التسميات

شعر علي طه النوباني دراسات ومقالات قصص علي طه النوباني شعر ميسون طه النوباني علي طه النوباني قصص عبد الله الحناتلة شعر أدونيس ترجمات شعر الوأواء الدمشقي شعر المتنبي شعر كمال خير بك شعر الشيخ الأكبر بن عربي شعر العباس بن الأحنف شعر د. عطا الله الزبون شعر هاشم سوافطة شعر هناء مسالمة فعاليات ثقافية مقالات تحميل كتب شعر البحتري شعر د. إبراهيم السعافين شعر يوسف الخال أخبار شعر أبو العلاء المعري شعر أبو نواس شعر أمل دنقل شعر إبراهيم ناجي شعر د. شفيق طه النوباني شعر شفيق المعلوف شعر مصطفى صادق الرافعي شعر أحمد دحبور شعر أحمد مطر شعر إيليا أبو ماضي شعر الحلاج شعر الشنفرى شعر الصمة القشيري شعر العراس بن الأحنف شعر المثقب العبدي شعر بشار بن برد شعر توفيق زياد شعر خلدون بني عمر شعر رابعة العدوية شعر زهير بن أبي سلمى شعر سميح القاسم شعر طارق بنات شعر عبد الله البردوني شعر مجنون ليلى شعر مجنون ليلي شعر مظفر النواب شعر نازك الملائكة شعر نزار قباني قصص د. شفيق طه النوباني مقامات حديثة

السبت، 1 يناير 2011

منظومة القيم في مسلسل "شيخ العرب همام"


منظومة القيم في مسلسل "شيخ العرب همام"
د. شفيق طه النوباني

 تستحق الأعمال الدرامية التي تعرض على الشاشات الفضائية اهتماما أكبر في الوسط النقدي والثقافي، فهي أعمال تنال متابعة واهتماما واسعا من المجتمع بشرائحه المتنوعة،  ومن المفروغ منه أن هذه الأعمال تمارس تأثيرا كبيرا في المجتمع إثر هذه المتابعة. وقد تم تناول عدد من هذه الأعمال في الصحف والمجلات الثقافية والفنية بالنقد الإيجابي والسلبي، بل إن بعضها نال من النقد الإيجابي أو السلبي أكثر مما تستحق. 
سوف أتناول في هذه المقالة عملا دراميا يستحق من المشاهد أن يجلس أمام التلفاز ساعة على مدى واحد وثلاثين يوما، فهو عمل يأسر المشاهد بأحداثه وشخصياته المتقنة وتناوله لملامح المجتمع واستلهامه لأحداث التاريخ، بل إنه يعاين معاينة دقيقة للعقلية العربية وعمقها الثقافي الذي مارس تأثيره الجوهري على حركة التاريخ وتفاصيل الحياة في المنطقة.
عرض مسلسل "شيخ العرب همام" على فضائية أبو ظبي في شهر رمضان، وهو يتناول محاولة زعيم صعيدي مشهور للسيطرة السياسية على منطقة الصعيد في مصر إبان حكم المماليك في القرن الثامن عشر دون أن يغيّب شكل الحياة الاجتماعية في هذه المرحلة، ولعل محاولة توصيل العمل لشكل الحياة هذا هو الذي جعله يتجاوز تفاصيل التاريخ، بل جعله يتجاوز أيضا بعض المنقول تاريخيا عن شخصية شيخ العرب همام.
معركة شيخ العرب مع المماليك هي معركة السلطة التي يحاول كلا الطرفين الاستحواذ عليها في مناطق الصعيد، وهي معركة لا تتوقف في أدواتها على أدوات الحرب بل تمثل القيم قوامها، بل إن أدوات الحرب الحقيقية لم تتم إلا في آخر حلقتين حيث خسر جيش شيخ العرب أمام جيش علي بك المملوكي في أسيوط، وقد انتهت هذه الحرب نهاية موجعة لشيخ العرب، إذ أدت إلى موته قهرا وكمدا. إنها نهاية لا تحاول تجميل الواقع والتاريخ، بل تعبر عن سيرة المنطقة التراجيدية بكل ما فيها من محاولات مجهضة للتغيير.
يمثل شيخ العرب همام منظومة قيمية لا تقترن بالصعيد المصري حسب بل ترتبط بالعقلية العربية بكليتها، فقد جاءت رئاسة همام لقبائل هوارة في صعيد مصر بحكم الوراثة، وقد استطاع أن يقوم بدور الشيخ الذي يتمثل قيم مجتمعه بروح متسامحة، فهو يجلس كل صباح ليحل مشاكل الناس منطلقا في ذلك من إحساسه بالمسؤولية المباشرة عنهم، وهو يقدر أهمية الأقرباء من أبناء عمومته إذ جعل مشورته فيهم، لكن تقديره لأبناء عمومته لم يجعله يخرج عما يمليه عليه انتظامه في القيم التي ترسخت خلال حقب تاريخية موغلة في القدم، فعلى الرغم من اعتراض ابن عمه إسماعيل على حماية همام لقاطع الطريق جابر الذي أحب ابنته ليلى وتصميمه على قتله إلا أن شيخ العرب منع ذلك وزوّجه من إحدى الجواري إذ رأى أن جابرا لم يمس شرف العائلة حين أحضر ليلى إلى أهلها دون أن يخطفها.  
لم يتوقف تأثير مفهوم الإجارة على الإسهام في التفريق بين همام وابن عمه إسماعيل، بل أسهم أيضا في توسيع الهوة بينه وبين المماليك إذ أجار من يهرب منهم إليه في الصعيد نتيجة خلافاتهم الداخلية التي تستوجب أن ينفذ المستضعفون من كبرائهم بأرواحهم. فالتزام شيخ العرب بمبادئه وقيمه لم يصب في مصلحته أمام المماليك  بل وضعه في موقف أكثر تشددا، بل إن إجارة علي بك الكبير الذي استجار به بعد أن انقلب عليه أحد كبار المماليك لم يشفع لهمام أمامه ولم يجعله ينجو من محاولاته للقضاء على قوته في الصعيد.
في مقابل هذا الالتزام الكامل بالمبادئ والقيم لدى شيخ العرب نجد تجردا كاملا منها لدى المماليك، وهذا لا يعني بالطبع انعدام وجود منظومة قيمية لدى هذه الفئة من الناس، لكن هذه المنظومة لم تتشكل بما يكفي لترسخها في دواخلهم، فهم مجموعة من العبيد الذين تحوّلوا إلى أسياد، وتحولت على إثر ذلك قيمهم من قيم العبيد إلى قيم الطبقة الحاكمة، لكن هذه القيم الجديدة لم تمتلك أرضية تاريخية واجتماعية راسخة تتناسب مع طبيعة تكوينهم الاجتماعي من جهة ومع طبقتهم الاجتماعية الجديدة من جهة أخرى.
لقد أشار محمد أبو الذهب- أحد شخصيات المماليك- إلى مفهوم الأستذة لدى المماليك في مقابل الوراثة لدى عرب الصعيد، فالمملوك يعدّ أميره أستاذه الذي يتلقى منه أصول السياسة والحياة، كما أن كبار المماليك يتعاهدون فيما بينهم عهد الوفاء الذي يستوجب عدم خيانة أحدهم لآخر، لكن هذا العهد لا يصمد أمام خلافاتهم ومحاولات كل منهم المستمرة للسيطرة على السلطة، وفي مقابل ذلك نجد في الصعيد نوازع أقل بكثير للسلطة كما نجد انصياعا غالبا لمراد شيخ العرب همام.
لقد استطاع علي بك من خلال افتقاره إلى منظومة قيمية راسخة ومن خلال إدراكه لطبيعة قيم الصعيد المصري أن يتغلب عليهم، كما أن ترسخ القيم لدى شيخ العرب لدرجة لم يستطع من خلالها تصور أن يتجرد منها علي بك إلى هذا الحد لم يمكنه من التغلب عليه، إذ لم يتخيل أن ينقلب عليه بعد أن أجاره ومكنه من استعادة منصبه في القاهرة، هذا على الرغم من كون شيخ العرب لا يفتقر إلى الدهاء المعروف لدى العرب في تراثهم السياسي، لكنه دهاء يبقى في ذلك الإطار القيمي والعرفي، وهل كان دهاء عمرو بن العاص في موقف التحكيم الشهير إلا دهاء نابعا من هذا العرف إذ التزم كلا المحكمين بالكلمة، فسادت دولة الأمويين بناء على هذه الكلمة؟
ولا أرغب في هذه المقالة بالتوقف على ما يمكن أن نخلص إليه في تعامل العقل العربي مع الآخر في هذه المرحلة التاريخية إذ يبدو ذلك بدهيًّا في ظل هذا التناول، لكنني سأتوقف عند بعض إفرازات المنظومة القيمية السائدة، فقد انتهت ليلى ابنة إسماعيل إلى الجنون نتيجة إصرار أبيها على عدم تزويجها ممن لا تتوافر فيهم السمات التي تقتضيها الطبقة التي ينتمي إليها إسماعيل، فجابر الذي أحبها رفض إسماعيل أن يزوجه إياها لأنه قاطع طريق مقطوع النسل، بل بقي مصمما على قتله حتى أوصى بقتله برصاصة لم تصبه في حين أصابته رصاصة المماليك بينما كان يغني لجنود الصعيد في المعركة، كما رفض أن يزوجها من أمير المماليك في الصعيد المتحالف مع الشيخ همام لكونه عبدا متجاهلا بذلك المركز الذي يحظى به الرجل، هذا مع أن زواجها من قريبها أحمد الهواري لم يكن مثاليا فقد هربت من بيته نتيجة اعتدائه المتكرر عليها بالضرب بدعوى أنها عاشقة.
لا مجال في هذه المنظومة القيمية لتغير المكانة، فالعبد عبد والسيد سيد، واجتهاده لن يشفع له من أجل تغيير مكانته الاعتبارية، بل إن هزيمة هوارة أمام المماليك ودمار عاصمة حكم شيخ العرب "فرشوط" ومقتل إسماعيل لم يسمح لجابر بأن يحقق حلمه مع ليلى، ففي أحد المشاهد الأخيرة في المسلسل صادف جابر ليلى في وسط الدمار الذي خلفته مدافع المماليك، وبعد أن حسب أنه حقق حلمه خرجت إليه أمها ومجموعة من النساء وفي أيديهن المشاعل، وأبعدنه عن ليلى.
هل كان التصوف ناجما عن هذا الثبات القيمي خلال تغيرات الزمن والتاريخ؟ إنه سؤال لا يقتصر في أهميته على هذا العمل الدرامي المتميز، بل هو سؤال يرتبط بتاريخنا الاجتماعي كله. وقد وظف هذا العمل الدرامي الأحلام بصورة لافتة بوصفها أداة من أدوات تحقق الحدث، كما جعل شخصية الشيخ سلام أخي الشيخ همام شخصية رئيسية لا تقل في أهميتها عن أي شخصية أخرى، وهي شخصية تتمتع بحس روحي عال ولا تمتلك قدرات اجتماعية ذات أهمية، فقد أسهم الشيخ سلام في إنقاذ همام من القتل بفضل هذا الحس الروحي، كما أنه أرشد هماما إلى الوسيلة التي يمكن من خلالها أن ينجب الصبي بعد انقطاع عنه، وما أن انصاع همام لنصيحته إذ ذهب إلى أحد مقامات الأولياء ومرت به مغامرة صوفية حتى عاد إلى بيته وزوجته حامل ببكر صبيانه درويش.
لعل الحقيقة هي ما يراه الإنسان راسخا في ذهنه غير قابل للتحول أو التغيير، فما بالك إذا كان راسخا لدى مجتمع بكامله، ألا يصل الالتزام بالقيم هنا إلى درجة الإيمان الصوفي. ومهما كان الأمر فإن منظومتنا القيمية هي حقيقتنا التي لن تنفصل عنا وإن نظرنا إليها نظرة تأملية من الخارج فلن تنفصل عنا لأنها في داخلنا، وإن ابتعدنا عنها قليلا فرواسبها فينا قائمة خلال أجيالنا الممتدة، هذا لأنها نحن. هذا الثبات القيمي أنتجنا وأنتج بكائياتنا التاريخية التي لم تنته بعد. ليست نهايات تراجيدية، بل نهايات بكائية تجعلنا نعيد النهاية كلما بدأنا، إنها بكائياتنا التي نحب قراءتها لأنها تتضمن جمالها على الرغم من قصمها لظهر تاريخنا.
لقد انتهى هذا العمل الدرامي بصورة همام ميتا، وإلى جانبه تلك المرأة التي فقدت أبناءها الثلاثة في الحرب فلم تبكهم بقدر ما بكت بيوت العز عندما تخرب: "واه على بيوت العز لما تخرب".
  shafeeqro@yahoo.com
                                                       
   
 

اقرأ أيضاً على حبيبتنا

أنشودة العرب، شعر: علي طه النوباني  

بنما دولة بعيدة... ومُشوِّقة جدا  

الأزمة الاقتصادية، ومصالح الطبقات  

قراءة في رواية دموع فينيس لعلي طه النوباني  

عَهْدُ فلسطين - عهد التميمي  

كذبة نيسان  

الشوكُ جميلٌ أيضا  

«مدينة الثقافة الأردنية».. مراجعة التجربة لتعزيز الإيجابيات وتلافي السلبيات  

المشنقة  

البيطرة  

قصة نظرة  

عملية صغرى  

سيجارة على الرصيف  

بالشوكة والسكين والقلم  

نهاية التاريخ؟ مقالة فرانسيس فوكوياما  

الدولة العربية الإسلامية / الدولة والدين/ بحث في التاريخ والمفاهيم  

شهامة فارس  

جذورالحَنَق الإسلامي برنارد لويس  

صِدام الجهل : مقالة إدوارد سعيد  

صدام الحضارات؟ صموئيل هنتنغتون 

الفضائيات والشعر  

كأسٌ آخرُ من بيروت 

عمّان في الرواية العربية في الأردن": جهد أكاديمي ثري يثير تساؤلات 

تشكّل الذوات المستلبة  

مشهد القصة بين الريف والمدينة  

وحدة الوجدان والضمير  

«المنجل والمذراة».. استبطان الداخل  

دور المثقف والخطاب العام  

جرش: حديث الجبال والكروم  

في شرفة المعنى 

المثاقفة والمنهج في النقد الأدبي لإبراهيم خليل دعوة للمراجعة وتصحيح المسيرة  

!!صديق صهيوني  

عنترُ ودائرةُ النحس  

فجر المدينة  

مقامة الأعراب في زمن الخراب  

دورة تشرين 

الغرفُ العليا  

الصيف الأصفر  

حب الحياة: جاك لندن 

قصة ساعة كيت تشوبن 

قل نعم، قصة : توبايس وولف 

معزوفة الورد والكستناء  

منظومة القيم في مسلسل "شيخ العرب همام"  

ملامح الرؤية بين الواقعية النقدية والتأمّل  

الرؤية الفكرية في مسلسل «التغريبة الفلسطينية»  

"أساليب الشعريّة المعاصرة" لصلاح فضل - مثاقفة معقولة  

كهرباء في جسد الغابة  

جامعو الدوائر الصفراء  

صَبيَّةٌ من جدارا اسمُها حوران  

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق