الاثنين، 14 نوفمبر 2022

رسالة إلى علاء الدين


 بقلم: علي طه النوباني

في ورشة لمراجعة وإنعاش لغة الإشارة لدى الصم والبكم؛ أردت أن أبدأ بتمرين للتعارف وكسر الجليد بين المشاركين.

قلت لهم: تخيل أنك ذهبت إلى محل يبيع التحف والأدوات القديمة، واشتريت مجموعة من الأشياء منها مصباح زيت قديم. وعندما عدت إلى البيت تأملت مشترياتك حتى وصلت إلى المصباح، وسرعان ما خرج منه عفريت ضخم قائلا: "شبيك لبيك، عبدك بين إديك، اختر أمنية واحدة، وسوف أحققها لك مهما كانت صعبة". فما هي الأمنية التي تختارها؟

بدأ المشاركون يتحدثون:

فتاتان من المشاركين تمنيتا أن يصبحن معلمات!

خمسة من المشاركين والمشاركات تمنوا أن يسافروا للسعودية لأداء العمرة!

ثلاثة مشاركين تمنوا أن يحصلوا على عمل يكفي لإعالة أسرهم!

واحد من المشاركين قال: لا أريد شيئا، وكأنه يقول:

                         "يكفيك أنك لم تزل حيا    ولست من الأحبة معدما"

إحدى المشاركات قالت إنها ستطلب جهاز تابلت لكي تتعلم عليه لغة الإشارة، وقالت إنها حاولت جمع ثمنه أكثر من مرة؛ ولكنها لم تستطع إلى ذلك سبيلا.

إحدى المشاركات قالت: "سأطلب سماعة طبية لي، ونظارة طبية لزوجي، فأنا بالكاد أسمعه، وهو بالكاد يراني! بل إن أطفالي ينادون عليَّ ولا أسمعهم، ولدينا تقارير طبية وقياسات منذ عام، ولكن العين بصيرة، واليد قصيرة!"

فتشجع طفل من ذوي الإعاقة الحركية يختلس السمع للورشة ووقف مشيرا بيده: "أريد أن أسافر في الطائرة"، فقلت له: إلى أين؟ فقال: "لا أعرف، إلى أي مكان! المهم أن أركب في الطائرة"، وحرَّك يده مثلما تقلع الطائرة.

وحيث أنَّ شبكة الانترنت كبيرة جدا، ولا بد أن علاء الدين يتابع دائما؛ ويبحث عن اسمه على محركات البحث، وحيث أني غلبان مثل كل المشاركين، ولا أملك أن أحقق بعض أمانيهم؛ فقد قررت أن أكتب هذه الرسالة إلى علاء الدين وأميرته ومارده الطيب، لعله يقرأها، ويعرف أنَّ هنالك بشرا أكثر رفقا بعفريته الذي سيهرب من أماني الجشعين المتوحشين الذين لا يملأ بطونهم سوى التراب.

تعال يا علاء الدين وأحضر معك مصباحك السحري، فكل أمنيات أصدقائي هنا لا تعادل قصرا أو سيارة فارهة تمنحها لشخص عابث، فيملُّ منها في يوم أو يومين!

حين تحقق لزينب رغبتها؛ وتجعلها معلمة، فإنك ستـشعر بالسعادة عندما تراها وهي تعطي بلا حدود.

وعندما تسمع فاطمة صوت أطفالها، سيرحل صوتك نحو الخلود.

وأنا أيضا سأطرح أمنية على عفريتك الطيب، أمنية واحدة لا غير، وأخشى أن أقع في تهمة الجشع، فهل يستطيع عفريتك أن يعيد الضمير إلى النُّخب في بلادي، ليعرفوا أنَّ فردة كوتشوك في سياراتهم الفخمة قد تركب عشرين سماعة طبية، وعشرين نظارة طبية لحسن وفاطمة وزيد، وليعرفوا أن هذه الأشياء يجب أن تبقى خارج دائرة التجارة والربح والخسارة، وهم أكثر الناس حديثا عن الربح في الآخرة؛ لا في الدنيا!

