الخميس، 22 أغسطس 2019

رِسـالَـة إِلى كَـيْسـان




أكيْسانُ:
ما زلتَ تـَـخـْـشـَعُ تـَحْتَ السَّـــقيفةْ
مضى ألفُ عامٍ
وألفُ خليفةْ
وَوَجْــهُكَ خاوٍ
وعَيْناكَ جيفةْ
وَشارعُ البُـــؤْسِ يَــطْوي رَصيفَةْ
***

أكيْسانُ:
ابنُ اللُّــكاعةِ غـادَرَ البُـــؤْسَ فَــجْرا
تــَجَــنَّبَ سُـــمَّ الأَفاعي
وَمــدَّ الـمَـلــذّاتِ نَهرا
تَــخَــيـّــَر دَرْبَ الغَواني
وَوَلّى لبؤسِكَ ظَهْرا
وخـــاطَ لباسًــا حريرًا
وسافرَ في العمرِ دَهْــرا
فَـحَتّامَ تَـنتظرُ الخَلاصَ
وَتَـبْـني عَلى الصَّـبْـرِ صَبْـرا
***
وأَمسِ عَوَتْ يا صَديقي كِلابُ يَــــزيدٍ
فَـأَمْسى الــرِّفـاقُ سُكوتًـا وَحَـيْـرى
فَـهذا يَــقولُ سَـمِعتُ عُواءً
وذاكَ يقولُ سَمِعْتُ شِعرا
وذاكَ يـُـقَـلـِّــد صَوْتَ الكِلابِ
وذاكَ يُخيطُ مِنَ اليَـــأسِ قَبـْـــرا
***
وأعرفُ، للـعُمْرِ حَــقّ، فَــأَمّـا
إذا نَظَرَ القوم شَزرا
وَهَـمّـــوا بِسَحْقِكَ لولا تُحيطُ القَصْرَ فَــقْـــرا
فَــأَبْــصِرْ طَريقَكَ يا صَديقي
وَأعْلِنْ طِلابَكَ جَهْرا
فــإِمّـا نُقيمُ عَلى الأرضِ عَدْلًا
وَإِمّـا نُـصَـيِّــرُ الأرضَ بَــحْـــرا
***
5/5/1992

