التسميات

شعر علي طه النوباني دراسات ومقالات قصص علي طه النوباني شعر ميسون طه النوباني علي طه النوباني قصص عبد الله الحناتلة شعر أدونيس ترجمات شعر الوأواء الدمشقي شعر المتنبي شعر كمال خير بك شعر الشيخ الأكبر بن عربي شعر العباس بن الأحنف شعر د. عطا الله الزبون شعر هاشم سوافطة شعر هناء مسالمة فعاليات ثقافية مقالات تحميل كتب شعر البحتري شعر د. إبراهيم السعافين شعر يوسف الخال أخبار شعر أبو العلاء المعري شعر أبو نواس شعر أمل دنقل شعر إبراهيم ناجي شعر د. شفيق طه النوباني شعر شفيق المعلوف شعر مصطفى صادق الرافعي شعر أحمد دحبور شعر أحمد مطر شعر إيليا أبو ماضي شعر الحلاج شعر الشنفرى شعر الصمة القشيري شعر العراس بن الأحنف شعر المثقب العبدي شعر بشار بن برد شعر توفيق زياد شعر خلدون بني عمر شعر رابعة العدوية شعر زهير بن أبي سلمى شعر سميح القاسم شعر طارق بنات شعر عبد الله البردوني شعر مجنون ليلى شعر مجنون ليلي شعر مظفر النواب شعر نازك الملائكة شعر نزار قباني قصص د. شفيق طه النوباني مقامات حديثة

السبت، 1 يناير 2011

مــــــــــدٌّ ومـــــواء


مــــــــــدٌّ ومـــــواء





 قصة : عبد الله الحناتلة   



تجيء ليلاً من الخليج خلسةً ،كأنَّ البحر يستفرغ ما انتَهب البارحة ، تجيء بشهية أخرى للابتلاع ؛ تمتطي هدوء الليل غامراً " شط العرب" استفراغاً ، تتسلل كلصوص الليل عبر الأقنية المتشعبة في شتى الأرجاء ،ومع إشراقات الصباح تتلملم أيها المد منحسراً إلى الخليج غانماً بما اختطفت متوارياً كأنك تخشى النهار أو كجيشٍ مهزومٍ عبر الشعاب ، تقلب الموت بين ثناياك وهناك في العميق تدفن سرك .
مستلقياً على ظهري ، ألتصق بالسرير ، أرقب تلك  الرتابة التي تدور بها مروحة السقف ممزقةً هواء الغرفة إرباً إربا، فيتساقط على جسدي كسفاً عليلةً. الجدران تطالعني والصمت يكتنفها ...إلا أن شقوقاً كما حدود خارطة العالم تسير بعشوائيةٍ وباتجاهاتٍ مختلفة كأنها ترسم خارطةً دون أسماء ، تذكرني بعشوائية نهري دجلة والفرات ،عندما كنت أتجه إلى البصرة ، تقلني حافلة بها عدد من الركاب ، تنفلت الاتجاهات مني يأتيني النهر من ذات اليمين وذات الشمال دون أن أعرفَ أيُّ النهرين هو .
 النخل لا تُستشرف نهاياتُه إلا أنّ نجماتٍ تعشِّش فيه، وكلما اقتربت منه تتطاير النجماتُ إلى السماء فتعشِّش نجمات ٌ أخرى في غابةٍ أخرى هناك في البعيد . مستسلماً إلى ذكريات الطريق ، وإلى إغفاءةٍ جميلةٍ تسري في جسدي مع كل تثاؤبةٍ كنت أقطعها في كفِّ يدي اليسرى وكأنها طقوس الظهيرة لديّ.
وفجأة تلاشت تلك الطقوس في ذلك الدوي الذي أخذ يؤرجح اللوحات المعلقة على الجدار ،استجابت النوافذ له بقرقعةٍ مفزعة ، الستائر تراقصت كأنها ملّت التعلّق بالجسور الخشبية المختزنة للسنوات العجاف معلنةً السقوط ، الخارطة بصممها تتسع على الجدار ، تـتمايل العمارة كلها التي أقيمُ فيها لامتصاص الدوي بمرونةٍ عجيبة ، وكأني عندها أيقنت بـــ ( إذا زلزلت الأرض زلزالها ) .
تسكنني غبشية الحواس وفزع الفوضى عندما أخرجني المتزاحمون بينهم إلى حفرةٍ عميقةٍ كانت مصدر ذلك الدوي ،أذيال سحابةِ غبارٍ تنبعث متلاشيةً في السماء ، تتوسط الحفرةُ بيتين يمتلكان طلعةً نيسانيةً مُسحت بمسحة تشرينيةٍ حزينة ، صاروخ ملقىً بجانب الحفرة مقنع بالفشل  مكسوٌ بخيبة أمل بعد انفجار صديقه محدثاً تلك الحفرة.
قوات الجيش ورجال الإسعاف هُرعوا إلى المكان ، ارتفعت أصواتهم لإقصائنا ، لكن الفضول كان يمنعنا فلم ننضبط إلى نداءاتهم ، شغفنا باستجلاء الأمر يدعونا إلى التمرد ، حملوا الصاروخ المكفن بالعارِ بعيداً وأخذوا ينزلون إلى الحفرة مع آلياتهم بهدوء مقيت ،  يقلّبون ترابها متحرّين عن شيءٍ ما .
همهمة ترتفع من بين الحضور ...
-        آكو حد بالبيت ؟
-        آكو حد يمهم ؟
-        ماكو حد قبل دقائق وِصلوا .
الطفلة التي نزلت من الحافلة المتوقفة في الشارع الموازي للبيتين كانت ذاهلة كأنها أتاهت المكان ، أو كأنها تبحث عن شيءٍ ضاع منها ، أو لعلها تبحث عن البيت. تلك الجمهرة من الناس وسيارات الإسعاف بلونها الأبيض البغيض ..بلون ثياب الراحلين  وسيارات الدفاع المدني بصفيرها المرعب ما كانت لتجتمع على خير وما كانت لتجتمع  إلا للصفير الأقوى، أبواق عزرائيل صفارات الإنذار التي تعلن وجبة من أعراس الجنائز لدود الأرض ، والتي تنطلق من كل مكان بعد عويل الطائرات ، وليلاً تحقن السيارات الأجواءَ والغبار بلونها الأحمر المطابق تماماً لحصاد الحرب  دماء .....دماء  فقط .
الطفلة توقفت ، خطاها تثاقلت إلى الأرض وكأن عناقاً حميماً دار بينهما ، سقطت حقيبتها المدرسية من بين يديها بعد أن امتدت المسحة التشرينية الصفراء من البيتين إلى خديها الموردين ، تستكين إلى ارتعاشةٍ كما عصفور بلله القطر .
 الزي المدرسي بلونيه الأسود والأبيض ما عادت صاحبته تستقطب الأنظار بالحيوية والرشاقة بل تجتذب القلوب بالحزن الضارب فينا نحوها وهي تستدير باكيةً وحزنها ينفث من صدرها مثل ضبابٍ يستوطن غابات النخيل ، تسير مبتعدة ً يتملكها الاغتراب تتبعها قطةٌ تتعلق بأطرافها ترفع برأسها نحوها تواسيها على حزنها .
 الخليج ما زال يتنفس ...بحر لجي ، ظلمات فوق ظلمات ، يقذف بضجره إلى" شط العرب" بعجرفةٍ وليونةٍ، تسير له الأشياء طائعة ..وعنوةً يحملها في الغد إلى المدافن ، يتسامى حتى يكاد يلامس أقدام السياب فيلثمها إلا أنه يسري باكراً وسارقاً ابتسامات الشطِّ تاركاً خلفه العويل ، وحبات الحصى التي ألقاها على ضفافه لتستيقظ على الرحيل مرددةً ...
يا خليج
يا واهب اللؤلؤ ،والمحار ،والردى
فيرجع الصدى
كأنه النشيج
 يا خليج 
يا واهب المحار والردى .