تعال يا علاء الدين، فالأماني هنا أسهل، وعفريتك سوف يرتاح من عناء بناء القصور، وشراء الجزر البعيدة والسيارات الفارهة، وتطويل الأعمار، ونفخ الشفاه والأرداف، وقلق المزادات الباهظة، والسباقات التافهة!

ليتك تبحث يا علاء الدين على محركات البحث، وليت عفريتك يستطيع!

ملاحظة: هكذا عرض المشاركون أمنياتهم، دون تصرف في المعنى، فحولتها إلى الفصيحة، وها أنا أحاول توصيلها إلى علاء الدين.

 

الأربعاء، 21 سبتمبر 2022

كتابُ شكرٍ للتخلّفِ والفسادِ والمَحسوبيَّة

 

بقلم: علي طه النوباني

كل من حققوا المكتسبات من تخطي الرقاب، واستغلال كل ثغرات الفساد، والتفنن في خيانة الأمانة متأرجحين بين الأمر ونقيضه، يظهرون في لحظة ما كما الأنبياء والقديسين داعين إلى الحداثة وسيادة القانون والعدالة دون أي شعور بالخجل من ماضيهم، ودونما لحظة صمت أو فترة انتقالية للتأمل والمراجعة.

هكذا - وبهذه البساطة - يستطيع كل واحد أن يضع نقطة، ويبدأ سطراً جديداً بانياً على ماضيه القذر حاضرا مشرقا ومستقبلا مجيدا دون أن يجرؤ أحد على تذكيره بالطريق الذي سلكه قبل أن يصل إلى ما وصل إليه!

ونستطيع بالمقابل أن نقول له: لقد ارتقيت مرتقىً صعباً يا رويعي الغنم!

" شوفوا مين بحكي!"

كان الأحرى بك أن تعلن شكراً واضحاً للتخلف والفساد والمحسوبية؛ ففضلها عليك كفضل المطر على سائر المخلوقات. لقد نقلتك من أسفل الهرم إلى أعلاه، وها أنت تتغنى بأعدائها دون أي مقدمات منطقية!

ما الذي يضمن أنك لن تنقلب من جديد عائدا إلى أصلك اللبلابي المتسلق!

 يا ناكر الجميل!

أتأكل خبز الفساد، ثم تتغنى بالنزاهة والعدالة!

أتبني قصرك وتخيط ثوبك في ردهات الظلام، ثم تتغنى بالأنوار!

عد إلى كهفك المحفوف بالشياطين، ودعك من حديث الملائكة، أو فاشرح لنا قصتك وإرهاصات تغيرك المفاجئ، وصف لنا شياطينك واحدا واحدا، هل طردوك من عالمهم، أم تخليت أنت عنهم بمحض إرادتك؟

هل أعدت لزيد ما سرقت منه؟ وهل سامحك عمرو على ما بدر منك؟

كيف أكلت حق هذا، وظلمت ذاك؟

اخلع ثوب الوقار المزيف الأشبه بقطعة ذهب روسي ملقاة في مزبلة متعفنة.

لقد كان الأحرى بك أن تتخلى عن البراويز الكاذبة التي أحطت نفسك بها بالتدليس والانتهازية والتسلق قبل أن تتحدث عن النزاهة والاستقامة.

أجزم أن الحداثة تخجل من نفسها، ويصيبها المغص والتبول اللاإرادي عندما تعرف أن أمثالك من دعاتها؟

حقك أن تنقلب رأسا على عقب، وحقنا أن نستبين، فارقص على هذه الخشبة التي أدمنت وقوف الأفاقين والكذابين! وإنما ابتلينا بكم، وعزاؤنا أن الرحلة قصيرة جدا، والباب مفتوح على الألغاز والأحجيات، فلعلَّ كوكباً من الغيب يضيء على أرض السبات.   

الاثنين، 8 أغسطس 2022

يا صَبرَ غَزَّةَ

 

يا صَبرَ غَزَّةَ والخناجِرُ في الـمَدى

                                                   مِنْ كُلِّ صَوبٍ بَينَ أروِقَةِ الرَّدى

لا الظَّهْرُ يَسلَمُ مِنْ قَريبٍ غادِرٍ

                                                    لا العِزُّ يَهوي نَحوَ قِـيعــــانِ العِدا

يا صَبرَ غَزَّةَ والتَّـــتارُ جَحافِـــلٌ

                                                     وَتُرابُكِ الوَضّاءُ يَصدَحُ مُنشِدا

لِـمُحارِبٍ جَعَلَ الـحِصارَ بَنادِقاً

                                                    وَنَمـا الـجُذورَ مِنَ القُلوبِ مُرَدِّدا

لَنْ نَنْحَني حتّى إِذا مات الفَضا

                                                           وَتَـجَمَّعَ الظُّلّامُ سَيفاً واحِدا


الثلاثاء، 26 يوليو 2022

الرماة ليسوا على الجبل أصلاً

 

بقلم: علي طه النوباني

الرماة ليسوا على الجبل أصلاً.

إنهم هناك في قعر وادي القهر والفقر والبطالة واللاعدالة.

إنهم هناك يحللون ويفسرون آلية ظهور الأقدام الكاذبة للأميبا في مستنقع التدليس والفساد والإفساد.

الرماة لا يملكون ثمن البنزين لكي يصلوا إلى مواقع الاجتماعات الكثيرة التي يتسلل إليها المتفذلكون والانتهازيون وصيادو المناصب والمنافع.

الرماة لا سهام في جعابهم، ولا نعال في أقدامهم، ولا ثياب على جلودهم، ولا أحلام في رؤوسهم، ولا حتى ماء في خزانات بيوتهم.

الرماة لم يعد لديهم القدرة العقلية على استيعاب المتفذلكين الذين يشبعون الناس كلاما ثم ينقلبون إلى منظرين ومنافقين للسلطة بعيوبها قبل مزاياها.

الرماة دفعوا كل ما لديهم لتعليم أولادهم بعد أن تحملوا شظف العيش ومرارة الحرمان، ثم جلسوا مع أولادهم في البيوت يراقبون كيف يعين النواب والمتنفذون أقاربهم ويقودون الفساد والمحسوبية.

الرماة رأوا غيرهم وهم يأكلون حقهم فأصيبوا بمتلازمة المظلوم اليائس من الحصول على حقه بعد أن وعده ألف متفذلك بالعدل والإنصاف ثم تخطى راسه وهو ساجد لله إلى مصالحه الضيقة.

الرماة لم يعد يهمهم فصاحة اللسان، والقدرات الفائقة على تنميق الكلام؛ لأن كلَّ من رأوهم من هذه النمرة باعوهم بأرخص الأثمان عند أول مكسب صغر أم كبر.

الرماة مَلّوا من ذوي البطون الجرباء الذين لا مانع لديهم من سحب لقمة خبز من فم جائع بائس دون أدنى شعور بوخز الضمير أو الخوف من الرب القدير.

أجزم أن الرماة يطالبون قبل أن يحاولوا الدوس على جراحهم أن يغيب المنافقون والأفاقون وَمُجَمِّلو الواقع البائس عن الساحة - وما أكثرهم - لكي تتضح الرؤيا لأن المتفذلكين مثل الضباب ومثل السراب يشوهون المشهد ويفقدوننا القدرة على الرؤية.

الرماة تركوا للأفاقين الجبل؛ لأنه يحتاج إلى مصاريفَ جاريةٍ لا قبلَ لهم بها. وإلى أن يجدوا طريقةً لِحلِّ المُعادلات الصعبة، ستبقى صناعة التخلف والتنظيرُ لها مهمة المنافقين والأفاقين وصناع الظلام.

 

 

الأحد، 26 يونيو 2022

إعاقة الطابق الرابع لدى أستاذ حقوق الإنسان!

 

بقلم: علي طه النوباني

من يعرفني، يَعرفُ رباطةَ جأشي، وَيعرفُ أَنّي لم أسمح لتافهٍ هُنا أو هُناك أن يوقف مَسيرتي وكِفاحي في الحياة أو أن يثبط عزيمتي. وقد لاحظت على نفسي أَني لم أكتب الكثير عن الإعاقة على الرغم من معاناتي الكبيرة في الحياة بسببها.

لماذا لم أكتب عن الإعاقة؟

قرأت يوما ما أَنَّــهُ إذا سقطت شجرة على شخص ما فانكسر ظهره، فإن ذلك الحدث لا يعتبر مأساة عامة، وإنما هو مأساة تخص ذلك الشخص وحده. وربما كان ذلك فهما إغريقيا قديما للمأساة أو التراجيديا بمفهومها الأدبي النقدي؛ لكنه بصراحة أثر بي كثيراً.

أما اليوم وقد رأيت بأم عيني الحضارات المتقدمة كيف أدمجت الأشخاص ذوي الإعاقة في المجتمع بكل مرافقه، وأزالوا الحواجز التي تمنعهم من المشاركة في فعاليات الحياة؛ فعاش الكثيرون منهم حياة طبيعية إلى حد بعيد؛ فإن شريط الذكريات المرة يمر أمام عيني كما تمر مشاهد الأشخاص ذوي الإعاقة الذين يُظلمون يوميا في مجتمعاتنا التي تزاود على العالم بالحديث عن الإنسانية والخير.

تجولت على العديد من الصفحات على مواقع التواصل الاجتماعي، فلاحظت أنَّ آلاف المبادرات الخجولة انطفأت بسبب عدم تفاعل المجتمع وعدم اهتمامه بقضايا الأشخاص ذوي الإعاقة. وليس أَدلَّ على ذلك من أن أضع منشورا عن حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة؛ فيعلمني الموقع بأن ألف شخص قد رأوه لكنه لم يحصل إلا على إعجاب واحد!

تذكرت مساق حقوق الإنسان الذي سجلت لدراسته أيام كنت طالبا في الجامعة في أوائل التسعينات من القرن الماضي. كان مكان القاعة في الطابق الرابع في مبنى الاقتصاد، ولم يكن في المبنى مصعد؛ فطلبت من الدكتور الذي يدرس حقوق الإنسان أن ينقل المحاضرات إلى الطابق الأول، فنقل المحاضرة الأولى ثم نظر نحوي في منتصف المحاضرة قائلا: " أنا ما بعرف أحكي في الطابق الأول، رح نرجع على الطابق الرابع وعليك أن تدبر أمرك!".

فصل دراسي كامل وأنا أصعد الأدراج على عكازتي المتهالكتين حتى الطابق الرابع لأن مدرس "حقوق الإنسان" لا يرتاح في الطابق الأول. وعلى الرغم من أن قاعات الطابق الأول كانت فارغة!

كان هذا أول احتكاك منهجي بيني وبين حقوق الإنسان على طريقة خريجي فرنسا في الحقوق!

أما أستاذ النثر الحديث فقد كان أكثر لياقة عندما ترك مليون قصة قصيرة في الأدب العربي واختار قصة بعنوان" الصبي الأعرج" ليطرحها في المحاضرة، وعلى الرغم من أني لم أُبدِ أي احتجاج على اختياره، وبرهنت ذلك بمشاركتي في الحوار الذي أداره حولها، إلا أن الأستاذ نظر نحوي في منتصف المحاضرة قائلا: أعتذر للأخ "علي" عن هذا الاختيار، وكأنه اختار هذه القصة عمدا ليصل معي إلى هذه النقطة!

قلت له: لا عليك، لا داعي للاعتذار.

من اليوم، لن أعير التفاتا لذلك الجانب من الفلسفة الإغريقية الذي يعزل ويهمل مآسي الناس واحتياجاتهم، ولن أترك فرصة لتذكير عديمي الضمير وذوي الاحتياجات البارانووية الحادة الذين لا يعرفون أن يتحدثوا عن حقوق الإنسان إلا في الطابق الرابع بمسؤولية الجميع تجاه الأشخاص ذوي الإعاقة، فهنالك الكثير الكثير منهم يعيشون ظروفا صعبة جدا، وينتظرون تنفيذ قانون حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة رقم 20 لسنة 2017، والذي لن تتحقق رؤيته دون وعي المجتمع واهتمامه الذي يعبر -إن تحقق- عن درجة عالية من التحضر.


الجمعة، 10 يونيو 2022

الغولةُ والغول في إتلاف العقول

 

بقلم: علي طه النوباني

على الرغم من التحديثِ المتواصل لمناهج اللغة العربية، يُصرُّ المؤلفون على اعتبار حرفِ المدِّ الطويل ساكنا، وهُم في ذلك يقولون للطالب: انظر إلى ذلك الجدار الأبيض، ما لونه؟ فيقول الطالب: أبيض!، ويرد المعلم: لا يا غبي، إنه أسود!

يمكنك أن تستمر في نطق حرف المَدِّ الطَّويل (ا، و، ي) ما دام نَفَسُكَ قادرا على الاستمرار، ولا يمكن لحرف المدِّ الطويل عِلميا أَن يقبل التَّسكين.

يقول المؤلف: أنظر إلى تلك الألف، ما صنفها من الأصوات، فيقول العلم: إنها حرف مَدٍّ طويل لا يقبل السكون، فَيُصِرُّ المُؤلِّفُ على أَنَّها حَرفُ مَدٍّ طَويلٍ ساكن أي هي جِدارٌ أَبيض وأسود في الوقت نفسه.

وعلى الرغم من أن درسي الإبدال والإعلال غير ضروريين للطالب -باعتقادي- ما لم يتخصص في اللغة العربية في الجامعة؛ يُصِرُّ مُؤلِّفو المَناهجِ على تدريسهما بما ورد فيهما من مغالطات علمية تُسَبِّب الصُّداعَ للطالبِ وَلِمَن يُحاول أن يُفهم الطالب تلك الاجتهادات الغريبة والمعقدة التي لا تلزم إلا لمن يجلس في حلقات بحث جامعيَّة.

وعلى سبيل المثال، ورد في كتاب "النحو والصرف" للصف الثاني عشر للفرع الأدبي في الأردن (ص 95):

" انظر إلى كلمة الأدنَينَ في المثال الثالث، تجد أن أصلها (الأَدْنَايْنَ) لأن مفردها (الأدنى)، وهو اسم مقصور جُمِعَ جَمْعَ مذكرٍ سالماً، فحذفت ألفه لالتقاء الساكنين، وبقيت الفتحة قبل ياء الجمع...)

وهو بذلك يقصد أَنَّ الألف (الأَدْنَايْنَ) حرف ساكن على الرغم من أنه حرف مد طويل لا يمكن أن يقبل السكون، فهو أبيض هنا على الرغم من أنه أسود وعلى الرغم من أنف العلم وأنف الطالب، وينبغي الإشارة هنا إلى أن الياء في (الأَدْنَايْنَ) تقبل السكون هنا لأنها Semivowel أي نصف حرف عله إنْ صح التعبير.

وإذا أردتَ أن تَتَحقَّقَ من ذلك فاقرأ الكلمة (al+ad+naay+na)، هل تشعر بالتقاء ساكنين؟ حتما لا!

الأنكى من ذلك أن المؤلف وضع فَتحةً على النون في المقطع (نا) هكذا (نَا) على الرغم من معرفتنا بأن الألف هي حركةُ النون، وَأَنَّ وضعَ الفتحةِ يَزيدُ حَرَكةً إِلى المقطعِ الصَّوتيّ فَيَصيرُ (naaa)، وَكَأنَّ المَسألةَ مُزاوَدَةٌ عَلى كَومَةِ خُضار توضَعُ الحَركاتُ فيها على غيرِ هُدىً، وَدونَ أيِّ حِساب.

السَّواكِن التي التقت في الواقِع ليست في مثل هذه الكلمة، وإنَّما في أيامنا التي حكمنا فيها على أولادنا بأن يتعَقَّدوا مِن لُغتنا، وَمِن ثَمَّ، مِن ثقافتنا، وَيَغترِبوا إلى حيث لم يعد ينفعُ الاغتراب. لَقد عَرفَ العالمُ أَنَّنا أُمَّةٌ تُحِب التَمَحُّك، وَطَبخَ المُتناقِضات مع بعضها على نحو ينجح في ضرب العقولِ أكثرَ من الغُولَةِ والغول.

كان بإمكان المؤلف أن يقول أنَّ الألف حُذِفَتْ لتسهيل اللفظ، ولكنَّ التعالي على الطالب وإشعاره بأن هنالك أمورا لا يمكن أن يفهمها عقله الصغير يجعل المؤلف يتحدث عن التقاء الأبيض والأسود في آن معاً.

الأمثلة على ذلك كثيرة في تدريس اللغة العربية، ولا أدري من هو المستفيد من جعل الطالب يكره درس لغتنا الجميلة، وأحسب أننا بحاجة إلى مراجعة شاملة لطرائق تدريس اللغة العربية؛ تحافظ على وجودها في عقل الأجيال؛ ومن ثم على خارطة الثقافات الحية في العالم.


الأحد، 5 يونيو 2022

الجُزء الثالث من قصة الأعرابي والإبل "مظفر النواب وفلسفة الشتائم"

 

بقلم: علي طه النوباني

تجنب أغلبية النقاد الخوض في شعر مظفر النواب لأسباب عديدة، منها كثرة الشتائم المقذعة في شعره على نحو يهدد الناقد بانقطاع مصدر رزقه إذا ما كتب عن شاعر هَجّاء كمظفر النوّاب، ومنها ندرة المصادر الأصلية لشاعر قضى حياته هاربا ومشردا بين البلدان، ولم يحتفظ بنظام صديق يطبع شعره ويروجه.

ولكن السبب الذي طرحه النقاد كثيرا هو ادعاء الأنفة عن الشتم، والتعالي عن لغة الشتائم الصريحة والمبطنة، وهم بذلك يتجاهلون أن غرض الهجاء في الشعر العربي كان أساسيا ومولِّدا للكثير من الدلالات العميقة، بل ومؤثرا مفصليا في الكثير من الأحداث السياسية والاجتماعية.

وإذا ما خضنا في فلسفة الشتم ونقيضه التأدب، فالسلطة مؤدبة غالبا -بهذا المقياس- لأنها قادرة على القتل والمسح من سجل الحياة، وليست بحاجة إلى الشتم؛ حالها في ذلك حال اللصوص الذين سرقوا إبل الأعرابي، وهو تأدب لعمري يفوق قلة الأدب بشاعة. أما الضعفاء فهم غير قادرين على شيء سوى الشتم، وهو مغامرة غير محمودة النتائج، وربما يدفعون حياتهم ثمنا لها كما حدث مع الشاعر الأيقونة "دعبل الخزاعي" الذي مات مقتولا.

ولكن هلا تأملنا كم من الشعراء الكبار أقذعوا في الهجاء؟

هل منعت نقائض جرير والفرزدق والأخطل الثقافة العربية من حفظ أشعارهم وتصنيفهم في مقدمة الشعراء الكبار.

وهل منعت قصائد الهجاء المرّ التي كتبها المتنبي من الخوض في عظمة شعره وروعة حكمته وعميق معناه.

وماذا عن ابن الرومي الذي قال عنه المرزباني "لا أعلم أنه مَدَحَ أحداً من رئيس أو مرؤوس إلا وعاد إليه فهجاه؛ ولذلك قلَّت فائدته من قول الشعر، وتحاماه الرؤساء". وعلى الرغم من ذلك، وَصَلَنا ديوان شعر ضخم لابن الرومي، واحتفى به نقاد الشعر، وأعطوه شيئا من حقه. وإذا أردتَ أن تتوسع في معرفة طريقة ابن الرومي في الهجاء، فاذهب إلى ديوانه، وشاهد بعينك أنواع الشتم التي تتخلل عظمة قدرته على التصوير، والتشكيل اللغوي والفني البديع.

وفي ذروة الحضارة العربية الإسلامية هجا دعبل الخزاعي عددا من الخلفاء ومنهم المعتصم، فلم يُلحَّ المعتصم في طلبه للقصاص عندما هرب دعبل إلى رؤوس الجبال، وقُدِّر لدعبل أن يموت بالسم على يد مالك بن طوق بعد أن هجاه بقوله:

إِنَّ اِبنَ طَوقٍ وَبَني تَغلِبٍ                     لَو قُتِّلوا أَو جُرِّحوا قَصرَه

لَم يَأخُذوا مِن دِيَةٍ دِرهَماً                 يَوماً وَلا مِن أَرشِهِم بَعرَه

دِمائُهُم لَيسَ لَها طالِبٌ                       مَطلولَةٌ مِثلَ دَمِ العُذرَه

وُجوهُهُم بيضٌ وَأَحسابُهُم                       سودٌ وَفي آذانِهِم صُفرَه

واللافت للنظر أن دعبلاً قد تعرض في شعره لخلفاء كثيرين إلا انَّ نهايته كانت على يدِ مَن كانَ أَقَلَّ مِنهم مكانةً وسلطاناً فمالك بن طوق هو أحد ولاة الرشيد والواثق والمتوكل. وعلى الرغم من ذلك كله فقد وصلنا جزء جيد من شعر دعبل الخزاعي (ونأسف أشد الأسف لما ضاع منه)، ولم يختلف النقاد على أهميته كشاعر من الطبقة الأولى.

ولكن ماذا يحدث؟ هل نسير إلى الوراء في كل شيء؟!

كان أهل اللغة والأدب في ذروة الحضارة العربية الإسلامية ينصفون المبدعين الكبار مهما أقذعوا في الهجاء، وحتى لو كان يهجو الخليفة نفسه، واليوم يقف الناقد متحدثا عن التأدُّب لا الأدب وكأن السلطة أحكمت وثاق كل شيء في حياتنا حتى لم نعد نميز بين ما هو سياسة وما هو فن.

لقد هجا دعبل المعتصم على ما نعرفه عن سيرة المعتصم فلم يترفع النقاد عن ذكر قيمة فنه الشعري بعيدا عن موقفهم الأخلاقي من فكرة الهجاء والشتم، وهجا مظفر النواب النظام السياسي العربي في عصر الهزائم والانهيار فذاب النقاد أخلاقاً وتجنبوه، بل إن بعضهم أسقط عليه مواقف اعتباطية نابعة من قربه من الشارع والناس، وكأن القرب من ضمير الشعوب جريمة، وهو أمر إن دلَّ على شيءٍ فإنما يدل على أن حضارتنا أصبح لها وجه واحد هو وجه السلطة، وهو وجه غير ولاد ولا يكفي للبقاء، وإني أحسب أننا قريبا سنجتمع مع الديناصورات في متاحف التاريخ ككائنات لم تحترم مبدعيها وثوارها الذين حاولوا أن يدبوا الحياة في اليباس، وديناميكية التغير في السكون القاتل، وحركية الجماهير في قماءة السلطة.

لقد نسي أولئك أن مظفرا لم يفعل شيئاً غريبا على حضارتنا، فقد عبر عما يناسب مقتضى الحال، بل لعلهُ تَحرّى الأَدب في كثير مما قاله أكثرَ مِنْ أولئك المُتَردِّدين المُتَزَيِّنينَ بالكَلامِ المُنمق الذين لا تعرف لهم وجها من ظهر.

وفي نهاية المطاف، الشعوب الحية هي التي تصنع معايير الفن، ويمكن لكل منا أن يتجاوز فذلكات نقاد السلطة الخائفين على لقمة عيشهم، ويرى مظفر النواب وهو ينطق بحال الجماهير المسحوقة قائلا:

وطني أنقذني

رائحةُ الجوع البَشَرِيِّ مُخيفة

وَطَني أَنقِذني

مِن مُدُنٍ سَرَقَتْ فَرَحي

أَنقِذني مِن مُدُنٍ يُصبِحُ فيها الناسُ

مَداخِنَ للخَوفِ وَللزِّبلِ

مُخيفَة

مِن مُدُنٍ تَرقُد في الماءِ الآسِنِ

كالجاموسِ الوَطَنِيِّ

وَتَجْتَرُّ الجيفة

أنقِذْني كَضَريحِ نَبيٍّ مَسروقْ

في هذي السّاعة في وطني

تَجتمعُ الاشعارُ كَعُشبِ النَّهرِ

وترضَعُ في غَفَواتِ البَرِّ

صِغارُ النّوقْ

يا وَطَني المَعروضُ كَنَجمةِ صُبح في السّوقْ