الجمعة، 12 يوليو 2019

خوض درامي في تجربة صوفية: الحلاج في الدراما العربية

د. شفيق طه النوباني
على الرغم من رسوخ التجربة الصوفية في التراث العربي الإسلامي والتراث الإنساني تبقى تجربة فريدة يصعب تمثيلها بما يؤدي إلى إيصالها إلى شرائح اجتماعية أكثر اتساعا، فهي تجربة باطنية كثيرا ما يبدو التوغل في فهمها صعب المنال دون خوضها والارتقاء في مقامتها بصورة فعلية. ولعل ذلك ما يجعل من مهمة إيصال واحدة من أهم التجارب الصوفية في التاريخ العربي والإنساني من خلال عمل درامي مهمة صعبة إلى حد بعيد.
وفي هذا العام اتجهت الدراما العربية إلى إنتاج عملين دراميين تناولا أهم تجربتين صوفيتين في التراث العربي الإسلامي؛ فقد عرض على قناة الإمارات مسلسل "مقامات العشق" الذي تناول تجربة ابن عربي في حين عرض مسلسل "العاشق – صراع الجواري" الذي تناول سيرة الحلاج على عدد من القنوات. وفي حين بدا العمل الأول في جانب كبير منه مناقشة مباشرة لقضايا معاصرة بثياب أندلسية جاء العمل الثاني ليعبر عن رؤية عميقة لمرحلة تاريخية لا تنفصل عن هذه المرحلة.
يتابع مسلسل "العاشق" شخصية الحلاج التي تمثلها الفنان غسان مسعود منذ الثلث الأخير من القرن الثالث الهجري، إذ يبدو الحلاج شخصية تعمل على إعمار باطنها لتحقق الخلاص الفردي لذاتها ، غير أن هاتفا أتاه ليدعوه إلى نقل التجربة إلى الآخرين. وهذا ما دعاه إلى خوض غمار المناظرة مع محمد بن داود الظاهري بعد أن أبلغ الشبلي بعدم رغبته في ذلك.
وتقود هذه المناظرة إلى استعداء ابن داود للحلاج؛ إذ رأى أنه منحرف في فكره عن أصول الشريعة. ولم ينجح ابن داود في الإيقاع بالحلاج إذ أقام دعوى ضده تولاها القاضي ابن سريج الذي برأه من تهمة الزندقة، ليباشر الحلاج فيما بعد نشاطه الصوفي والاجتماعي إذ تعلق به عدد من المريدين، وصار شخصية مؤثرة تخشاها السلطة. وهذا ما أدى إلى اقتياده إلى السجن وقتله في محاكمة تداول ذكرها المؤرخون.
في مقابل شخصية الحلاج ركز العمل الدرامي على شخصية "النطل" المستوحاة من المرحلة التاريخية. والنطل نخاس يعمل على تجهيز الجواري ليكنّ في بيوت الطبقة المتنفذة في الدولة العباسية، فهو يعلمهن فنون الأدب والرقص ليكن جاهزات للتعامل مع هذه الطبقة، غير أن حياة الترف التي يعيشها النطل لم تدم إذ حرق القرامطة داره وأسروه طمعا في أمواله، وقد استطاع التخلص من أسرهم له، فاتجه إلى تأسيس عمله من جديد، إذ أقدم بالتعاون مع أحد أصحاب الأسبقيات على سرقة الأطفال من أهاليهم لخصيهم والاتجار بهم، إلى أن أبلغت الجارية التي استخدمها للعناية بالأطفال عنه عند الوزير، فاجتمع في السجن مع الحلاج.
وقد اتخذ السيناريو من الجواري اللواتي في بيت النطل مدخلا إلى حياة قصر الخلافة، إذ ابتاعت القهرمانة فاطمة مجموعة من الجواري للخليفة المقتدر، فكان بينهن "هزارا" القرمطية التي تزوجها المقتدر، وانتهت إلى القتل بسمّ دسته لها "شغب" أم المقتدر التي كانت تسيطر على مقاليد الحكم في ظل الخليفة الذي اختار حياة اللهو.
منذ الحلقة الأولى من العمل تبقى شخصية الحلاج منفصلة تماما عن شخصية النطل، حتى أن المشاهد يشعر أنه أمام حبكتين منفصلتين لا جامع بينهما، غير أن التقاء الحلاج بالنطل في السجن أبرز هذه المقابلة وحافظ على قدر من وحدة الحبكة. على أن أهمية هذا العمل الدرامي لا تتوقف عند تسلسل الأحداث أو علاقتها بالتاريخ.
لن يجد الباحث عن تسجيل حرفي للتاريخ ضالته في هذا العمل، فقد استفاد المؤلف أحمد المغربي من الروايات التاريخية بصورة واضحة، غير أن اعتماده على هذه الروايات لم يمنع إبراز رؤية فنية وفكرية متماسكة، بل إن المغربي اعتمد بصورة كبيرة على ما ورد في سيرة الحلاج الشعبية، إذ جعل العديد من أحداث هذه السيرة تبرز من خلال رؤيا الحلاج التي جاءت في الحلقات الأخيرة من المسلسل.
وقد نجح المغربي في هذا التوظيف للسيرة الشعبية، فالأكثر أهمية في شخصية الحلاج هو ما رسخ في أذهان الناس عن هذه الشخصية، وليس ما حدث بالفعل معها، ففي حين روى الكثيرون عن سحر الحلاج وشعوذاته روى الكثيرون أيضا عن كراماته وتعلق المتصوفة به. وعدم الاتفاق على شخصية الحلاج جعلها موضوعا للقراءة والتأويل.
صوّر العمل الدرامي حالة التصوف من خلال خلوات الحلاج التي كان يتوجه فيها إلى الله سبحانه وتعالى، وركز بصورة معقولة على مشاهد الذكر التي كان يجتمع فيها المتصوفة. ومن الطبيعي أن يركز العمل على احتكاك المتصوفة بالمجتمع وبالاتجاهات الدينية الأخرى، فجاء دفاع الحلاج عن ممارسة المسيحيين لشعائرهم من خلال مشهد يقترب من المباشرة، فيما عبر مشهد شكوى حمد لأبيه الحلاج من استضعاف أتباع محمد بن داود له مشهدا مؤثرا ينفتح على دلالات عميقة.
انتهت أحداث العمل الدرامي إلى مفارقة أساسية تمثلت في اجتماع الحلاج بالنطل في السجن، فحين دخل الحلاج السجن لاقاه النطل وأبلغه أنه لا يحب شعره، ثم سأله عن تهمته التي جاءت به إلى السجن، فأجابه بأن تهمته الزندقة أو القرمطة، فضحك النطل بصوت مرتفع وقال إن تهمته هي الفجور. مرت سنوات على النطل مع الحلاج في السجن، فتأثر به وصار من مريديه. وحين اضطربت بغداد هرب المساجين، فحث النطل الحلاج على الهروب، غير أن الأخير آثر البقاء في السجن.
لقد اجتمع الزاهد مع الفاجر في سجن واحد، فهرب الفاجر وبقي الزاهد يواجه مصير القتل بمحض إرادته، وإن كان النطل قد تأثر إلى حد بعيد بالحلاج فإن تأثره هذا يبقى شكلا من أشكال التكفير عن الخطايا، فهو ما زال غير قادر على مواجهة مصير ارتبط بما ارتكبه من ذنوب بحق الناس.
لم يتجه الحلاج إلى السجن بذاته، بل جعل "إيشا" المشرفة على الجواري في بيت النطل تأخذ جائزة تسليمه للشرطة، والمطالع لهذا الحدث يتساءل عن تعليل تجيير القبض على الحلاج لصالح امرأة مثل "إيشا". ولعل المغربي أراد هذا التجيير بالفعل، فالأمور الدنيوية عادة ما تؤول لصالح أمثال "إيشا" من قناصي الفرص. وهي تؤول بطبيعة الحال لصالح من حكموا على الحلاج دون أن يرف لهم جفن.
حضرت لغة التصوف في هذا العمل الدرامي بصورة تشير إلى ثقافة الكاتب في هذا المجال، فبرزت هذه اللغة في ابتهالات الحلاج ومناظرته مع ابن داود، غير أن أكثر ما يلفت الانتباه اعتماد العمل لغة الإيماء في محاولة للاعتماد على موروث المتصوفة في هذا المجال:
ومن عجب الأشياء ظبي مبرقع      يشير بعناب، ويومي بأجفان
فشخصية الحلاج بدت قليلة الإقبال على الكلام، تتجه إلى الإيماء للتعبير عن دواخلها أحيانا، بل إن حوار الحلاج مع الجنيد بدا قليلا على الرغم من الاختلاف الأساسي الذي أبرزه العمل الدرامي بينهما، وهو الاختلاف على مدى سريّة التجربة الصوفية. وقد أبرز مخرج العمل هذا الملحظ بفنية عالية أشارت إلى استيعابه طبيعة هذه التجربة.
لقد أبعد العمل الدرامي تجربة الحلاج عن صراعات السياسة، فجعله ضحية لها دون أن يجعله طرفا أساسيا فيها كما جاء في بعض الروايات التاريخية، فبدت صراعات القصر وجواريه حالة موازية لحالة الحلاج، فما يدور في القصر من مساع لاحتياز الحكم لا تتقاطع مع مساعي الحلاج إلا بمقدار سعيه إلى نشر وعي أكثر نورانية.
إذا طالعنا كتب التاريخ في عام 306 ه سنجدها تنوه إلى مقتل الحلاج في هذا العام، وإن أشار ذلك إلى شيء فإنما يشير إلى أهمية هذه الشخصية التي تنبه إليها الدارسون والأدباء من عرب ومستشرقين. وفي التفات هذا العمل إلى شخصية الحلاج ما يفتح الباب لإنتاج أعمال درامية أخرى تتناول شخصيات جدلية وفق رؤى واعية.

الثلاثاء، 9 يوليو 2019

صدور الأعمال الشعرية الكاملة إلكترونيا لعلي طه النوباني - تحميل PDF


صدر حديثاً عن المؤلف علي طه النوباني في جرش- الأردن الأعمال الشعرية الكاملة حتى عام 2018 على شكل كتاب إلكتروني. وقد احتوى على خمس مجموعات شعرية هي: جنازة حمورابي الأخيرة الصادر عن دار قدسية للنشر والتوزيع في إربد عام 1993، ودورة تشرين الصادر سنة 1998، والدرب والحكايات الصادر عن دار الكرمل للنشر والتوزيع في العاصمة الأردنية عمان عام 2001، وشارع آخر الصادر عن دار ورد للنشر والتوزيع في عمان عام 2009، وعندما نقمت علينا الريح الصادر عن وزارة الثقافة – المفرق مدينة الثقافة الأردنية عام 2017، ومجموعة من القصائد التي لم تنشر في ديوان .
وقد كتب الشاعر مقدمة للكتاب تَحدث فيها عن علاقته بالشعر منذ الطفولة وموقفه من أشكال القصيدة الشعرية العربية، حيث يقول:" انـتَـقَـلتُ إلى قَـصـيـدَة الـتـفـعـيلة، ثـُمَّ وَجَـدْتُـنـي أكتبُ قصيدة الـنـثـر، ولكـنّـي لم أَهـجُـر أَيّـًا مِنْ أشكال القصيدة التي كتبتها؛ حيثُ بَـقِـيَ لِكُـلٍّ منها ظَـرْفُـهُ وحالتهُ الشُّعوريَّة التي تـسـتـدعـيه. والحقيقةُ أَنَّـنـي لَـستُ مَع الـصَّـرامَةِ في الـثَّـباتِ على شكلٍ كلاسيكي واحدٍ للشعر؛ فَـفَـتـحُ البابِ أَمامَ التـنـويـعِ والـتَّـجـريـب من شَـأنِـهِ أَنْ يُـغـنـي الـحَـركَـةَ الـشـعـرية في بلادنا العربـيَّـة وَيُـناسِب الأذواقَ الـمُـتَـنوّعة، والأَفكار الـمُتَـفاوِتـة في عُـمْـقِـها وَتَـعْـقيدها".
وقد أشار المؤلف في الصفحات الأولى من كتابه إلى أنه يسمح بطبع ونشر الكتاب أو أي جزء منه ورقياً أو إلكترونياً بشرط ذكر المؤلف في مكان بارز، وبشرط عدم التصرف بالنصّ بأي شكل من الأشكال. ويفضَّل إعلام المؤلف بذلك عن طريق الهاتف أو البريد الإلكتروني، كما وأشار إلى سماحات أخرى في مجال الترجمة والغناء.
ويذكر أن للمؤلف - إضافة لما سبق ذكره - رواية بعنوان "دموع فينيس" ومجموعتين قصصيتين هما: " جامعو الدوائر الصفراء" و " ملح إنجليزي".

تحميل الكتاب بصيغة بي دي اف مجانا 


الاثنين، 17 يونيو 2019

موسم أبو العلاء المعري لدى كتاب جرش


برعاية وزارة الثقافة الراعي الرسمي لمهرجان الإبداع الأدبي النقدي الرابع- موسم أبو العلاء المعري، وبالتعاون مع مديرية ثقافة جرش، تقيم رابطة الكتاب الأردنيين فرع جرش مهرجان الإبداع الأدبي النقدي الرابع – موسم أبو العلاء المعري الذي تستمر فعالياته من يوم السبت الموافق 6/7/2019  وحتى يوم الإثنين الموافق 15/7/2019  حيث يحتفي المهرجان هذا العام بشاعر الفلاسفة وفيلسوف الشعراء – رهين المحبسين أبي العلاء المعري، بعد أن احتفى المهرجان بالمتنبي عام 2015 وبالبحتري عام 2017، وبشاعر الأردن عرار عام 2018.
يقام حفل الافتتاح يوم السبت الموافق 6/7/2019 في قاعة رابطة الكتاب الأردنيين فرع جرش في السابعة مساء، ويتضمن قراءات من شعر أبي العلاء المعري يلقيها كل من الدكتور شفيق طه النوباني والدكتور عبد الرحمن الرشيد، وورقة نقدية عن المعري يقدمها ضيف الشرف الأستاذ الدكتور عبد القادر الرباعي، ويدير الاحتفال الدكتور عبد الرحمن الرشيد.
يوم الإثنين الموافق 8/7/2019 هو اليوم الثاني من المهرجان يقدم فيه الدكتور يوسف حمدان محاضرة بعنوان:" القلق وتصور الوجود في شعر أبي العلاء المعري"، وتقام الفعالية في الساعة السابعة مساءً في قاعة رابطة الكتاب الأردنيين فرع جرش، ويدير الجلسة القاص عبد الله حناتلة.
يوم الأربعاء الموافق 10/7/2019 هو اليوم الثالث من المهرجان ويقام فيه أمسية شعرية للشاعرتين: د. ليندا عبيد، ميسون النوباني، وتقام الفعالية في الساعة السابعة مساء في قاعة رابطة الكتاب الأردنيين فرع جرش، ويدير الجلسة القاصة ماجدة عتوم.
اليوم الرابع من المهرجان هو السبت الموافق13/7/2019 يقدم الدكتور راتب الأفشق محاضرة بعنوان: " التراث القصصيّ في نثر أبي العلاء المعري " ، وتقام الفعالية في الساعة السابعة مساءً في قاعة رابطة الكتاب الأردنيين فرع جرش حيث يدير الجلسة الروائي حسام الرشيد.
يختتم المهرجان فعالياته يوم الإثنين الموافق 15/7/2019 بمحاضرة يقدمها الدكتور هيثم جديتاوي بعنوان" الحِجاج في نثر أبي العلاء المعري" وتقام الفعالية في الساعة السابعة مساءً في قاعة رابطة الكتاب الأردنيين فرع جرش، ويدير الجلسة د. علي المومني.
جرش – من رئيس رابطة الكتاب الأردنيين – فرع جرش: علي طه النوباني


الأحد، 2 يونيو 2019

مسلسل:" العاشق صراع الجواري، والإعلام العربي

بقلم: علي طه النوباني
على الرغم من أني أعرف نهاية الحلاج؛ إلا أنَّ عقلي يميل للغياب أحياناً وأنا أتابع مسلسل (العاشق/ صراع الجواري) متمنياً نهاية سعيدة للشيخ الجميل الذي أشرق مثل شمس في ظلمات الترهل والظلم والقمع. ثم أصحو على الحقيقة المرَّة متذكراً شهاب الدين السهروردي المقتول، وبشار بن برد، وابن المقفع، وغيرهم الكثيرين ممن قتلوا بسبب موقف أو رأي، وما زالوا يُقتلون.
لاحظتُ أنَّ هُجوماً كاسحاً قد تم توجيهه للمسلسل منذ الحلقة الأولى، فقائلٌ بأنَّ المؤلف اختار أن يسلط الأضواء على موضوعين رئيسين معا هما: الحلاج وصراع الجواري وسيطرتهن على الحكم وقصر الخليفة، إلى قائل بأن العرض قد جاء باهتاً منذ الحلقة الأولى.
والأدهى من ذلك أن البعض أخذ على المسلسل أن القناة التي أنتجته لم تقم بعرضه، بل إن واحداً من النقاد في موقع إلكتروني تابع لإحدى الفضائيات يقول بأن المسلسل لم يركز على غنوصية الحلاج وعلاقته بالقرامطة، وكأنَّ الغنوصية شتيمة، متناسياً أن الأديان السماوية كلها قد تأثرت بشكل أو بآخر بالعرفانية أو الغنوصية، والتي هي أفكار تحاول فهم ما هو إلهيّ وما هو بشري وما ينبثق عن ذلك من تدرجات محتملة.
يمكن لكل مؤلف يريد إنجاز عمل درامي عن الحلاج أن يتبنى وجهاً من وجوه النظر في هذه الشخصية المركبة، ويبدو أن العمل قد تبنى وجهاً لا يعجب المشرفين على منابرنا التي تعجُّ بالسخف والرخص، وَتَجاوزَ السقف المسموح حتى بالنسبة للقناة المنتجة التي لم تعرضه.
وإذا كان قد حدث ما حدث للحلاج في بغداد في أوجِ ازدهارها وتألقها كعاصمة للعالم في العصور الوسطى، فمن الطبيعيِّ أن يُعرَض هذا المسلسل على شاشة قناتين أو ثلاثة فقط من مئات القنوات في أوقاتٍ بعيدة عن ذروة استقطاب المشاهدين في حضيض الزمن العربي الذي نعيشه. 
لقد اختار المؤلفُ ثلاثةَ خطوط درامية ليعرض طريقته في النظر إلى محنة الحلاج:
الخط الأول صَوَّرَ فيه قصر الخلافة العباسية، وما آل إليه حال الحكم الذي تديره الجارية شغب وما يَدورُ حولها من مؤامرات الجواري والغلمان، بينما يتفرغ الخليفة المقتدر للشراب واللهو والقيان.
الخط الثاني مثله بالنخاس/ النطل الذي يمثل الحياة المادية بكل ما فيها من شرور ونذالات.
والخط الثالث مثله الحلاج الذي يمثل صوت الروح والثورة على الواقع المرير، والانعتاق من أغلال المعارف المزيفة والجاهزة بالهدم والبناء مرارا وتكرارا لتقليب الأشياء والأفكار على نحوٍ يثير الرغبة في التغيير وعدم التقولب.
لا أعتقد أنه من السهل إنتاج عمل تلفزيوني يتناول قصة الحلاج وأفكاره منذ ولادته حتى محنته، ويقدم كافة زوايا النظر إلى شخصيته في آن معاً كما هو الحال في بحث علمي؛ فالعمل الدرامي يتم بناؤه على واحدة من زوايا النظر وعلى من يتبنى غيرها أن يطرحها في عمل آخر، على أن لا يمنع عرض الأعمال الأخرى لكي يتمكن المشاهد من اختيار ما يقتنع به.
وأياً كان الأمر فقد فتح هذا العمل باباً واسعاً للنقاش والجدل، وسيدفع آلافَ المثقفين لقراءة الكثير من الكتب حول العصر العباسي، وشخصية الحلاج والجنيد، وربما الشاعر غير المشهور جُحظة البرمكي وغيرهم ممن يزخر بهم ذلك العصر من مشاهير وأعلام خلافاً للأعمال الساقطة ذات الإنتاج الكبير، والتي تؤول إلى مزبلة التاريخ، فنحن لم نعد أسرى قناةٍ واحدة أو نافذة إعلامية محددة لكي يَفرضَ علينا السخفاءُ والمتآمرون والجهلة خطابهم التافه، فما ينفع الناس يمكث في الأرض بدليل أنه تم تنفيذ عقوبة القتل على آلاف الأشخاص عبر تاريخنا، واستثنى عقلُ الحضارة واللاوعيُ الجمعيُّ القلة منهم كالحلاج من النسيان، والذي بقى محفوراً في قلوب الناس على الرغم من قتله وتغييب صوته وجزء كبير من كتاباته.
أمَّا الهجمة الشرسة على يوتيوب وفي الموقع الإلكترونية على المسلسل بحجة أنه يتناول شخصاً يصفونه بالكفر؛ فيكفي أن نعرفَ أنه في حين كفَّرَ الحلاجَ ابنُ بابويه والطوسي والحلي وعياض وابن خلدون وابن تيمية وغيرهم، فقد توقف عن الحديث في أمره كل من ابن بهلول والنابلسي وابن سريج وابن حجر والسيوطي وغيرهم، وأبعد من ذلك فقد قال بولايته المقدسي واليافعي والشعراوي والهيثمي وابن عقيلة وسيد مرتضى وغيرهم؛ فهو إذن موقع خلاف بين الفقهاء. بل إنّ عددا كبيراً منهم لا يكتفي بالتوقف عن الحديث في أمره، وإنما يذهب إلى الاعتقاد بولايته فمن هو ذا الذي يخرج علينا جازما بكفره بعد هؤلاء؟[1]
 لقد بلغ الأمر من الجرأة على التكفير في هذا الزمن ما لم يبلغه زمن آخر، فوصل حدَّ تكفير شعب كامل في بعض اجتهادات المتشددين، فهلا تمهلتم ونظرتم إلى السيوطي وابن حجر وغيرهم كيف سكتوا عن الحديث في أمر الحلاج. وهلا نظرتم ما يصنعه الخوف من العنف والتكفير من تجميدٍ للعقل وما يحدثه من هزيمة محققة للحضارة نراها ماثلة أمام عيوننا بما نحن فيه من تخلف وانهيار وضعف.
هذا هو النطلُ /النخاس يقول في الحلقة 26 مخاطباً نفسه في مونولوج داخلي:" هكذا أنتم يا أصحاب السلطة والمال، تقتلون الجمال وتعشقون القبح، تأمرون وتفعلون ما يحلو لكم، والله ليس لديكم من الحكمة والعلم ما لدى طفل جاهل، سحقاً لكم جميعا، والله لو نطق لساني المسجون وأفرجت عنه؛ لرماكم كلكم في زنزانة الندم والخوف، يا من تأخذون بعقائد أنتم ابتدعتموها، سحقاً لكم.
والنطلُ بحديثه هذا عن انحرافات النخب الحاكمة يحاول تبرير نذالاته التى وصلت حدَّ اختطاف الأطفال وخصيهم والمتاجرة بهم، والذين يصبحون لاحقاً بضاعة رائجة في القصور. وكأنه يقول بأنَّ النخب الحاكمة هي من يكرس هذا النظام الاقتصادي الجائر والذي يحتاج إلى تفكيك وإعادة بناء، على أنَّ المؤلف لا يتعمق في تقديم البنية التفكيكية التي يقدمها نقيض النطل – الحلاج لأسباب ربما تعود إلى الخوف، فقد تمَّ حجب المسلسل بشكله المتحفظ الحالي عن أغلب الفضائيات، وقامت ضجة معادية شارك فيه الجهال قبل العلماء؛ فكيف يكون الأمر لو فعل؟
وختاماً فإنني أتساءل: كيف يمكن لنا أن نصنع حاضرنا إذا لم نتمتع بالحرية في فهم وتحليل ماضينا؟ وكيف يمكن لأمة تعيش على بركان من الإرهاب وصناعة الخوف أن تشكل حاضرها وتضمن مستقبلاً لائقاً لأجيالها القادمة؟ ومتى ندخل العصر الحديث بالاعتراف بأبسط مبادئ حقوق الإنسان التي قبلتها وأقرتها حتى بعض القبائل البدائية المعزولة.




[1] دائرة المعارف الإسلامية: مترجمة، ترجمها أحمد الشنتناوي وإبراهيم زكي خورشيد وعبد الحميد يونس، راجعها محمد مهدي علام، دار المعرفة، بيروت، ترجمة الحلاج.