التسميات

شعر علي طه النوباني دراسات ومقالات قصص علي طه النوباني شعر ميسون طه النوباني علي طه النوباني قصص عبد الله الحناتلة شعر أدونيس ترجمات شعر الوأواء الدمشقي شعر المتنبي شعر كمال خير بك شعر الشيخ الأكبر بن عربي شعر العباس بن الأحنف شعر د. عطا الله الزبون شعر هاشم سوافطة شعر هناء مسالمة فعاليات ثقافية مقالات تحميل كتب شعر البحتري شعر د. إبراهيم السعافين شعر يوسف الخال أخبار شعر أبو العلاء المعري شعر أبو نواس شعر أمل دنقل شعر إبراهيم ناجي شعر د. شفيق طه النوباني شعر شفيق المعلوف شعر مصطفى صادق الرافعي شعر أحمد دحبور شعر أحمد مطر شعر إيليا أبو ماضي شعر الحلاج شعر الشنفرى شعر الصمة القشيري شعر العراس بن الأحنف شعر المثقب العبدي شعر بشار بن برد شعر توفيق زياد شعر خلدون بني عمر شعر رابعة العدوية شعر زهير بن أبي سلمى شعر سميح القاسم شعر طارق بنات شعر عبد الله البردوني شعر مجنون ليلى شعر مجنون ليلي شعر مظفر النواب شعر نازك الملائكة شعر نزار قباني قصص د. شفيق طه النوباني مقامات حديثة

الخميس، 30 ديسمبر 2010

جامعو الدوائر الصفراء


جامعو الدوائر الصفراء
 علي طه النوباني


صَفيرُ سَيّارةِ الشرطة الَّتي تلتَهِمُ الأرضَ بشكلٍ جُنونيٍّ ؛ يُخيفُني مُنْذُ الطفولةِ وَيُشْعِرُني بالارتِباك ، وقد قرأتُ مرَّةً أنَّ  مَنْ يَخافُ مِنْ هذا الصَّفير لا شَكَّ يَكونُ مُجْرماً هارباً فلماذا أخافُ منهُ أنا إذن ؟؟
كانتْ هذه المسْألةُ مَطْروحَةً أمامي مُنْذُ زمنٍ بعيد ، والآن تبدو أكثر إلحاحاً
عُلى جانبي هذا الشارع الغائصِ بينَ جبلين شاهِقين بُيوتٌ مُلْقاةٌ بعضُها فوقَ بعض بشكلٍ عشوائيٍّ ومُهمَل مثل عُلَبِ الكبريت ؛ يَتَسَلَّلُ بينها دَرَجٌ ضيِّقٌ طويل يَتَفَرَّعُ لأعلى ثم أعلى ، ويَسيلُ عليهِ ماءٌ مُتَعفِّنٌ لَهُ رائحةٌ كريهةٌ ، ومجموعةٌ من الأطفـالِ العراةِ يلهـون ويلعَبونَ في تَحَدٍّ عَنيفٍ لهذهِ الظـُّروف القاسـية .
ومعْ أنّي لمْ أرَ في عُيونِ السائرين خوفاً أو ارتِباكاً إلا أنّي بقيتُ مُرتبكاً وخائفاً !!؟ ألقيتُ ثقلي عَلى سور مُنخَفِضٍ على جانب الطَّريق لأنالَ قِسطاً من الراحةِ ، كانَ هُنالك فتاةٌ مشلولةُ الأطرافِ مُلْقاةٌ على الرَّصيفِ وإلى جانبها طفلةٌ منفوشةُ الشعرِ رثَّة الثياب ، وكانتْ مجموعةٌ من الدَّوائر الصفراءِ تَتَبَخَّرُ مِنْ رأسَيْهِما ؛ وَمِنْ رُؤوسِ أكثرِ المارَّةِ في ذلك الشارع ، ولعلَّ مثل تلك الدَّوائر كانَتْ تَتَصاعَدُ مِنْ رأسي أنا أيضاً .
لقد تعوَّدتُ السيرَ في شَوارعِ هذِهِ المدينَةِ منذ سنتيِن أو ثلاثة باحثاً عن عمل ، وكانوا دائماً يقولون :تعال غداً ، بعد غد الأسبوع القادم وهكذا
ثُمَّ إنَّ شـيئاً لم يتغيَّر طَوال هذِهِ السَّـنواتِ ، مازالتْ عُلَبُ الكبريت والمياهُ المتعفِّنة ؛ والدوائر الصفراء المتصاعدة من رؤوس المارَّةِ ، وتلك الفتاةُ ذاتُ الشَّعْر المنفوش وأخْتُها المشلولةُ ، وكَثيرونَ غَيري يَتَسَتَّرونَ بقميصٍ نظيف ، وما زالتْ تلك السكرتيرةُ الملطَّخة بألوانِ الدِّهانات والَّتي لا تَتَّسِعُ الدُّنيا لعَجْرَفَتِها واحْتِقارها لكُلِّ مَنْ تَتَصاعَدُ مِنْ رأسِهِ الدَّوائرُ الصفراء ؛ لازالت تؤدِّي دور الحاجبِ في بلاطِ الخَليفَةِ ، ولكنْ هذهِ المرَّة بنَظَراتِها المتَعالِية وغَطْرَسَتِها العَجيبةِ لا بسيوفِ ورماحِ الجند
قَدَمايَ تَعِبَتا مِن السير ، والشارع الآن مليءٌ بمحلاتِ صِياغَةِ المجوهرات ، اللونُ الأصْفر ينبعث لامِعاً من وَراءِ الزُّجاج ، ولا أدري لماذا يكونُ الذهبُ نَفيساً في بلادنا ، إنَّهُ يذكِّرني بالصحراء الَّتي تُحيطُ بهذهِ المدينة إحاطةَ السِّوار بالمعصم ، وبتلك الدَّوائر الصفراء الَّتي لا تَنْفَكُّ تَتَصاعَدُ مِنْ رُؤوسِ الناس !!
رَأيتُ عَجوزاً جالِسَةً عَلى الرَّصيفِ ، يَتَنَقَّلُ نَظَرُها بين صندوقِِ البندورة الَّذي أمامَها وبينَ المارَّة ؛ وَتَجاعيدُ وَجْهِها تَرْسُمُ خارطة مُعَقَّدَةً كَدَهاليز الوُصولِ إلى اللقْمَة .
ـ بِكَمْ كيلو البندورة  ؟
ـ بعشرة قروش .
ـ عشرة قروش !! … ولكنَّها ذابلة
ـ سبعةُ قروش خُذْها بسبعة .
ومضى ذلك المشتري الَّذي كانتْ تَتَصاعَدُ مِنْ رَأسِهِ الدَّوائرُ الصفراء غيرَ آبهٍ بتَنْزيلاتِ العَجوز ، بَيْنَما خَرَجَ رَجُلٌ يَرْتَدي مَلابسَ أنيقةً من محلِّ صياغة المجوهرات :
ألَمْ تَجِدي مَكاناً لِبَيْعِِ هذِهِ البندورة إلا أمامَ مَحَلّي أيَّتُها العجوزُ التَّعِسَة ؟
تَلَعْثمَت العَجوزُ وسالَتْ دَمْعَةٌ عَلى خدِّها سرْعانَ ما ضاعَتْ في تلك الخارطة المعقَّدة من التَّجاعيد
ـ أيْنَ أذهَبُ  ؟ كلُّهُمْ يَقولونَ كَما تَقول .
كُنْتُ قد اتَّكأتُ على سَيَّارَةٍ واقِفَةٍ أراقِبُ مِنْ بَعيد ، ولكنَّ رَجُلاً دَفَعَني وهو يَرْمُقُني بنَظْرَةٍ حادَّة
ـ لماذا تتَّـكِئُ عَـلى سَـيّارَتي أيُّهـا  الفأرُ الضّـال ؟!!
الغريب في الأمر أنَّ هذا الرجلَ والصائغَ كِلاهُما لمْ يَكُنْ يَتَصاعَدُ من رأسَيْهما أيُّ شئ على الإطلاق
صَحَوْتُ من ذُهولي عَلى صَفير سيّارةِ الشُرطَةِ الَّذي يَزْدادُ اقتراباً ،فارْتَعَدَتْ أوصالي رُغْماً عنّي ، سَمِعْتُ أحَدَ المارَّةِ يِقول: إنَّه لا بدَّ أنَّ هُنالك سرقةً كبيرةً لأحَدِ مَحَلاّتِ الذَّهب
ظَهَرَت السيّارةُ وَتَوَقَّفَتْ أمام مَحَلِّ الصائغ ، وَخَرَجَ مِنْها شُرْطيانِِ مُسْرعان :
ـ ألَمْ نَقُلْ لَكِ أكثرَ منْ مرَّةٍ أنَّ البيْعَ عَلى الرَّصيفِ ممنوع
لَمْ تَنْبَس العَجوزُ لكنَّ دُموعاً غَزيرَةً تَساقَطَتْ بين تَجاعيدِ الخارطةِ المعقَّدة وَحَمَلَ الشرطةُ صندوق البندورة ، وَمَضَتْ سَيّارَتُهُمْ وَصَفيُرها المخيف
تَزايَدَ شُعوري بالخوفِ وَنَظَرْتُ حَوْلي فَلَمْ أرَ في وَهَجِ المدينةِ غيرَ الدَّوائرِ الصفراء تمتدُّ لِتَبْتَلِعَ كُلَّ شَيء لكني بتُّ عَلى يَقينٍ بأنَّ سيّارةً أخْرى ذاتَ صَفيرٍ قَويّ سَتَقْطَعُ المسافاتِ لِتَمْنَعَ الفتاةَ وأخْتَها ذاتَ الشَّعْرِ المنفوشِ من النَّوم على الرَّصيفِ ثانيةً ، وأنَّ سيّارةً ثالثةً سَتوقِفُني في مَكانٍ ما لأمرٍ ما .
لقدْ أيْقَـنْـتُ بأنَّهم مُغْرَمونَ بجَمْعِ أولئكَ الَّذينَ تَتَصاعَدُ مِنْ رُؤوسِهمْ الدَّوائر الصفراء !!
                 1990  
                






ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق