الأحد، 26 يونيو 2022

إعاقة الطابق الرابع لدى أستاذ حقوق الإنسان!

 

بقلم: علي طه النوباني

من يعرفني، يَعرفُ رباطةَ جأشي، وَيعرفُ أَنّي لم أسمح لتافهٍ هُنا أو هُناك أن يوقف مَسيرتي وكِفاحي في الحياة أو أن يثبط عزيمتي. وقد لاحظت على نفسي أَني لم أكتب الكثير عن الإعاقة على الرغم من معاناتي الكبيرة في الحياة بسببها.

لماذا لم أكتب عن الإعاقة؟

قرأت يوما ما أَنَّــهُ إذا سقطت شجرة على شخص ما فانكسر ظهره، فإن ذلك الحدث لا يعتبر مأساة عامة، وإنما هو مأساة تخص ذلك الشخص وحده. وربما كان ذلك فهما إغريقيا قديما للمأساة أو التراجيديا بمفهومها الأدبي النقدي؛ لكنه بصراحة أثر بي كثيراً.

أما اليوم وقد رأيت بأم عيني الحضارات المتقدمة كيف أدمجت الأشخاص ذوي الإعاقة في المجتمع بكل مرافقه، وأزالوا الحواجز التي تمنعهم من المشاركة في فعاليات الحياة؛ فعاش الكثيرون منهم حياة طبيعية إلى حد بعيد؛ فإن شريط الذكريات المرة يمر أمام عيني كما تمر مشاهد الأشخاص ذوي الإعاقة الذين يُظلمون يوميا في مجتمعاتنا التي تزاود على العالم بالحديث عن الإنسانية والخير.

تجولت على العديد من الصفحات على مواقع التواصل الاجتماعي، فلاحظت أنَّ آلاف المبادرات الخجولة انطفأت بسبب عدم تفاعل المجتمع وعدم اهتمامه بقضايا الأشخاص ذوي الإعاقة. وليس أَدلَّ على ذلك من أن أضع منشورا عن حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة؛ فيعلمني الموقع بأن ألف شخص قد رأوه لكنه لم يحصل إلا على إعجاب واحد!

تذكرت مساق حقوق الإنسان الذي سجلت لدراسته أيام كنت طالبا في الجامعة في أوائل التسعينات من القرن الماضي. كان مكان القاعة في الطابق الرابع في مبنى الاقتصاد، ولم يكن في المبنى مصعد؛ فطلبت من الدكتور الذي يدرس حقوق الإنسان أن ينقل المحاضرات إلى الطابق الأول، فنقل المحاضرة الأولى ثم نظر نحوي في منتصف المحاضرة قائلا: " أنا ما بعرف أحكي في الطابق الأول، رح نرجع على الطابق الرابع وعليك أن تدبر أمرك!".

فصل دراسي كامل وأنا أصعد الأدراج على عكازتي المتهالكتين حتى الطابق الرابع لأن مدرس "حقوق الإنسان" لا يرتاح في الطابق الأول. وعلى الرغم من أن قاعات الطابق الأول كانت فارغة!

كان هذا أول احتكاك منهجي بيني وبين حقوق الإنسان على طريقة خريجي فرنسا في الحقوق!

أما أستاذ النثر الحديث فقد كان أكثر لياقة عندما ترك مليون قصة قصيرة في الأدب العربي واختار قصة بعنوان" الصبي الأعرج" ليطرحها في المحاضرة، وعلى الرغم من أني لم أُبدِ أي احتجاج على اختياره، وبرهنت ذلك بمشاركتي في الحوار الذي أداره حولها، إلا أن الأستاذ نظر نحوي في منتصف المحاضرة قائلا: أعتذر للأخ "علي" عن هذا الاختيار، وكأنه اختار هذه القصة عمدا ليصل معي إلى هذه النقطة!

قلت له: لا عليك، لا داعي للاعتذار.

من اليوم، لن أعير التفاتا لذلك الجانب من الفلسفة الإغريقية الذي يعزل ويهمل مآسي الناس واحتياجاتهم، ولن أترك فرصة لتذكير عديمي الضمير وذوي الاحتياجات البارانووية الحادة الذين لا يعرفون أن يتحدثوا عن حقوق الإنسان إلا في الطابق الرابع بمسؤولية الجميع تجاه الأشخاص ذوي الإعاقة، فهنالك الكثير الكثير منهم يعيشون ظروفا صعبة جدا، وينتظرون تنفيذ قانون حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة رقم 20 لسنة 2017، والذي لن تتحقق رؤيته دون وعي المجتمع واهتمامه الذي يعبر -إن تحقق- عن درجة عالية من التحضر.


الجمعة، 10 يونيو 2022

الغولةُ والغول في إتلاف العقول

 

بقلم: علي طه النوباني

على الرغم من التحديثِ المتواصل لمناهج اللغة العربية، يُصرُّ المؤلفون على اعتبار حرفِ المدِّ الطويل ساكنا، وهُم في ذلك يقولون للطالب: انظر إلى ذلك الجدار الأبيض، ما لونه؟ فيقول الطالب: أبيض!، ويرد المعلم: لا يا غبي، إنه أسود!

يمكنك أن تستمر في نطق حرف المَدِّ الطَّويل (ا، و، ي) ما دام نَفَسُكَ قادرا على الاستمرار، ولا يمكن لحرف المدِّ الطويل عِلميا أَن يقبل التَّسكين.

يقول المؤلف: أنظر إلى تلك الألف، ما صنفها من الأصوات، فيقول العلم: إنها حرف مَدٍّ طويل لا يقبل السكون، فَيُصِرُّ المُؤلِّفُ على أَنَّها حَرفُ مَدٍّ طَويلٍ ساكن أي هي جِدارٌ أَبيض وأسود في الوقت نفسه.

وعلى الرغم من أن درسي الإبدال والإعلال غير ضروريين للطالب -باعتقادي- ما لم يتخصص في اللغة العربية في الجامعة؛ يُصِرُّ مُؤلِّفو المَناهجِ على تدريسهما بما ورد فيهما من مغالطات علمية تُسَبِّب الصُّداعَ للطالبِ وَلِمَن يُحاول أن يُفهم الطالب تلك الاجتهادات الغريبة والمعقدة التي لا تلزم إلا لمن يجلس في حلقات بحث جامعيَّة.

وعلى سبيل المثال، ورد في كتاب "النحو والصرف" للصف الثاني عشر للفرع الأدبي في الأردن (ص 95):

" انظر إلى كلمة الأدنَينَ في المثال الثالث، تجد أن أصلها (الأَدْنَايْنَ) لأن مفردها (الأدنى)، وهو اسم مقصور جُمِعَ جَمْعَ مذكرٍ سالماً، فحذفت ألفه لالتقاء الساكنين، وبقيت الفتحة قبل ياء الجمع...)

وهو بذلك يقصد أَنَّ الألف (الأَدْنَايْنَ) حرف ساكن على الرغم من أنه حرف مد طويل لا يمكن أن يقبل السكون، فهو أبيض هنا على الرغم من أنه أسود وعلى الرغم من أنف العلم وأنف الطالب، وينبغي الإشارة هنا إلى أن الياء في (الأَدْنَايْنَ) تقبل السكون هنا لأنها Semivowel أي نصف حرف عله إنْ صح التعبير.

وإذا أردتَ أن تَتَحقَّقَ من ذلك فاقرأ الكلمة (al+ad+naay+na)، هل تشعر بالتقاء ساكنين؟ حتما لا!

الأنكى من ذلك أن المؤلف وضع فَتحةً على النون في المقطع (نا) هكذا (نَا) على الرغم من معرفتنا بأن الألف هي حركةُ النون، وَأَنَّ وضعَ الفتحةِ يَزيدُ حَرَكةً إِلى المقطعِ الصَّوتيّ فَيَصيرُ (naaa)، وَكَأنَّ المَسألةَ مُزاوَدَةٌ عَلى كَومَةِ خُضار توضَعُ الحَركاتُ فيها على غيرِ هُدىً، وَدونَ أيِّ حِساب.

السَّواكِن التي التقت في الواقِع ليست في مثل هذه الكلمة، وإنَّما في أيامنا التي حكمنا فيها على أولادنا بأن يتعَقَّدوا مِن لُغتنا، وَمِن ثَمَّ، مِن ثقافتنا، وَيَغترِبوا إلى حيث لم يعد ينفعُ الاغتراب. لَقد عَرفَ العالمُ أَنَّنا أُمَّةٌ تُحِب التَمَحُّك، وَطَبخَ المُتناقِضات مع بعضها على نحو ينجح في ضرب العقولِ أكثرَ من الغُولَةِ والغول.

كان بإمكان المؤلف أن يقول أنَّ الألف حُذِفَتْ لتسهيل اللفظ، ولكنَّ التعالي على الطالب وإشعاره بأن هنالك أمورا لا يمكن أن يفهمها عقله الصغير يجعل المؤلف يتحدث عن التقاء الأبيض والأسود في آن معاً.

الأمثلة على ذلك كثيرة في تدريس اللغة العربية، ولا أدري من هو المستفيد من جعل الطالب يكره درس لغتنا الجميلة، وأحسب أننا بحاجة إلى مراجعة شاملة لطرائق تدريس اللغة العربية؛ تحافظ على وجودها في عقل الأجيال؛ ومن ثم على خارطة الثقافات الحية في العالم.


الأحد، 5 يونيو 2022

الجُزء الثالث من قصة الأعرابي والإبل "مظفر النواب وفلسفة الشتائم"

 

بقلم: علي طه النوباني

تجنب أغلبية النقاد الخوض في شعر مظفر النواب لأسباب عديدة، منها كثرة الشتائم المقذعة في شعره على نحو يهدد الناقد بانقطاع مصدر رزقه إذا ما كتب عن شاعر هَجّاء كمظفر النوّاب، ومنها ندرة المصادر الأصلية لشاعر قضى حياته هاربا ومشردا بين البلدان، ولم يحتفظ بنظام صديق يطبع شعره ويروجه.

ولكن السبب الذي طرحه النقاد كثيرا هو ادعاء الأنفة عن الشتم، والتعالي عن لغة الشتائم الصريحة والمبطنة، وهم بذلك يتجاهلون أن غرض الهجاء في الشعر العربي كان أساسيا ومولِّدا للكثير من الدلالات العميقة، بل ومؤثرا مفصليا في الكثير من الأحداث السياسية والاجتماعية.

وإذا ما خضنا في فلسفة الشتم ونقيضه التأدب، فالسلطة مؤدبة غالبا -بهذا المقياس- لأنها قادرة على القتل والمسح من سجل الحياة، وليست بحاجة إلى الشتم؛ حالها في ذلك حال اللصوص الذين سرقوا إبل الأعرابي، وهو تأدب لعمري يفوق قلة الأدب بشاعة. أما الضعفاء فهم غير قادرين على شيء سوى الشتم، وهو مغامرة غير محمودة النتائج، وربما يدفعون حياتهم ثمنا لها كما حدث مع الشاعر الأيقونة "دعبل الخزاعي" الذي مات مقتولا.

ولكن هلا تأملنا كم من الشعراء الكبار أقذعوا في الهجاء؟

هل منعت نقائض جرير والفرزدق والأخطل الثقافة العربية من حفظ أشعارهم وتصنيفهم في مقدمة الشعراء الكبار.

وهل منعت قصائد الهجاء المرّ التي كتبها المتنبي من الخوض في عظمة شعره وروعة حكمته وعميق معناه.

وماذا عن ابن الرومي الذي قال عنه المرزباني "لا أعلم أنه مَدَحَ أحداً من رئيس أو مرؤوس إلا وعاد إليه فهجاه؛ ولذلك قلَّت فائدته من قول الشعر، وتحاماه الرؤساء". وعلى الرغم من ذلك، وَصَلَنا ديوان شعر ضخم لابن الرومي، واحتفى به نقاد الشعر، وأعطوه شيئا من حقه. وإذا أردتَ أن تتوسع في معرفة طريقة ابن الرومي في الهجاء، فاذهب إلى ديوانه، وشاهد بعينك أنواع الشتم التي تتخلل عظمة قدرته على التصوير، والتشكيل اللغوي والفني البديع.

وفي ذروة الحضارة العربية الإسلامية هجا دعبل الخزاعي عددا من الخلفاء ومنهم المعتصم، فلم يُلحَّ المعتصم في طلبه للقصاص عندما هرب دعبل إلى رؤوس الجبال، وقُدِّر لدعبل أن يموت بالسم على يد مالك بن طوق بعد أن هجاه بقوله:

إِنَّ اِبنَ طَوقٍ وَبَني تَغلِبٍ                     لَو قُتِّلوا أَو جُرِّحوا قَصرَه

لَم يَأخُذوا مِن دِيَةٍ دِرهَماً                 يَوماً وَلا مِن أَرشِهِم بَعرَه

دِمائُهُم لَيسَ لَها طالِبٌ                       مَطلولَةٌ مِثلَ دَمِ العُذرَه

وُجوهُهُم بيضٌ وَأَحسابُهُم                       سودٌ وَفي آذانِهِم صُفرَه

واللافت للنظر أن دعبلاً قد تعرض في شعره لخلفاء كثيرين إلا انَّ نهايته كانت على يدِ مَن كانَ أَقَلَّ مِنهم مكانةً وسلطاناً فمالك بن طوق هو أحد ولاة الرشيد والواثق والمتوكل. وعلى الرغم من ذلك كله فقد وصلنا جزء جيد من شعر دعبل الخزاعي (ونأسف أشد الأسف لما ضاع منه)، ولم يختلف النقاد على أهميته كشاعر من الطبقة الأولى.

ولكن ماذا يحدث؟ هل نسير إلى الوراء في كل شيء؟!

كان أهل اللغة والأدب في ذروة الحضارة العربية الإسلامية ينصفون المبدعين الكبار مهما أقذعوا في الهجاء، وحتى لو كان يهجو الخليفة نفسه، واليوم يقف الناقد متحدثا عن التأدُّب لا الأدب وكأن السلطة أحكمت وثاق كل شيء في حياتنا حتى لم نعد نميز بين ما هو سياسة وما هو فن.

لقد هجا دعبل المعتصم على ما نعرفه عن سيرة المعتصم فلم يترفع النقاد عن ذكر قيمة فنه الشعري بعيدا عن موقفهم الأخلاقي من فكرة الهجاء والشتم، وهجا مظفر النواب النظام السياسي العربي في عصر الهزائم والانهيار فذاب النقاد أخلاقاً وتجنبوه، بل إن بعضهم أسقط عليه مواقف اعتباطية نابعة من قربه من الشارع والناس، وكأن القرب من ضمير الشعوب جريمة، وهو أمر إن دلَّ على شيءٍ فإنما يدل على أن حضارتنا أصبح لها وجه واحد هو وجه السلطة، وهو وجه غير ولاد ولا يكفي للبقاء، وإني أحسب أننا قريبا سنجتمع مع الديناصورات في متاحف التاريخ ككائنات لم تحترم مبدعيها وثوارها الذين حاولوا أن يدبوا الحياة في اليباس، وديناميكية التغير في السكون القاتل، وحركية الجماهير في قماءة السلطة.

لقد نسي أولئك أن مظفرا لم يفعل شيئاً غريبا على حضارتنا، فقد عبر عما يناسب مقتضى الحال، بل لعلهُ تَحرّى الأَدب في كثير مما قاله أكثرَ مِنْ أولئك المُتَردِّدين المُتَزَيِّنينَ بالكَلامِ المُنمق الذين لا تعرف لهم وجها من ظهر.

وفي نهاية المطاف، الشعوب الحية هي التي تصنع معايير الفن، ويمكن لكل منا أن يتجاوز فذلكات نقاد السلطة الخائفين على لقمة عيشهم، ويرى مظفر النواب وهو ينطق بحال الجماهير المسحوقة قائلا:

وطني أنقذني

رائحةُ الجوع البَشَرِيِّ مُخيفة

وَطَني أَنقِذني

مِن مُدُنٍ سَرَقَتْ فَرَحي

أَنقِذني مِن مُدُنٍ يُصبِحُ فيها الناسُ

مَداخِنَ للخَوفِ وَللزِّبلِ

مُخيفَة

مِن مُدُنٍ تَرقُد في الماءِ الآسِنِ

كالجاموسِ الوَطَنِيِّ

وَتَجْتَرُّ الجيفة

أنقِذْني كَضَريحِ نَبيٍّ مَسروقْ

في هذي السّاعة في وطني

تَجتمعُ الاشعارُ كَعُشبِ النَّهرِ

وترضَعُ في غَفَواتِ البَرِّ

صِغارُ النّوقْ

يا وَطَني المَعروضُ كَنَجمةِ صُبح في السّوقْ

السبت، 4 يونيو 2022

الجُزء الثاني من قِصَّةِ الأَعرابيِّ والإِبل

 

بقلم: علي طه النوباني

رأيت مَنشورا على فيسبوك لواحد ممن يُفترض بهم أن يدافعوا عن الناس وهو يتفذلك بحديث ممجوج دفاعًا عن باطلٍ ظاهر، ورأيت "شرشورا" من الشتائم المبطنة في خانة التعليقات، فخطر لي أن أكتب الحلقة الثانية من قصة الأعرابي الممنوع من الشَّتم.

لقد انتبه زهير بن أبي سلمى منذ ما يزيد على ألفِ سَنه إلى أنَّ الوقاية من الشتم لا تكون بتكميم الأفواه، وتغليظ العقوبة، ومنع الناس من الفضفضة، بل تكون بالاستقامة، وفعل الخير، وعمل كل ما يجلب الذكر الطيب، فإذا لم يعلن الناس أن فلاناً حقيرٌ وظالم، أو منافق ونذل، أو فاسد وخسيس، فإنهم يتناقلون الدّلالات نفسها خلسة؛ فتحفظها الأجيال، وتصبح تاريخاً بعد أن كانت مجرَّدَ شتائم.

صدق زهير بن أبي سلمى حين قال:

وَمَنْ يَجْعَلِ المَعْرُوفَ مِنْ دُونِ عِرْضِهِ

                                               يَفِرْهُ، وَمَنْ لَا يَتَّقِ الشَّتْمَ يُشْتَمِ

وهذا يعني أن هنالك من يبذلون قصارى جهدهم لكي يبوؤوا بالشتم؛ كما حدث مع الراعي النميري عندما أوقع نفسه بلسان جرير؛ فأطفأ ذكر قومه، وأخرج نفسه من مجالس الكبار كما جاء في قول جرير:

أَتَلتَمِسُ السّبابَ بَنو نُمَيرٍ               فَقَد وَأَبيهِمُ لاقوا سِبابا

وصاحبنا في هذا مثل الطبيب الذي اختاره الناس لعلاج جراحهم، ففعل مثلما فعل ابن شمعون في قول بلبل الغرام الحاجري:

طِبُّ اِبنُ شَمعونٍ بِلا ريبَةٍ            حكمٌ عَلى هَذا الوَرى يَقضي

ما عادَ يَوماً مَن بِهِ عِلَّةٌ                وَعادَ مَوجوداً عَلى الأَرضِ

       يَمشي وَعَزرائيلُ مِن خَلفِهِ                  مُشَمِّرَ الأَردانِ لِلقَبضِ 

تبا لك من طبيب، وتبا لكل من يشيد بك بعد هذا، أوتحتمل الحال البائسة التي يعيشها الناس فذلكة أمثالك ممن يتفننون في تبرير الظلم، وقوننة الفساد! أم هل يحتاج الطغيان إلى محامين مدلِّسين.

وقد عرفناك خير ممثل لقول بشار بن برد:

إذا جِئتَهُ في حاجةٍ سَدَّ بابَهُ                     فلَمْ تَلْقَهُ إلا وأنْتَ كَمينُ

إذا سَلّمَ المِسكينُ طار فُؤادُهُ                مخافةَ سُؤْلٍ واعْتراهُ جُنُونُ

أو قول ابن الرومي:

مَلَكَ النفاقُ طباعَه فتَثَعْلَبا                 وأبى السماحةَ لؤمُهُ فاستكلبا

فترى غروراً ظاهراً من تحته            نَكدٌ فَقُبِّح شاهداً ومُغيَّبا

ولَشرُّ من جرَّبتَهُ في حاجةٍ             من لا تزال به مُعنَّىً مُتعبَا

من لا يبيعُك ما تريد ولا يرى          لك حُرمةً إن جئته مُستوهِبا

لقد احتوى الشعر العربي على الكثير من الحكمة في باب الهجاء والشتم، وذِكرِ ما رآه الشعراء من قُبح، وعندما يُمنع الأعرابي من الشتم تتحول الطاقة من شكلٍ إلى آخر، وتبقى نظرية زهير بن أبي سلمى قائمة:

وَمَنْ لَا يَتَّقِ الشَّتْمَ يُشْتَمِ

 

 

 


الأحد، 29 مايو 2022

الأعرابي الممنوع من الشتم!

 

بقلم: علي طه النوباني

يُحكى انَّ أعرابيا كان عنده إبل يرعاها، ويسهر عليها، ويعيش من خيرها. وذات يوم أغار مجموعة من اللصوص على الإبل وساقوها أمامهم؛ فانتبه الأعرابي، وأخذ يركض وراءهم ويشتمهم؛ ويبدو أنَّه قدَّر أنه لن يتمكن من التغلب عليهم، فتقاعس عن مواجهتهم، وأخذوا الإبل، فلما عاد، سأله قومه: ماذا فعلت؟ فقال لهم: أشبعتهم شتما وفازوا بالإبل! وذهب قوله مثلا.

وقد سمعت حوارا حول جدوى الشتم والسباب بعد فقدان الإبل:

قال أحدهم: الشتم عيب ولا يليق بالرجل الخلوق أن يشتم.

وقال آخر: الشتم علامة ضعف وعدم قدرة على الفعل.

وقال آخر: الشتم يطال أناسا لا ذنب لهم كأب الحرامي وأمه وذويه!

وقال متفذلك آخر: إذا كنت صاحب حق؛ فالجأ إلى القضاء دون أن تنبس ببنت شفة.

ولكن أحدا منهم لم يتطرق لحقيقة أن الشتم والسباب سلوك بشري وُجد لفاقد الحيلة لكي ينفس عن غيظه وشعوره الطاغي بوقوع مظلومية ميؤوس منها عليه لا ينفعه فيها القضاء ولا القضاة؛ فإذا لم يتمكن من الشتم انفجر قهرا.

ماذا لو حرمنا الأعرابي من نعمة الشتم؟ وصار القانون متشددا جدا في عقوبة السباب، ومتراخيا جدا في عقاب قطاع الطرق الذين سرقوا الإبل! تلك والله مظلمة تتجاوز حدود العقل، وتفوق أشد الجبابرة ظلما، وتزيد الغليان المعتمل في النفوس، وتضع المجتمع على حافة الجحيم.

وماذا بعد!

لقد ذهبت ساكسونيا* إلى أبعد من ذلك عندما قدَّمت الحماية لقطاع الطرق، وشنقت الأعرابي بجريمة الشتم! تبا لك أيها الأعرابي الخليع، كيف ستعيش دون إبلك؟ وما الذي سيخفف عنك مرارة الظلم إذا لم تتمكن من إغراقهم بالشتم والسباب؟!

·       كان قانون ساكسونيا يُفرِّق بين الناس في العقوبة وفق طبقتهم الاجتماعية. فكان يجري تنفيذ عقوبة الإعدام للقاتل إذا كان من عامة الشعب، وذلك بأن يُقطع رأسه بحيث يُفصل عن جسده. أما إذا كان القاتل من طبقة النبلاء والأغنياء فكان يجري تنفيذ عقوبة الإعدام بطريقة «غريبة»، إذ كان يؤتى بالقاتل ليقف في الشمس وكانوا يُقطعون رقبةَ ظله!


السبت، 28 مايو 2022

شعر ومقالات متنوعة


































مخاطر سياسة "القضاء" على فيروس كوفيد
 

 

تدوير الفساد باسم الديمقراطية
 

 

حررونا من هذه الدورة غير المجدية للسيطرة على كورونا 

 

 
حماية الضعفاء بدلا من تدمير حياة المجتمع

 

اختبار COVID-19 RT-PCR: كيفية تضليل كل البشرية. باستخدام "اختبار" لإغلاق المجتمع
 

 
الشركة عندما تصبح وحشًا، قصة كاري موليس

 

 

التشكيك في فرضية فيروس نقص المناعة البشرية / الإيدز: 30 عامًا من المعارضة  

 

فيروس COVID ينتشر عن طريق الهباء الجوي الذي يسافر 30 مترًا

 


 صدر حديثًا "حب الحياة" قصص مترجمة للمترجم فتح كساب

 
كورونا، والفشل الذريع


صدر حديثا الطبعة الثانية من رواية دموع فينيس لعلي طه النوباني  

 

علي طه النوباني يصدر الأعمال القصصية الكاملة حتى عام 2020
 

 
نداء إلى الجمعية الملكية لحماية الطبيعة: " الذئب والغنم"

https://habibatuna.blogspot.com/2020/08/us-election-coronavirus.html

 الديمقراطيون وتوظيف فيروس كوفيد 19 في السياسة 

 

 
https://habibatuna.blogspot.com/2020/08/ali-taha-alnobani.html

صَـديـقُ الـناطور وجُـدرانُ الـسِّـجْـن  

 

https://habibatuna.blogspot.com/2020/08/blog-post.html

 الروح والأبديَّة في شعر عبد الله "أبو شميس"

https://habibatuna.blogspot.com/2020/08/jerusalem.html

 مركزية القدس في رواية " رجل وحيد جدا " للقاص يحيى عبابنة


https://habibatuna.blogspot.com/2019/01/Ali-Taha-Alnobani.html

 أوراقُ الكرمةِ الحمراء

 

https://habibatuna.blogspot.com/2018/11/ali-taha-alnobani_24.html

 

https://habibatuna.blogspot.com/2020/03/ali-taha-alnobani_15.html

  الشاعر علي النوباني.. من الرومانسية إلى التجريب 

 

https://habibatuna.blogspot.com/2020/05/coronavirus-pandemic_93.html

ما بعد كورونا هو العودة إلى الحياة والحرية  

 

https://habibatuna.blogspot.com/2020/05/lockdown-corona-virus.html

 مصممو الإغلاق المجانين

https://habibatuna.blogspot.com/2020/05/coronavirus-pandemic_43.html

الحكومات هي التي تهدد حياتنا وليس الفيروس التاجي  

 

https://habibatuna.blogspot.com/2020/07/pcr-covid19.html

 اختبارات (PCR) لغايات تشخيص كوفيد 19 لا معنى لها 

 

صدر حديثا مسرحية بعنوان " إشارة ضوئية" للكاتب علي طه النوباني
 

https://habibatuna.blogspot.com/2020/06/coronavirus-symptoms-pandemic.html

فشل العلماء في إثبات أن الفيروس التاجي يحقق افتراضات كوخ  

https://habibatuna.blogspot.com/2020/05/coronavirus-pandemic_17.html

  نظرية المؤامرة... متى تستحق التأمل؟ 

 

في رثاء أستاذي الدكتور عبد العزيز طشطوش
 

https://habibatuna.blogspot.com/2020/05/blog-post.html

 جيشُ النور 

 

https://habibatuna.blogspot.com/2020/05/Amos-Oz.html

  مغالطات عموس عوز في "قصة عن الحب والظلام 

https://habibatuna.blogspot.com/2020/05/coronavirus-pandemic.html

  كورونا، تساؤلات حول منهج المواجهة 

https://habibatuna.blogspot.com/2020/06/world-health-organization.html

 رسالة إلى منظمة الصحة العالمية


https://habibatuna.blogspot.com/2020/05/coronavirus-pandemic_22.html

هل هنالك رغبة عالمية بالتخلص من كبار السن؟  

 

https://habibatuna.blogspot.com/2020/05/coronavirus-pandemic_62.html

كيف نفهم ونكتب التقارير حول فيروس كورونا  

https://habibatuna.blogspot.com/2020/05/coronavirus-pandemic_24.html

  التراجع عن الديمقراطية وحقوق الإنسان 

 

https://habibatuna.blogspot.com/2020/05/coronavirus-pandemic_11.html

يا سكان العالم ... انتبهوا  

 

 

https://habibatuna.blogspot.com/2018/10/Ali-Taha-Alnobani.html

  

 الحقل والأرانب

 
https://habibatuna.blogspot.com/2010/12/blog-post_29.html

عندما نَقَمَت عَلينا الريح  

 

https://habibatuna.blogspot.com/2011/01/blog-post_7144.html

 دائرة الزمن المسحور

 

https://habibatuna.blogspot.com/2013/05/blog-post.html

كأسٌ آخرُ من بيروت  

 

https://habibatuna.blogspot.com/2010/12/blog-post_7210.html

 رسالة إلى الحرية 

 

https://habibatuna.blogspot.com/2010/12/blog-post_8598.html

 صَبيَّةٌ من جدارا اسمُها حوران

 


https://habibatuna.blogspot.com/2011/07/blog-post.html

 عنترُ ودائرةُ النحس 

 

https://habibatuna.blogspot.com/2016/03/blog-post_24.html

 فراشتي الحبيبة 

 

https://habibatuna.blogspot.com/2010/12/blog-post.html

 المسافر والطريق 

 

https://habibatuna.blogspot.com/2011/01/blog-post_4747.html

مرتحلٌ إلى الشمس  

 

https://habibatuna.blogspot.com/2010/12/blog-post_1656.html

شارع آخر  

 

https://habibatuna.blogspot.com/2010/12/blog-post_5373.html

الأرض حبيبتنا  

 

https://habibatuna.blogspot.com/2013/11/blog-post.html

 مرثية الغريب 

 

https://habibatuna.blogspot.com/2011/01/blog-post_7817.html

 الغرفُ العليا 

 

https://habibatuna.blogspot.com/2010/12/blog-post_4093.html

 الخرز العسليّ 

 

https://habibatuna.blogspot.com/2011/01/blog-post_8615.html

 دورة تشرين

 

https://habibatuna.blogspot.com/2010/12/1-2-3-4.html

 العادم والكسالى

https://habibatuna.blogspot.com/2020/03/ali-taha-alnobani_13.html

تأمل سريع في ديوان " شارع آخر" لعلي طه النوباني  

 

https://habibatuna.blogspot.com/2020/03/ali-taha-alnobani.html

قمر الخليج