواقع الاجتماعات الكثيرة التي يتسلل إليها المتفذلكون والانتهازيون وصيادو المناصب والمنافع.

الرماة لا سهام في جعابهم، ولا نعال في أقدامهم، ولا ثياب على جلودهم، ولا أحلام في رؤوسهم، ولا حتى ماء في خزانات بيوتهم.

الرماة لم يعد لديهم القدرة العقلية على استيعاب المتفذلكين الذين يشبعون الناس كلاما ثم ينقلبون إلى منظرين ومنافقين للسلطة بعيوبها قبل مزاياها.

الرماة دفعوا كل ما لديهم لتعليم أولادهم بعد أن تحملوا شظف العيش ومرارة الحرمان، ثم جلسوا مع أولادهم في البيوت يراقبون كيف يعين النواب والمتنفذون أقاربهم ويقودون الفساد والمحسوبية.

الرماة رأوا غيرهم وهم يأكلون حقهم فأصيبوا بمتلازمة المظلوم اليائس من الحصول على حقه بعد أن وعده ألف متفذلك بالعدل والإنصاف ثم تخطى راسه وهو ساجد لله إلى مصالحه الضيقة.

الرماة لم يعد يهمهم فصاحة اللسان، والقدرات الفائقة على تنميق الكلام؛ لأن كلَّ من رأوهم من هذه النمرة باعوهم بأرخص الأثمان عند أول مكسب صغر أم كبر.

الرماة مَلّوا من ذوي البطون الجرباء الذين لا مانع لديهم من سحب لقمة خبز من فم جائع بائس دون أدنى شعور بوخز الضمير أو الخوف من الرب القدير.

أجزم أن الرماة يطالبون قبل أن يحاولوا الدوس على جراحهم أن يغيب المنافقون والأفاقون وَمُجَمِّلو الواقع البائس عن الساحة - وما أكثرهم - لكي تتضح الرؤيا لأن المتفذلكين مثل الضباب ومثل السراب يشوهون المشهد ويفقدوننا القدرة على الرؤية.

الرماة تركوا للأفاقين الجبل؛ لأنه يحتاج إلى مصاريفَ جاريةٍ لا قبلَ لهم بها. وإلى أن يجدوا طريقةً لِحلِّ المُعادلات الصعبة، ستبقى صناعة التخلف والتنظيرُ لها مهمة المنافقين والأفاقين وصناع الظلام.

 

 

الأحد، 26 يونيو 2022

إعاقة الطابق الرابع لدى أستاذ حقوق الإنسان!

 

بقلم: علي طه النوباني

من يعرفني، يَعرفُ رباطةَ جأشي، وَيعرفُ أَنّي لم أسمح لتافهٍ هُنا أو هُناك أن يوقف مَسيرتي وكِفاحي في الحياة أو أن يثبط عزيمتي. وقد لاحظت على نفسي أَني لم أكتب الكثير عن الإعاقة على الرغم من معاناتي الكبيرة في الحياة بسببها.

لماذا لم أكتب عن الإعاقة؟

قرأت يوما ما أَنَّــهُ إذا سقطت شجرة على شخص ما فانكسر ظهره، فإن ذلك الحدث لا يعتبر مأساة عامة، وإنما هو مأساة تخص ذلك الشخص وحده. وربما كان ذلك فهما إغريقيا قديما للمأساة أو التراجيديا بمفهومها الأدبي النقدي؛ لكنه بصراحة أثر بي كثيراً.

أما اليوم وقد رأيت بأم عيني الحضارات المتقدمة كيف أدمجت الأشخاص ذوي الإعاقة في المجتمع بكل مرافقه، وأزالوا الحواجز التي تمنعهم من المشاركة في فعاليات الحياة؛ فعاش الكثيرون منهم حياة طبيعية إلى حد بعيد؛ فإن شريط الذكريات المرة يمر أمام عيني كما تمر مشاهد الأشخاص ذوي الإعاقة الذين يُظلمون يوميا في مجتمعاتنا التي تزاود على العالم بالحديث عن الإنسانية والخير.

تجولت على العديد من الصفحات على مواقع التواصل الاجتماعي، فلاحظت أنَّ آلاف المبادرات الخجولة انطفأت بسبب عدم تفاعل المجتمع وعدم اهتمامه بقضايا الأشخاص ذوي الإعاقة. وليس أَدلَّ على ذلك من أن أضع منشورا عن حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة؛ فيعلمني الموقع بأن ألف شخص قد رأوه لكنه لم يحصل إلا على إعجاب واحد!

تذكرت مساق حقوق الإنسان الذي سجلت لدراسته أيام كنت طالبا في الجامعة في أوائل التسعينات من القرن الماضي. كان مكان القاعة في الطابق الرابع في مبنى الاقتصاد، ولم يكن في المبنى مصعد؛ فطلبت من الدكتور الذي يدرس حقوق الإنسان أن ينقل المحاضرات إلى الطابق الأول، فنقل المحاضرة الأولى ثم نظر نحوي في منتصف المحاضرة قائلا: " أنا ما بعرف أحكي في الطابق الأول، رح نرجع على الطابق الرابع وعليك أن تدبر أمرك!".

فصل دراسي كامل وأنا أصعد الأدراج على عكازتي المتهالكتين حتى الطابق الرابع لأن مدرس "حقوق الإنسان" لا يرتاح في الطابق الأول. وعلى الرغم من أن قاعات الطابق الأول كانت فارغة!

كان هذا أول احتكاك منهجي بيني وبين حقوق الإنسان على طريقة خريجي فرنسا في الحقوق!

أما أستاذ النثر الحديث فقد كان أكثر لياقة عندما ترك مليون قصة قصيرة في الأدب العربي واختار قصة بعنوان" الصبي الأعرج" ليطرحها في المحاضرة، وعلى الرغم من أني لم أُبدِ أي احتجاج على اختياره، وبرهنت ذلك بمشاركتي في الحوار الذي أداره حولها، إلا أن الأستاذ نظر نحوي في منتصف المحاضرة قائلا: أعتذر للأخ "علي" عن هذا الاختيار، وكأنه اختار هذه القصة عمدا ليصل معي إلى هذه النقطة!

قلت له: لا عليك، لا داعي للاعتذار.

من اليوم، لن أعير التفاتا لذلك الجانب من الفلسفة الإغريقية الذي يعزل ويهمل مآسي الناس واحتياجاتهم، ولن أترك فرصة لتذكير عديمي الضمير وذوي الاحتياجات البارانووية الحادة الذين لا يعرفون أن يتحدثوا عن حقوق الإنسان إلا في الطابق الرابع بمسؤولية الجميع تجاه الأشخاص ذوي الإعاقة، فهنالك الكثير الكثير منهم يعيشون ظروفا صعبة جدا، وينتظرون تنفيذ قانون حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة رقم 20 لسنة 2017، والذي لن تتحقق رؤيته دون وعي المجتمع واهتمامه الذي يعبر -إن تحقق- عن درجة عالية من التحضر.


الأحد، 5 يونيو 2022

الجُزء الثالث من قصة الأعرابي والإبل "مظفر النواب وفلسفة الشتائم"

 

بقلم: علي طه النوباني

تجنب أغلبية النقاد الخوض في شعر مظفر النواب لأسباب عديدة، منها كثرة الشتائم المقذعة في شعره على نحو يهدد الناقد بانقطاع مصدر رزقه إذا ما كتب عن شاعر هَجّاء كمظفر النوّاب، ومنها ندرة المصادر الأصلية لشاعر قضى حياته هاربا ومشردا بين البلدان، ولم يحتفظ بنظام صديق يطبع شعره ويروجه.

ولكن السبب الذي طرحه النقاد كثيرا هو ادعاء الأنفة عن الشتم، والتعالي عن لغة الشتائم الصريحة والمبطنة، وهم بذلك يتجاهلون أن غرض الهجاء في الشعر العربي كان أساسيا ومولِّدا للكثير من الدلالات العميقة، بل ومؤثرا مفصليا في الكثير من الأحداث السياسية والاجتماعية.

وإذا ما خضنا في فلسفة الشتم ونقيضه التأدب، فالسلطة مؤدبة غالبا -بهذا المقياس- لأنها قادرة على القتل والمسح من سجل الحياة، وليست بحاجة إلى الشتم؛ حالها في ذلك حال اللصوص الذين سرقوا إبل الأعرابي، وهو تأدب لعمري يفوق قلة الأدب بشاعة. أما الضعفاء فهم غير قادرين على شيء سوى الشتم، وهو مغامرة غير محمودة النتائج، وربما يدفعون حياتهم ثمنا لها كما حدث مع الشاعر الأيقونة "دعبل الخزاعي" الذي مات مقتولا.

ولكن هلا تأملنا كم من الشعراء الكبار أقذعوا في الهجاء؟

هل منعت نقائض جرير والفرزدق والأخطل الثقافة العربية من حفظ أشعارهم وتصنيفهم في مقدمة الشعراء الكبار.

وهل منعت قصائد الهجاء المرّ التي كتبها المتنبي من الخوض في عظمة شعره وروعة حكمته وعميق معناه.

وماذا عن ابن الرومي الذي قال عنه المرزباني "لا أعلم أنه مَدَحَ أحداً من رئيس أو مرؤوس إلا وعاد إليه فهجاه؛ ولذلك قلَّت فائدته من قول الشعر، وتحاماه الرؤساء". وعلى الرغم من ذلك، وَصَلَنا ديوان شعر ضخم لابن الرومي، واحتفى به نقاد الشعر، وأعطوه شيئا من حقه. وإذا أردتَ أن تتوسع في معرفة طريقة ابن الرومي في الهجاء، فاذهب إلى ديوانه، وشاهد بعينك أنواع الشتم التي تتخلل عظمة قدرته على التصوير، والتشكيل اللغوي والفني البديع.

وفي ذروة الحضارة العربية الإسلامية هجا دعبل الخزاعي عددا من الخلفاء ومنهم المعتصم، فلم يُلحَّ المعتصم في طلبه للقصاص عندما هرب دعبل إلى رؤوس الجبال، وقُدِّر لدعبل أن يموت بالسم على يد مالك بن طوق بعد أن هجاه بقوله:

إِنَّ اِبنَ طَوقٍ وَبَني تَغلِبٍ                     لَو قُتِّلوا أَو جُرِّحوا قَصرَه

لَم يَأخُذوا مِن دِيَةٍ دِرهَماً                 يَوماً وَلا مِن أَرشِهِم بَعرَه

دِمائُهُم لَيسَ لَها طالِبٌ                       مَطلولَةٌ مِثلَ دَمِ العُذرَه

وُجوهُهُم بيضٌ وَأَحسابُهُم                       سودٌ وَفي آذانِهِم صُفرَه

واللافت للنظر أن دعبلاً قد تعرض في شعره لخلفاء كثيرين إلا انَّ نهايته كانت على يدِ مَن كانَ أَقَلَّ مِنهم مكانةً وسلطاناً فمالك بن طوق هو أحد ولاة الرشيد والواثق والمتوكل. وعلى الرغم من ذلك كله فقد وصلنا جزء جيد من شعر دعبل الخزاعي (ونأسف أشد الأسف لما ضاع منه)، ولم يختلف النقاد على أهميته كشاعر من الطبقة الأولى.

ولكن ماذا يحدث؟ هل نسير إلى الوراء في كل شيء؟!

كان أهل اللغة والأدب في ذروة الحضارة العربية الإسلامية ينصفون المبدعين الكبار مهما أقذعوا في الهجاء، وحتى لو كان يهجو الخليفة نفسه، واليوم يقف الناقد متحدثا عن التأدُّب لا الأدب وكأن السلطة أحكمت وثاق كل شيء في حياتنا حتى لم نعد نميز بين ما هو سياسة وما هو فن.

لقد هجا دعبل المعتصم على ما نعرفه عن سيرة المعتصم فلم يترفع النقاد عن ذكر قيمة فنه الشعري بعيدا عن موقفهم الأخلاقي من فكرة الهجاء والشتم، وهجا مظفر النواب النظام السياسي العربي في عصر الهزائم والانهيار فذاب النقاد أخلاقاً وتجنبوه، بل إن بعضهم أسقط عليه مواقف اعتباطية نابعة من قربه من الشارع والناس، وكأن القرب من ضمير الشعوب جريمة، وهو أمر إن دلَّ على شيءٍ فإنما يدل على أن حضارتنا أصبح لها وجه واحد هو وجه السلطة، وهو وجه غير ولاد ولا يكفي للبقاء، وإني أحسب أننا قريبا سنجتمع مع الديناصورات في متاحف التاريخ ككائنات لم تحترم مبدعيها وثوارها الذين حاولوا أن يدبوا الحياة في اليباس، وديناميكية التغير في السكون القاتل، وحركية الجماهير في قماءة السلطة.

لقد نسي أولئك أن مظفرا لم يفعل شيئاً غريبا على حضارتنا، فقد عبر عما يناسب مقتضى الحال، بل لعلهُ تَحرّى الأَدب في كثير مما قاله أكثرَ مِنْ أولئك المُتَردِّدين المُتَزَيِّنينَ بالكَلامِ المُنمق الذين لا تعرف لهم وجها من ظهر.

وفي نهاية المطاف، الشعوب الحية هي التي تصنع معايير الفن، ويمكن لكل منا أن يتجاوز فذلكات نقاد السلطة الخائفين على لقمة عيشهم، ويرى مظفر النواب وهو ينطق بحال الجماهير المسحوقة قائلا:

وطني أنقذني

رائحةُ الجوع البَشَرِيِّ مُخيفة

وَطَني أَنقِذني

مِن مُدُنٍ سَرَقَتْ فَرَحي

أَنقِذني مِن مُدُنٍ يُصبِحُ فيها الناسُ

مَداخِنَ للخَوفِ وَللزِّبلِ

مُخيفَة

مِن مُدُنٍ تَرقُد في الماءِ الآسِنِ

كالجاموسِ الوَطَنِيِّ

وَتَجْتَرُّ الجيفة

أنقِذْني كَضَريحِ نَبيٍّ مَسروقْ

في هذي السّاعة في وطني

تَجتمعُ الاشعارُ كَعُشبِ النَّهرِ

وترضَعُ في غَفَواتِ البَرِّ

صِغارُ النّوقْ

يا وَطَني المَعروضُ كَنَجمةِ صُبح في السّوقْ

السبت، 4 يونيو 2022

الجُزء الثاني من قِصَّةِ الأَعرابيِّ والإِبل

 

بقلم: علي طه النوباني

رأيت مَنشورا على فيسبوك لواحد ممن يُفترض بهم أن يدافعوا عن الناس وهو يتفذلك بحديث ممجوج دفاعًا عن باطلٍ ظاهر، ورأيت "شرشورا" من الشتائم المبطنة في خانة التعليقات، فخطر لي أن أكتب الحلقة الثانية من قصة الأعرابي الممنوع من الشَّتم.

لقد انتبه زهير بن أبي سلمى منذ ما يزيد على ألفِ سَنه إلى أنَّ الوقاية من الشتم لا تكون بتكميم الأفواه، وتغليظ العقوبة، ومنع الناس من الفضفضة، بل تكون بالاستقامة، وفعل الخير، وعمل كل ما يجلب الذكر الطيب، فإذا لم يعلن الناس أن فلاناً حقيرٌ وظالم، أو منافق ونذل، أو فاسد وخسيس، فإنهم يتناقلون الدّلالات نفسها خلسة؛ فتحفظها الأجيال، وتصبح تاريخاً بعد أن كانت مجرَّدَ شتائم.

صدق زهير بن أبي سلمى حين قال:

وَمَنْ يَجْعَلِ المَعْرُوفَ مِنْ دُونِ عِرْضِهِ

                                               يَفِرْهُ، وَمَنْ لَا يَتَّقِ الشَّتْمَ يُشْتَمِ

وهذا يعني أن هنالك من يبذلون قصارى جهدهم لكي يبوؤوا بالشتم؛ كما حدث مع الراعي النميري عندما أوقع نفسه بلسان جرير؛ فأطفأ ذكر قومه، وأخرج نفسه من مجالس الكبار كما جاء في قول جرير:

أَتَلتَمِسُ السّبابَ بَنو نُمَيرٍ               فَقَد وَأَبيهِمُ لاقوا سِبابا

وصاحبنا في هذا مثل الطبيب الذي اختاره الناس لعلاج جراحهم، ففعل مثلما فعل ابن شمعون في قول بلبل الغرام الحاجري:

طِبُّ اِبنُ شَمعونٍ بِلا ريبَةٍ            حكمٌ عَلى هَذا الوَرى يَقضي

ما عادَ يَوماً مَن بِهِ عِلَّةٌ                وَعادَ مَوجوداً عَلى الأَرضِ

       يَمشي وَعَزرائيلُ مِن خَلفِهِ                  مُشَمِّرَ الأَردانِ لِلقَبضِ 

تبا لك من طبيب، وتبا لكل من يشيد بك بعد هذا، أوتحتمل الحال البائسة التي يعيشها الناس فذلكة أمثالك ممن يتفننون في تبرير الظلم، وقوننة الفساد! أم هل يحتاج الطغيان إلى محامين مدلِّسين.

وقد عرفناك خير ممثل لقول بشار بن برد:

إذا جِئتَهُ في حاجةٍ سَدَّ بابَهُ                     فلَمْ تَلْقَهُ إلا وأنْتَ كَمينُ

إذا سَلّمَ المِسكينُ طار فُؤادُهُ                مخافةَ سُؤْلٍ واعْتراهُ جُنُونُ

أو قول ابن الرومي:

مَلَكَ النفاقُ طباعَه فتَثَعْلَبا                 وأبى السماحةَ لؤمُهُ فاستكلبا

فترى غروراً ظاهراً من تحته            نَكدٌ فَقُبِّح شاهداً ومُغيَّبا

ولَشرُّ من جرَّبتَهُ في حاجةٍ             من لا تزال به مُعنَّىً مُتعبَا

من لا يبيعُك ما تريد ولا يرى          لك حُرمةً إن جئته مُستوهِبا

لقد احتوى الشعر العربي على الكثير من الحكمة في باب الهجاء والشتم، وذِكرِ ما رآه الشعراء من قُبح، وعندما يُمنع الأعرابي من الشتم تتحول الطاقة من شكلٍ إلى آخر، وتبقى نظرية زهير بن أبي سلمى قائمة:

وَمَنْ لَا يَتَّقِ الشَّتْمَ يُشْتَمِ

 

 

 


الثلاثاء، 15 مارس 2022

انتهازية الحياد في قضية روسيا وأوكرانيا

 


بقلم: علي طه النوباني

قال لي أحد الأصدقاء: أنا محايد، لا أتعاطف مع روسيا، ولا أتعاطف مع أوكرانيا. فما الغريب في ذلك؟

رأيت أن الأمر يحتاج إلى جدل طويل فالتزمت الصمت، ربما لأني لم أكن أمتلك الطاقة الكافية لهذا الجدل في تلك اللحظة، فبدا الأمر وكأني فقدت الحجة، أو كأني مُنحاز عاطفيا دون مسوغ عقلي مقبول.

في البداية أؤكد على تعاطفي مع الشعب الأوكراني الذي وقع ضحية نخبة سياسية تواطأت مع مخططات الغرب التي تهدف للاستفراد بحكم العالم، والمحافظة على التخلف والتبعية في كل البلاد التي تقع خارج نطاقه؛ للاستمرار في نهب خيرات الشعوب ونهب مقدراتها وإخضاعها لمصالح الإمبريالية التوسعية التي لا حدود لجشعها.

منذ أن خرجت الدولة العثمانية من منطقتنا، بذلت بريطانيا العظمى جهودا جبارة لمنع منطقتنا العربية من دخول التاريخ بعد غياب دام ما يقارب أربعة قرون، ثم قامت بتسليم دورها للولايات المتحدة التي ما زالت تتفنن في الحفاظ على تخلفنا وفسادنا وفوضانا غير الخلاقة، وليس أدل على ذلك من الدعم غير المحدود للكيان الصهيوني المزروع في قلب بلادنا العربية بكل ما يمتلكه من عنصرية ووحشية وقدرة على تعطيل أي بادرة أمل لشعوبنا العربية في التنمية والنهوض والتحرر. وهكذا، فإننا نتحدث عما يزيد عن مئة سنة أخرى من عمر شعوبنا هدرتها الإمبراطوريات الاستعمارية الغربية فيما يشبه رحلة سيزيف إلى قمة الجبل، فكلما خطونا خطوة للأمام؛ أعادونا عشرة للوراء.

ها هما الولايات المتحدة وبريطانيا تقودان الناتو الذي يسيد ويميد في العالم ضاربا هذا ومدمرا ذاك، وساعيا إلى الاستفراد الكامل بحكم العالم بتحطيم أي قوة تنافسه وخنقها بكل الطرق أخلاقية كانت أو غير أخلاقية.

يقابل قوة الناتو قوى أخرى تحاول أن تخلق توازنا في هذا العالم القلق وعلى رأسها روسيا والصين، وهما على أي حال لا يمتلكان التاريخ الاستعماري الإجرامي للغرب، ونحن بالمقابل نحتاج إلى من يعيد التوازن إلى عالمنا بعد أن استفردت به قوى متوحشة مخادعة ومجرمة ومنحازة ولاأخلاقية.

إذا كنت لا تقدر رومنسية الاتحاد السوفييتي عندما انحاز للمظلومين والفقراء في هذا العالم، وإذا كنت لا تقدر عمال الاتحاد السوفييتي الذين كانوا يكدحون ليوفروا السلاح والغذاء للثوار في أطراف عالمنا، وإذا كنت لا تعترف بأن الاتحاد السوفييتي هو الذي ضغط دوليا لتثبيت حقوق العمال في كل العالم حتى صارت حقا مكتسبا للجميع؛ فليس أقل من أن تنحاز للقوى الناشئة ليس بالضرورة محبة لها؛ وإنما من أجل عالم متوازن لا يستفرد بحكمه طاغية مخادع أفاق.

شخص آخر كتب على صفحته على فيسبوك عن ازدواجية المعايير لافتا النظر إلى مقارنة خاطئة بين ما حدث في سوريا وما حدث في العراق، وقافزا عن حقيقة أن الولايات المتحدة قد أسقطت الدولة في العراق، في حين أن النظام الشرعي في سوريا استعان بحليفه في مواجهة المرتزقة الذين يعرف الجميع مصادر تمويلهم، وكيف ينقلهم أسيادهم مثل الدُّمى من جبهة لجبهة وكأنهم روبوتات مبرمجة لصالح الولايات المتحدة والغرب؛ يخوضون المعركة نفسها في أفغانستان والعراق وسوريا وليبيا، وها هم ينتقلون الآن إلى أوكرانيا، ولست أعرف تحت أي مبرر لحفظ ماء الوجه ينتقلون للحرب في أوكرانيا!

ناشط آخر تخصص في هذه الفترة بانتقاد اهتمام الناس بالانحياز لطرف دون آخر في الحرب الروسية الأوكرانية موحياً بأنها حرب لا ناقة لنا فيها ولا جمل، وكأنها تحدث في كوكب آخر يبعد عنا مئات السنوات الضوئية.

الحَيادُ السلبيُّ أسوأ بكثير من الانحياز للظالم، لأنَّ الأَخِير عَلى الأغلب مُضَلَّل أو انتهازي مكشوف، أما أنت فواحد ممن يقومون بفعل التضليل من موقعك كمثقف.

 إذا كنتَ أنت على المستوى الشخصي بخير، ترتدي ملابس أنيقة، وتُحَصِّلُ دخلا جيدا، وتؤمِّن مستقبل أولادك، فالأمة - كما ترى - ليست بخير، واعلم أنك من القلة القليلة التي خدمتها الفوضى بمحض الصدفة، وأنك بحيادك تؤدي ثمن ما أنت فيه لمن صنعوا الفوضى عن وعي أو عن غير وعي. فإذا كنت تركن إلى حالك هذا؛ فتذكر، ليس بالضرورة أن تخدم الفوضى أولادك - كما خدمتك - لأنها ببساطة (فوضى): فكِّر بالأجيال القادمة، وحقها بعالم أكثر توازنا وعدلا.

الأرض بيتنا جميعا، وكل ما يحدث فيها يعنينا، والحياد السلبي هو انتهازية من ينتظر المنتصر ليكذب عليه ويقول: كنت معك!

 

 

 

 

 

 

 

 

الخميس، 14 يناير 2021

تدوير الفساد باسم الديمقراطية

 


بقلم: علي طه النوباني

يتودَّد النواب للوزراء لتعيين أولادهم ومحاسيبهم في أغرب شكل للديمقراطية عرفته البشرية في القرن الحادي والعشرين؛ حيث لا يستطيع أضخم الحواسيب أن يفهم الآليات السحرية التي تستخدم لتحديد مُمَثلي الشعب، ناهيك عن أن يَفهم دورهم في الدولة؛ والذي يتدرج من التشريع والرقابة إلى الاستجداء والتجاوز عن حقوق العباد والمشاركة في الفساد.

تنقسم المدن والحواضر في مواسم الانتخابات إلى عشائر متنافسة؛ وأحيانا متناحرة؛ فيقوم الذكور من كلِّ عشيرة بانتخاب مرشح العشيرة ثم يفرضونه على النساء للتصويت له. ويبذل كلّ مرشح أقصى جهده للحصول على رضا الجهات التي تقرر من يناسب المرحلة ومن لا يناسبها، فإذا ما أصبح نائبا فقد تخطى الرقاب، وتجاوز حدود الصحراء والسراب، وأدرك أسرار فتح الأبواب، والمتاجرة بالخطأ قبل الصواب.

يحصل النائب لدينا على تقاعد كبير مدى الحياة مهما كان عمره بشرط أن يكون له خدمة 7 سنوات منها 4 سنوات في مجلس النواب.

وللمقارنة: يحصل عضو الكونجرس الأمريكي على راتب تقاعدي في الحالات التالية:

-         إذا تجاوز عمره 62 عاما، وكانت له خدمة 5 سنوات على الأقل.

-         إذا تجاوز عمره 50 عاما، وكانت خدمته 20 سنة على الأقل.

-         إذا تجاوزت خدمته 25 عاما مهما كان عمره.

ومن الواضح أن تشريعنا يضمن للنائب ألا يعود إلى صف العامة سواء أنجح في دورة أخرى أم لم ينجح. وهو ما يغذي روح الأنانية وحرق السفن والاندماج في تيار المصلحة الشخصية وتقديمها على المصلحة العامة.

 ومن اليوم الأول يبدأ دوره – غالبًا - في زيادة الفوضى، وتغذية الجشع، وتقديم ما تأخر وتأخير ما تقدم، فتنقسم البلاد إلى ضعفاء لا حيلة لهم يقفون في طابور البطالة والبؤس من جهة، ومتنفذين يتنفعون ويُنفِّعون محاسيبهم، ويعززون الفساد بدلا من السعي إلى العدالة وإحقاق الحقوق.

لا يطالبون بمشاريع استثمارية كبيرة تُشغِّل كل الباحثين عن عمل؛ بل يتلذذون باحتكار الفرص القليلة، ومشاهدة أبنائنا وهم يقطعون سنوات عمرهم كمن يمشي على الجمر.

لا يطالبون بتعديل هيكلة الرواتب لتحقيق العدالة بين العاملين في الجمارك مثلا والعاملين في الصحة والتربية وغيرهما، بل هم يحاولون توظيف هذا الاختلال الظالم بتعيين أبنائهم في المواقع ذات الرواتب والمزايا الأكثر ساعين بذلك إلى مجتمع منقسم إلى ظالم ومظلوم، منتفع ومبخوس، غير آبهين بحيرة أبٍ ركب الدَّين والهمَّ لتعليم أولاده، أو أمٍّ وفَّرت ثمن علاجها لتدفعه رسومًا جامعيةً لأبنائها ثم تجمدوا بردًا وجوعاً وشعورا بالتهميش والغبن؛ وقد خاب سعيهم في رحلة لا تصل بــرَّ الأمان، ولا تعرف وجهة أو طريقا.

أي قسوة وأي أنانية وصل إليها حالنا.

كيف تستمرئ في جوفك لقمة غيرك؟

في أي ديانة أو تشريع قرأت ذلك غير شريعة الغاب.

ها نحن نُراكم الخلل فوق الخلل حتى لقد عمَّ الشعور بالظلم والإحباط إلى درجة تُعدِم الإنتاجية، وتقضي على الإبداع، وتعزز الشعور بالضياع والشرذمة.

لقد تمَّ تكييف الديمقراطية في بلادنا حتى صرنا نَعدُّ أصابعنا كلَّما صافحنا شخصية منتخبة على الطريقة العربية. وما كان أصلًا مصمَّمًا لتأكيد سيادة القانون وعدالته؛ أصبح أداة للظلم وتجاوز القانون.

شكرًا لكم ولضمائركم الحيَّــة، فلقد لدغتنا حتى عرفنا عبثية الكلمة ومرارة الصمت.