" أناغيك وثدي أمي في فمك ، تتركه لتضحك معي ،والآن أيُّ تراب ذاك الذي يملأ أجفانك ...ماذا ترضع الآن ...؟ قطع الحديد والإسمنت  ! ويملأ جوفك التراب ، يدك التي كانت تمتد بنعومةٍ من تحت غطائك ،أيُّ جدار سحقها ..هل كنت بقرب أمي تحتضنك خشية الموت ؟ أم قدمت إليك راكضةً فلم ....
لِمَ تشبثتُ بها اليوم ؟..فعاوَدت احتضاني ،لِمَ عانقتني طويلاً ولملمت دمعةً كادت تفر من عينيها ...؟ لِمَ أوصتني أن أحذر الشوارع ..أن أبتسم ..أن أحافظ على نفسي ! لِمَ ضمتني إلى صدرها بدفءٍ وقوةٍ (اصغيرون حبك بصدري هوايه ...الله ..إش قد أحبك يا اصغيرون ) .
يداكَ اللتان داعبتا خصري ،وحملتاني إلى صدرك ، أين هما من الركام ؟! أم سكنتهما الشظايا ليخرجوا جسدك من غير اليدين ...، لِمَ حملقتَ في وجهي كثيراً وضممتَ خديَّ براحتيك ؟  دفءُ قبلتك يجفف دمعي الآن ..البارحة حملتني بين ذراعيك إلى فراشي وعندما ضحكتُ بعد خداعك قلتَ أنك لن تحملني ثانيةً " .
أجلس عند السياب ، المكان الذي تعودت الجلوس فيه طيلة مكوثي في البصرة ، عند "شط العرب" والسياب يشرق على العراق ..حيث تنبسط صفحة الماءِ للزمن .. النخل غابات تلامس الأفق ... ترتعش ظلالها في صفحة الماء بانثناءات فلكلورية ، أطفال على جوانب الشط ممشوقو  السيقان كأنها العيدان ، يبحثون عن شيء ما لم أستجله منهم ، القوارب بلون البيوت القديمة ، يركبها شيبٌ كبار مرسوم في وجوههم سنوات نينوى  وظلم الحجاج ومآسي داموزي وأصداء صفين والجمل ، أرقبهم مستظلاً السياب من خلفي ، وأحادثه همساً من أمامي ، عندما يحملنا الماء ظلين راقصين لكني ما ألبث أن أتماهى في ظله الذي يداهم ظلي .
الحزن في كل مكان ، وصورة الطفلة الباكية ، تسكن الفضاءات ..طنين الدوي يلاحقني ، لم يسألني من أين أنت ، هذا الذي يتربع رأسه بين كتفيه مع استرسال متضاد لأذنيه ، أنفه يتفلطح في وجهه الذي ندّبه الجدري ، حينما اقتحم خلوتي ، يحدثني عن المكان الذي استشرف إعجابي به وهو يمطّط شفتيه كتثاؤبة تمساح ، يحدثني بتسارع وشهية مفرطة للكلام عن شبح الموت الذي حل في هذه البيوت المتشحة بالنحيب والمعنونة بالخراب  يحدثني متلذذاً في حين كنت أتمنى إخراجه من دائرة بصري وحدود سمعي ، شارداً عنه في أنحاء الشط وكأني ألمح الطفلة بمحاذاة قواعد تمثال السياب مراقبة مثلي ، مسكونة بالحزن كما العراق ، يعتريها التعب ويخيم فوقها الصمت والوحدة ..بينما كان صوت السياب يفيض من كل صوب...
يا خليج
يا واهب اللؤلؤ ،والمحار ،والردى
فيرجع الصدى
كأنه النشيج
 يا خليج 
يا واهب المحار والردى .
أرقبها وهي تستسلم للوحدة والفراق ، تغافلها غفوة فتنفلت يداها اللتان تشدان ركبتيها إلى صدرها ، تجفل كما حمامة ، تعاود احتضانهما مرةً أخرى ، ما زالت عيناها تفيض دمعاً مختلطاً بالمياه.
المساء يتقادم وهذا ما زال يثقلني بحديثه ويغتصب مسمعي بكلامه الممجوج ..
-   إن هذه المياه يا أخي ما كانت تأبه إلى دوي المدافع وأزيز الرصاص وما  أخافَها يوماً شبح الانفجارات ، بل كانت تغتسل بها الدماء حتى التماهي سائرةً إلى الخليج وكانت تطفئ كلّ الكتل الملتهبة الساقطة فيها ، يا أخي نحن غرسة  قادة أبطال علمونا كيف نرصد الأفق المظلم فنرى فيه دبيب النمل ووسوسة الشيطان ولا بأس لو ابتلع عزرائيل الأفق من أجلهم...
ألجمه عن الحديث صراخ قدم من تحت السياب ..، وقفت مذهولاً عندما رأيت المدّ العائد من الخليج يختطف الطفلة عند مشاغلة هذا  (   )  لي ، بعدما أسلمها الحزن والإعياء للنوم ،،، أَنظر إليها ببلاهةٍ واستسلام ساذج للموت وهي تصرخ ...تتعلق بالمياه التي لم تأبه بها ولم تصغ إلى صراخها ، كما لم تصغ يوماً لدوي القنابل وشظايا الموت  يفترس الشط طفولتها كما أسد أمسك بظبية صغيرة .
تقلبها المياه والخوف يتملكها ، صراخها لا يجدي نفعاً تضرب المياه بكل اللعنات المستعصية على الغرق ،،،تصارع كثبان المياه التي تحاوطها ، تندلق المياه إلى جوفها كلما حاولت اجتذاب الأنفاس أو الصراخ لكن المياه تمنعها تلجمها حتى عن الصرخات الأخيرة ..تلقي إلينا بحبال بصرها لكن المياه تقطعها كما السيف ، تتزاحم في رأسها الصور يناديها تناديه....( آجي يمك لو أبقى يم غربتي ...لكن شي يسوون لي بعدك .....لا...عيني أعوفهم وآجي يمك ) .
لا أجيد السباحة ولا هذا أيضاً ..تجولت أبصارنا في المكان بحثاً عن أحد  ، لم نجد......استَسلَمت للمياه أخذتها ليلاً لتعيدها في الغد إلى الخليج وبقي أربعتنا  ...أنا والمتلذذ بحديثه هذا والسياب من خلفنا ...وقطتها التي تبعتها ، تموء بإيقاعية حزينة كأنها النشيج ...تروح وتجيء على الشاطئ ، بنزق وحنق شديدين ، تقف أحياناً كأنما تفكر بالقفز لإنقاذ صاحبتها ..تنظر إلينا بازدراء غاضب تلعننا وتفكر لو تستطيع إلقائنا في المياه فديةً لصاحبتها.



اقرأ أيضاً على حبيبتنا

أنشودة العرب، شعر: علي طه النوباني  

بنما دولة بعيدة... ومُشوِّقة جدا  

الأزمة الاقتصادية، ومصالح الطبقات  

قراءة في رواية دموع فينيس لعلي طه النوباني  

عَهْدُ فلسطين - عهد التميمي  

كذبة نيسان  

الشوكُ جميلٌ أيضا  

«مدينة الثقافة الأردنية».. مراجعة التجربة لتعزيز الإيجابيات وتلافي السلبيات  

المشنقة  

البيطرة  

قصة نظرة  

عملية صغرى  

سيجارة على الرصيف  

بالشوكة والسكين والقلم  

نهاية التاريخ؟ مقالة فرانسيس فوكوياما  

الدولة العربية الإسلامية / الدولة والدين/ بحث في التاريخ والمفاهيم  

شهامة فارس  

جذورالحَنَق الإسلامي برنارد لويس  

صِدام الجهل : مقالة إدوارد سعيد  

صدام الحضارات؟ صموئيل هنتنغتون 

الفضائيات والشعر  

كأسٌ آخرُ من بيروت 

عمّان في الرواية العربية في الأردن": جهد أكاديمي ثري يثير تساؤلات 

تشكّل الذوات المستلبة  

مشهد القصة بين الريف والمدينة  

وحدة الوجدان والضمير  

«المنجل والمذراة».. استبطان الداخل  

دور المثقف والخطاب العام  

جرش: حديث الجبال والكروم  

في شرفة المعنى 

المثاقفة والمنهج في النقد الأدبي لإبراهيم خليل دعوة للمراجعة وتصحيح المسيرة  

!!صديق صهيوني  

عنترُ ودائرةُ النحس  

فجر المدينة  

مقامة الأعراب في زمن الخراب  

دورة تشرين 

الغرفُ العليا  

الصيف الأصفر  

حب الحياة: جاك لندن 

قصة ساعة كيت تشوبن 

قل نعم، قصة : توبايس وولف 

معزوفة الورد والكستناء  

منظومة القيم في مسلسل "شيخ العرب همام"  

ملامح الرؤية بين الواقعية النقدية والتأمّل  

الرؤية الفكرية في مسلسل «التغريبة الفلسطينية»  

"أساليب الشعريّة المعاصرة" لصلاح فضل - مثاقفة معقولة  

كهرباء في جسد الغابة  

جامعو الدوائر الصفراء  

صَبيَّةٌ من جدارا اسمُها حوران  

 











ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق