التسميات

شعر علي طه النوباني دراسات ومقالات قصص علي طه النوباني شعر ميسون طه النوباني علي طه النوباني قصص عبد الله الحناتلة شعر أدونيس ترجمات شعر الوأواء الدمشقي شعر المتنبي شعر كمال خير بك شعر الشيخ الأكبر بن عربي شعر العباس بن الأحنف شعر د. عطا الله الزبون شعر هاشم سوافطة شعر هناء مسالمة فعاليات ثقافية مقالات تحميل كتب شعر البحتري شعر د. إبراهيم السعافين شعر يوسف الخال أخبار شعر أبو العلاء المعري شعر أبو نواس شعر أمل دنقل شعر إبراهيم ناجي شعر د. شفيق طه النوباني شعر شفيق المعلوف شعر مصطفى صادق الرافعي شعر أحمد دحبور شعر أحمد مطر شعر إيليا أبو ماضي شعر الحلاج شعر الشنفرى شعر الصمة القشيري شعر العراس بن الأحنف شعر المثقب العبدي شعر بشار بن برد شعر توفيق زياد شعر خلدون بني عمر شعر رابعة العدوية شعر زهير بن أبي سلمى شعر سميح القاسم شعر طارق بنات شعر عبد الله البردوني شعر مجنون ليلى شعر مجنون ليلي شعر مظفر النواب شعر نازك الملائكة شعر نزار قباني قصص د. شفيق طه النوباني مقامات حديثة

السبت، 15 يناير 2011

حب الحياة



حب الحياة

جاك لندن
ترجمة: فتح كساب


انتقل الرجلان متألمان ومترنحان إلى أسفل الضفة وسط الصخور المتناثرة في كل مكان , كانا متعبين وضعيفين .وأظهرت وجوههم تعابير المرض الآتي بعد مقارعة الشدائد طويلا . وكانا مثقلين بأكياس بطانياتهم المثبتة على أكتافهم وساعدهم على تثبيتها تلك الحمولة , وجود أربطة  للرأس ملتفة حول الجبهة وحمل كل منهما بندقية وسارا وهما منحنيان أكتافهم للأمام والرأس أكثر ميلا . وعيونهما منحنية إلى الأرض أتمنى لو كان معنا مقذوفتين من تلك الموجودة في مستودعنا قال الرجل الثاني.
كان صوته أبلها بالكامل ولا يوحي بأي انطباع . تكلم بلا حماسة,أما الرجل الأول ,الذي كان يمشي في الجدول المتدفق المزبد فوق الصخور ,فلم يجب بشيء  .
سار الرجل الآخر في أعقابه , ولم يقوما بخلع أحذيتهم على الرغم من أن الماء كان باردا حد التجمد .كان باردا جدا لدرجة آلمت كواحلهم وخدرت أقدامهم .في بعض الأماكن اندفع الماء بقوة ضاربا ركبهم , وكافح كلا الرجلين ليبقيا منتصبين .
 انزلق الرجل الثاني على صخرة ملساء وكاد أن يسقط. استطاع استعادة توازنه بجهد عظيم مطلقا في الوقت عينه صرخة تعجب حادة من شدة الألم بدا خائر القوى مترنحا ومد يده الفارغة أثناء ترنحه كما لو كان يبحث عما يسنده في الهواء. وعندما صار في حالة ثبات خطى خطوة إلى الأمام , ولكنه انزلق ثانية وكاد أن يسقط . ثم وقف منتصبا إلى ونظر الرجل الآخر الذي لم يلتفت إلى الخلف أبدا .
وقف الرجل ساكنا لدقيقة كاملة , كما لو كان يجادل نفسه ثم نادى أقول يا بيل ,لقد لويت كاحلي
كان بيل يصارع للتقدم في الجدول المزبد . لم ينظر حوله .وشاهده الرجل يمضي. وعلى الرغم من أن وجهه كان يفتقر لأي إيحاء , كما هو دائما , إلا أن عيونه كانت كعيون غزال جريح .ارتقى الرجل الآخر الضفة البعيدة من الجدول مترنحا , واستمر سائرا بخط مستقيم دون النظر إلى الخلف .راقبه الرجل الذي في الجدول , وارتجفت شفتاه قليلا .لدرجة أن الشعر البني الكثيف الذي غطاهما كان متوترا بشكل ملحوظ وأبقى لسانه في الخارج ليربطهما وصرخ بيل!
لقد كانت صرخة بؤس لرجل قوي مصاب بالإحباط , ولكن رأس بيل لم يستدر . شاهده الرجل يمضي مترنحا صاعدا إلى المنحدر الخفيف تجاه الخط السماوي نحو التلال المنبسطة. شاهده يمضي حتى اجتاز أعلى التل واختفى . ثم أجال بصره وتفحص على مهل ما تبقى له من دائرة العالم بعد أن اختفى بيل .
وقرب الأفق كانت الشمس تتوهج بشكل خافت في السماء محجوبة تقريبا بالغيوم والبخار , الذي أعطى انطباعا بالتكتل والكثافة غير الواضحة ,أخرج الرجل ساعته ,فيما ألقى بحمل ثقله على ساق واحدة .كانت الساعة الرابعة وكان الفصل في نهاية تموز أو بداية آب , ولم يستطع أن يحدد التاريخ بدقة ضمن أسبوع أو أسبوعين , عرف أن الشمس اتجهت نحو الشمال الغربي .
نظر إلى الجنوب وعرف  أنه في مكان ما وراء تلك التلال الباردة الجرداء تقع بحيرة الدب العظيم
 Great Bear Lake , عرف كذلك أنه في ذلك الاتجاه تقطع الدائرة طريقها المُحرَّم((forbidding way عبر السهول الكندية الجرداء.
كان هذا الجدول الذي وقف فيه رافدا لنهر كوبرماين (Coppermine River )منجم النحاس والذي تدفق بدوره نحو الشمال صابا حمولته في خليج كوروينشن(( Coronation Gulf والمحيط المتجمد الشمالي . لم يكن يوما هناك ,ولكنه رآه مرة على خريطة شركة خليج هدسن Hudson Bay Company) chart). ومرة أخرى أكمل بصره دورة في العالم حوله . لم يكن منظرا مبهجا ففي كل مكان كان هناك الخط السماوي المصقول . كانت جميع التلال منبسطة ولم يكن هناك أشجار ولا شجيرات ولا أعشاب . لم يكن هناك شيء سوى الفارغ الكبير المهجور والذي زرع الخوف بسرعة في عينيه .
بيل ! همس بها مرة واثنتين بيل .
 سقط في الماء المزبد كما لو كان المدى الفسيح يضربه بقوة هائلة ساحقاً إياه بشدة أرضته عن نفسه . وبدأ يرتعش بشدة كارتعاشة الواهن حتى سقطت بندقيته في الماء ناثرة الماء إلى أعلى وساعد هذا على إيقاظه , وصارع خوفه , واستجمع نفسه متحسسا الماء ومستعيدا بندقيته  . أزاح حمولته تجاه كتفه الأيسر لتخفيف جزء من ثقلها عن الكاحل المصاب . لم يتوقف .وبيأس بلغ حد الجنون . وبلا وعي من الألم  . صعد المنحدر إلى أعلى قوس التل والتي اختفى فوقها رفيقه – وكان صعوده جنوني ومضحك أكثر من صعود رفيقه المترنح المرتجف. لكنه شاهد وادياً ضحلاً خالياً من الحياة .صارع خوفه مرة أخرى, تغلب عليه , دفع حمله تجاه الكتف الأيسر مرة أخرى وتمايل نزولا أسفل المنحدر . كان قعر الوادي مشبعا بالماء الذي أبقته الطحالب الكثيفة, الشبيهة بالإسفنج, قريبا من السطح . ومع كل خطوة تناثر الماء بشدة تحت قدميه, وكلما رفع قدما وصل صوت الامتصاص ذروته وكأن الطحلب الرطب يرخي قبضته عن الماء بلا رغبة. اختار طريقه من فسحة إلى فسحة وتبع خطوات الرجل الآخر عبر المنحدرات الصخرية والتي برزت مثل جزر صغيرة في بحر الطحالب .
ورغم أنه كان وحيدا, إلا أنه لم يكن ضائعا . ولاحقا عرف أنه سيصل شجيرات الصنوبر الميتة المحاذية لشاطئ بحيرة صغيرة , والمُسمّاة أرض العصي الصغيرة land of little sticks.  في لغة البلاد الأصلية . وتدفق إلى تلك البحيرة جدول صغير, لكن ماءه لم يكن مزبدا.كان هناك أعشاب على طول الجدول وهذا تذكره جيدا- لكن لم يكن هناك أي أشجار , وسوف يتبع هذا الجدول حتى يوقِف التفرع تدفقه وسيعبر من مكان التفرع إلى جدول آخر يجري إلى الغرب . والذي سيسير معه حتى يصب في نهر ديز river Dease وهنا سيجد ما خزَّنه تحت القارب المقلوب المغطى بالحجارة وسيكون في المخزون ذخيرة لبندقيته وخيوط وخطافات لصيد السمك وشبكة صغيرة – كل المعدات اللازمة لقتل والإمساك بالطعام وكذلك سيجد طحينا – ليس بالكثير – وقطعة من اللحم المقدد وبعض الفاصوليا .سيكون بيل بانتظاره هناك , وسَيُجدِّفان جنوبا أسفل نهر ديز إلى بحيرة الدب العظيم , والى الجنوب عبر البحيرة سيتجهان إلى أقصى الجنوب حتى نهر ما كنيزي the Mackenzie. والى الجنوب أكثر, سيتجهان إلى الجنوب , حيث يُسابقهما الشتاء بلا جدوى وتتشكل الدوامات الجليدية وتصبح الأيام أكثر برودة وجفافا , جنوبا حتى موقع شركة خليج هدسن الدافئ حيث الأشجار الطويلة الكريمة والطعام لا ينضب .
كانت تلك أفكار الرجل وهو يصارع للتقدم  . ولكن بمقدار قسوة صراعه مع جسده كان مقدار صراعه مع عقله محاولا التفكير بأن بيل لم يهجره وأنَّه سيكون بانتظاره عند المخزن بكل تأكيد . لقد كان مجبرا على التفكير بهذه الطريقة , وإلا لن تكون هناك أي فائدة للمقاومة ولارتمى على الأرض ومات . ومع غروب كرة الشمس الخافتة على مهل في الشمال الغربي , تذكر كل إنش في رحلته مع بيل إلى الجنوب قبل حلول الشتاء. وتَخيَّل الطعام المخزن تحت القارب وطعام مكتب خليج هدسن مرات عديدة , لم يأكل شيئا منذ يومين ولم يتناول كل ما أراده من الطعام منذ وقت أطول . وغالبا ما كان يقطف ثمار نبته أل  Muskeg الشاحبة ويضعها ويمضغها ويبتلعها وثمار أل Muskeg عبارة عن بذرة دقيقة مغلفة بقطرة من الماء, ينزلق الماء في الفم ويبقى المضغ الشديد والطعم المر للبذرة . عرف الرجل أنه لا قيمة غذائية في هذه الثمار ,لكنه مضغها بتأن فيه الأمل أكبر من المعرفة وتجربة التحدي .
في الساعة التاسعة ارتطم إصبع قدمه ببروز صخري فسقط على الأرض من شدة الإعياء والضعف . استلقى على جنبه لبعض الوقت بلا حراك . وانزَلَقَ من أربطة حِملِه وجر نفسه بتثاقل وبلاهة إلى وضعية الجلوس . وبوجود الضوء الخافت المتلاشي ببطء , تحسس وسط الصخور يحثا عن بقايا الطحلب الجاف , وعندما جمع كومة منها أشعل نارا خافتة كثيرة الدخان ووضع عليها علبة معدنية مليئة بالماء ليغليه .
فتح رزمته وأول شيء فعله كان عَد أعواد الثقاب. كان هناك 67 عودا , عدها ثلاث مرات ليتأكد , قسمها عدة أقسام ولف كل قسم منها بالورق الزيتي . وضع قسما منها في علبة التبغ الفارغة,وآخر في عصابة قبعته الرثة وثالثا تحت قميصه على الصدر  وعندما أتم ذلك , هبط عليه ذعر وفتح الأوراق كلها وعدها مرة أخرى , كانت لا تزال 67 عودا. جفَّفَ حذاءه المبلول بالنار. كان الخُفّان أشلاءً مبللة وكانت جواربه الثقيلة مثقوبة في عدة أماكن وقدميه متشققة وتنزف كان كاحله ينبض من شدة الألم , تفحصه . لقد تورم حتى أصبح بحجم ركبته. وقطع شريطا طويلا من إحدى بطانيته ولف كاحله بشدة . قطع أشرطة أخرى ولفها حول قدميه بدل الخف والجوارب . شرب الماء الساخن وعبأ ساعته ولف نفسه ببطانياته  .
نام كالميت, وحل الظلام قليلا في منتصف الليل ثم انتهى . أشرقت الشمس من الشمال الشرقي . على الأقل بدأ فجر النهار في ذلك الجزء من السماء لأن الغيوم الرمادية أخفت الشمس خلفها .
استيقظ في الساعة السادسة, كان مضطجعا بهدوء على ظهره. حدق إلى أعلى في الغيوم الرمادية وعرف أنه كان جائعا .
وعندما استدار على مرفقه ارتعد خوفا من صوت عال , رأى غزال يتفحصه بفضول وحذر ولم يكن الرنَّة يبعد أكثر من خمسين قدما . وعلى الفور قفزت إلى ذهن الرجل رؤيا وصوت لحم الرنَّة وهو يُقلى بالدُهن فوق النار.
وبحركة ميكانيكية وصل إلى البندقية الفارغة وسحب الطارق وضغط الزناد . صرخ الغزال وقفز بعيدا , كانت حوافرها تطقطق وتقرقع وهو هارب على النُتوءات الصخرية .شتم الرجل وألقى البندقية الفارغة عنه .أطلق صرخة الم وبدأ يجر نفسه على قدميه .كانت مهمة بطيئة مُجهِدة .كانت مفاصله كالمعادن الصدئة حيث تحركت بخشونة في أطرافها وباحتكاك شديد.وكل مد أوثني لها كان يتم بتركيز العزيمة .وعندما ضمن قدماه أخيرا . احتاج إلى دقيقة أو أكثر ليستقيم ,لينتصب كما يجب على الرجل أن يقف .
تسلق تلاً صغيراً ونظر حوله . لم تكن هناك أية أشجار ولا شجيرات  . لم يكن هناك سوى بحر من الطحالب الرمادية التي نادرا ما يفصلها بعض الصخور الرمادية والتجمعات المائية الرمادية والجداول الرمادية الصغيرة , كانت السماء رمادية ولم يكن هناك شمس ولا أثر للشمس . ولم يكن لديه أدنى فكرة عن مكان الشمال ونسي تماما كيف وصل إلى هذه البقعة في الليلة السابقة . لكنه لم يكن ضائعا . عرف ذلك . سرعان ما سيصل إلى أرض العصي الصغيرة , وشعر أنها تقع إلى اليسار في مكان ما ليس بعيدا . على الأرجح كانت فوق التل التالي المنخفض . عاد لرزم حمولته من أجل السير . طمأن نفسه بوجود الثلاث لفائف من أعواد الثقاب , رغم انه لم يتوقف ليعدها .لكنه توقف حائرا محاولا اتخاذ قرار حول ما سيفعل بخصوص كيس مصنوع من جلد الموظ squat moose-hide sack  . لم يكن كبيراً . كان باستطاعة إخفاءه بيديه . عرف أنه يَزِن خمسة عشر باونداً –نفس وزن باقي الرزمة – وهذا أقلقه . وضعها على أحد جانبيه وبدا في لف رزمته . توقف مرة أخرى ليحدق في حقيبة جلد الموظ التقطها بسرعة وفي عينيه نظرة تحدي لما حوله كما لو كان الفراغ سلبه إياها . وعندما نهض على قدميه كانت الحقيبة من ضمن رزمة الأشياء التي على ظهره . بدأ السير إلى اليسار متوقفا بين الحين والآخر لتناول ثمار أل .Muskeg تشنَّج كاحله واشتدَّت عَرجَتُه , لكن ألمه لم يكن يذكر مقارنة بألم معدته , كانت نوبات الجوع حادة , عضه الألم وعضه حتى أنه لم يعد قادرا على المحافظة على اتزانه العقلي لمعرفة الطريق التي يجب أن يسلكها ليصل إلى أرض العصي الصغيرة . لم تخفف ثمار المسكج من عضات الألم , وفي نفس الوقت جعلت لسانه وسقف فمه مُرَّين بسبب مذاقها المزعج.
ارتقى أعلى الوادي حيث ارتفعت بعض طيور الدُرَّج تضرب أجنحتها من بين النتوءات الصخرية ونبات المسكج وأصدرت زعقا عاليا كركركر.رماها بالحجارة لكنه لم يصبها . وضع رزمته على الأرض وتسلل خلفها كما تفعل القطط مع طائر الدوري مزقت الصخور الحادة ساقي بنطاله وسال الدم من ركبتيه تاركا أثرا على الأرض ,ذاب ألم جرحه في ألم جوعه .
تلوّى فوق الطحالب الرطبة مبللا ملابسه مسببا البرد الشديد لجسده, لكنه لم يعِ ذلك بسبب رغبته المحمومة للطعام . واستمرت طيور الدرج في الارتفاع أمامه حتى أصبح صوت طيرانها –كركركر- كأنه سُخريةٌ منه . سبَّها وصرخ بصوت عالٍ متزامن مع صيحاتها .ومرة زحف فوق إحداها وكانت نائمة لكنه لم يرها حتى انطلقت في وجهه من مكمنها الصخري . قام بعملية إمساك, كسرعة ارتقاء طير الدرج. بقي في يده ثلاث من ريشات ذيلها . مَقَتَها بشدة وهو يراقب طيرانها, كما لو أنها ارتكبت خطأً فادحاً بحقه. ثم عاد إلى حيث ترك رزمته ورفعها على كتفه.
ومع تواصل النهار وصل إلى أودية حيث كانت اللعبة أكثر تواجداً. مرت مجموعة من غزلان الرنةعشرون أو أكثر – تتقافز في مرمى البندقية, شعر برغبة جامحة لمطاردتها , متأكداً أنه يستطيع مطاردتها . جاء ثعلب أسود باتجاهه , يحمل في فمه طائر دُرَّج . صاح الرجل . كانت صرخة مخيفة , لكن الثعلب – القافز بعيدا مرعوبالم يُسقِط الطائر من فمه .
في المساء , تبع جدولاً مُزبِداً بالكلس تدفق متخللا بقع الأعشاب البَصَليَّة المتناثرة جاذبا تلك الأعشاب للأعلى , قام بسحب ما بداله انه رؤوس بصل لم يزد حجمها عن دبوس الورق , كانت طرية وغاصت فيها أسنانه بطريقة أمَّلته بطعام لذيذ .لكن الألياف كانت قاسية. كانت مُكَونةً من فتائل خيطية مُشبَعة بالماء مثل بذور المسكج,   وخالية من المواد المغذية. ألقى رزمته وذهب إلى الأعشاب البصلية على يديه وركبتيه يمضغ ويطحن مثل مخلوق مجنون.
كان شديد التعب -وغالبا ما تمنى لو يرتاح – أن يستلقي وينام. لكنه كان مَسوقاً بشكل حثيثليس رغبة منه في الوصول إلى أرض العصي الصغيرة, لكنه يقوده جوعه. بحث في البِرك الصغيرة عن ضفادع وحفر الأرض بأظافره بحثا عن الديدان , رغم معرفته بعدم وجود ضفادع ولا ديدان في الشمال البعيد , نظر في كل بركة ماء لكن بلا جدوى .
ومع حلول الظلام اكتشف سمكة وحيدة صغيرة, بحجم سمكة minnow ,في إحدى البرك . أدخل كامل ذراعه حتى الكتف في البركة , لكن السمكة أفلتت من قبضته , وصل إليها بكلتا يديه , وأثار الطين الأبيض في القاع . وفي غمرة انفعاله سقط في الماء مبللا نفسه حتى خصره. كان الماء شديد الكدر بحيث لا يمكن رؤية السمكة وأجبر على الانتظار حتى يَتَرسَّب الكدر مرة أخرى .
تجددت المطاردة , حتى تكدر الماء مرة أخرى , لكنه لم يستطع الانتظار .فك الدلو المعدني وبدأ ينضح البركة. في البداية نضح الماء بجنون ناثراً الماء على نفسه وقاذفاً به إلى مسافة قريبة, جعلته يسيل عائداً إلى البركة.
عمل بحذر أكبر محاولاً أن يهدأ , رغم أن قلبه يضرب بشدة في صدره ويداه كانتا ترتعشان. وبعد مرور نصف ساعة كانت البركة جافة تقريباً . ولم يبقى فيها ما يملئ كوباً . ولم تكن هنالك سمكة . وجد شقاً صخرياً مَخيِّفاً وسط الحجارة  استطاعت السمكة  أن تهرب منه إلى بحيرة اكبر مجاورة لها – بركة لن يستطيع تفريغها في يوم وليلة . لو عرف بوجود هذا الشق لكان أغلقه بحجر منذ البداية , ولأصبحت السمكة بين يديه .
فكَّر وانهار وغرق فوق الأرض المبللة . في البداية بكى لنفسه بصوت خفيض ثم بكى بصوت عالٍ على تلك القفار الموحشة العديمة الشفقة التي أحاطته إحاطة السوار بالمعصم, واستمر يتَنَشَّغُ بعد ذلك لوقت طويل  .أشعل ناراً ودفء نفسه بشرب كمياتٍ من الماء الساخن, وأقام مخيمه على بروز صخري بنفس الطريقة التي عملها في الليلة الفائتة . وكان آخر شيء قام به هو التأكد من جفاف عيدان الثقاب , وإدارة برغي ساعته , كانت بطانياته مبللة ولزجة .نَبَضَ كاحله من شدة الألم . ولكنه ما عرف فقط أنه كان جائعا ,وفي نومه القَلِق حلم بالموائد والحفلات والطعام المقدم فيها بكل الطرق المُتَخيَّلة . استفاق بردانا ومريضا .ولم يكن هناك شمس , وأصبح اللون الرمادي الذي غطى الأرض والسماء أكثر كثافة وعمقا . كانت الرياح الجافة تعصف,وأول الثلج الساقط لوَّن التلال بالأبيض .وفيما قام بإشعال النار وغلي المزيد من الماء ,أصبح الهواء أكثر كثافة وبياضا .كان ثلجاً رطباً, نصف مطر ,وكانت رقائق الثلج كبيرة ومُشبعة بالماء.في البداية كانت تذوب حال ملامستها الأرض .لكن بسقوط المزيد منها غطت الأرض ,مطفئة النار ومفسدة مئونتها من الطحالب الجافة .
كانت هذه إشارة له ليحزم حمولته ويمضي قُدُماً, لم يعرف إلى أين .لم يكن مهتما بأرض العصي الصغيرة ولا ببيل ومخزون الطعام الموجود تحت القارب بجانب نهر ديز . كان يستحوذ عليه الفعل يأكل .كان جائعا حد الجنون لم يعر اهتماما للطريق الذي سلكه .حتى لو قاده إلى بطون الأودية.تحسس طريقة وسط الثلوج الرطبة للوصول إلى ثمار المسكج الممتلئة بالماء .وكان يتحسس الأرض ليقتلع الأعشاب البصلية المتناثرة من جذورها . لكنها كانت بلا طعم ولم تكن مُرضِيَة له . وجد أعشابا طفيلية ذات مذاق حامض أكل كل ما استطاع إيجاده منها ,والذي لم يكن كثيرا ,لأنها كانت تنمو زحفا , ولذلك يسهل اختفاءها تحت بضعة إنشات من الثلج .
لم يشعل النار تلك الليلة ,ولذا لم يكن هناك ماء ساخن . وزحف تحت بطانيته ليُنيم النوم الذي عزَّ بسبب الجوع .تحول الثلج إلى مطر بارد . واستيقظ مرات عديدة بعد إحساسه به ساقطاً على وجهه .طلع النهار – يوم رمادي بلا شمس .توقف المطر .غادره إلحاح الجوع .وحواسه- فيما يخص رغبته في الطعام تعطلت. كان هناك ألم أبله ثقيل في معدته ,لكنه لم يزعجه كثيرا . كان أكثر تَعَقُلاً ,ومرة أخرى عاوده اهتمامه بأرض العصي الصغيرة والمخزون الصغير بجانب نهر ديز .مزق بقايا إحدى بطانياته إلى شرائح ولف بها قدميه النازفتين. ودلَّك كاحله كذلك وأَعدَّ نفسه ليوم من السفر .وعندما جاء دور رزمته ,توقف طويلا عند الكيس المصنوع من جلد الموظ , لكن حمله معه في النهاية.
 ذاب الثلج تحت المطر ولم يبقى من بياضه إلا رؤوس التلال.بزغت الشمس, ونجح في تحديد نقاط البوصلة, رغم معرفته أنه كان ضائعا.ربما أنه انحرف بعيدا أثناء تجواله في الأيام السابقة,إلى اليسار.مال الآن إلى اليمين ليُعدِّل الانحراف المحتمل عن مساره الصحيح .
رغم أن عضات الجوع لم تكن شديدة  الإلحاح, إلا أنه أدرك انه كان ضعيفا. كان مُجبَراً على التوقف لاستراحات متكررة ليهاجم ثمار المسكج والأعشاب البصلية . شعر أن لسانه جافا وضخما , كما لو كان مغطى بنمو شَعَري ناعم وأحس بالمرارة في فمه . سبَّبَ له قلبه كثيراً من الاضطراب. وعندما مشى لعدة دقائق بدأ بضرباته القاسية , ثم يقفز إلى أعلى بضربات مُهتاجة مؤلمة أدت إلى شعوره بالاختناق والإغماء والدوار .
في منتصف النهار وجد سمكتي minnows صغيرتين في بركة كبيرة .كان يستحيل عليه أن ينضحها ,لكنه كان أكثر هدوء الآن واستطاع أن يمسكهما بدلوه المعدني . لم تكونا اكبر من إصبعه الصغير , لكنه لم يكن جائعا كثيرا , الألم في معدته غدا أكثر بلهاً وإعياءً .بدا الأمر وكان معدته غطَّت في غفوة تقريباً. أكل السمكة نيئة ,طاحنا إياها بحذرٍ مصطنع ,لان الأكل كان سلوكا عقلياً صرفاً .ورغم عدم رغبته في الأكل , إلا أنَّه عرف انه يجب أن يأكل ليعيش. في المساء أمسك ثلاث سمكات صغيرة أخرى , أكل اثنتين وأبقى الثالثة للإفطار. جففت الشمس أشلاء من الطحالب , فكان قادرا على تدفئة نفسه بالماء الساخن .لم يستطع السير أكثر من عشرة أميال ذلك اليوم .في اليوم التالي تحكَّم قلبه بسيره ,ولم يسافر أكثر من خمسة أميال .لكن معدته لم تسبب له أدنى مشكلة ,لقد غطَّت في النوم .كان في ارض غريبة , وازداد عدد غزلان الرنَّة ,وكذلك الذئاب .وغالبا ما تردد عواءها في الخواء ,مرة رأى ثلاثة منها تتسلل بعيداً في طريقه.
ليلة أخرى , وفي الصباح كان أكثر تَعَقُلاً, فك خيط الجلد الذي كان يثبت كيس الجلد . ومن فمه المفتوح سكب تبر الذهب وقطعه الخشنة . قسم الذهب عشوائيا إلى قسمين , واضعا قسما على نتوء صخري بارز ولفه في قطعة بطانية وأعاد القسم الآخر إلى الكيس الجلدي . كما بدأ باستخدام أشرطة من البطانية المتبقية لقدميه . بقي متمسكاً ببندقيته , وذلك لوجود طلقات لها في المخزن الصغير بجانب نهر ديز . كان هذا يوما يلفه الضباب, وفي هذا اليوم استيقظ جوعه ثانيةً . كان ضعيفا وابتُلي بدوار أعماه عدة مرات . لم يكن أمر تعثره المستمر وسقوطه غريباً الآن ,وفي إحدى عثراته سقط في عش دُرَّج . كان هناك أربعة أفراخ فقست حديثا , عمرها يوم – بقع صغيرة تنبض بالحياة لم تزد عن ملئ الفم . التهمها بضراوة, دافعا إياها إلى فمه حية طاحنا إياها كقشر البيض بين أسنانه . كانت أم الأفراخ تتخبط حوله مهتاجةً . استخدم بندقيته هراوة لضربها ,لكنها راوغت وابتعدت . ضربها بالحجارة . وإحدى الضربات أصابتها بالصدفة وكسرت جناحها . ثم ركضت بعيدا وهي مهتاجة , تتعكز على الجناح المكسور , وهو في إثرها .
لم تكن الأفراخ أكثر من فاتح لشهيته. كان يقفز وينزل على كاحله الجريح بشكل أخرق , قاذفا إياها بالحجارة وصارخا عليها حينا , وصامتا حينا آخر, رافعا نفسه بشق الأنفس عندما يسقط , أو فاركاً عينيه بيده عندما يهدده الدوار بسلبه قواه .
قادته المطاردة إلى ارض سبخة في قاع الوادي , ومر على آثار أقدامٍ فوق الطحالب الرطبة . لم تكن آثار أقدامه – استطاع إدراك ذلك . لابد أنها أقدام بيل . لكنه لم يستطيع التوقف لان أم الأفراخ كانت تركض أمامه . سيمسك بها أولا ثم سيعود ليتحقق . أنهك أم الأفراخ ,لكنه أنهك نفسه . ارتمت تلهث على جنبها . وارتمى هو أيضا على جنبه لاهثاً , بعيداً عدة أقدام , غير قادر على الزحف إليها . وحالما تعافى , تعافت هي , مبتعدة عن مدى يده الجائعة الممتدة إليها . واستؤنفت المطاردة . هبط الليل وهربت أم الأفراخ .تعثَّر من شدة الضعف وتهاوى إلى الأمام مع ثقل رزمته على ظهره , جارحا وجنتيه . لم يتحرك لمدة طويلة , ثم تدحرج على جانبه ,أدار ساعته واستلقى هناك حتى الصباح .
يوم ضبابي آخر . ذهب نصف بطانيته الأخيرة أربطة لقدميه . فشل في تتبع أثار بيل . لم يهتم . كان مُنقاداً لجوعه , تساءل فقط إذا ما كان بيل ضائعا أيضا. بحلول منتصف النهار أصبح ضيقه بالرزمة على ظهره قاهراً . قسَّم الذهب مرة أخرى لكن هذه المرة سكب نصفه على الأرض . رمى بقيته في المساء , وبقي معه نصف بطانية والدلو المعدني والبندقية .
بدأت الهلوسة تسبب له المشاكل . شعر شعور الواثق أنَّه تبقّى طلقة في بندقيته كانت في حجرة البندقية , وتغاضى عنها. من ناحية أخرى , عرف طوال الوقت أن الحجرة كانت فارغة . لكن الهلوسة ألحت عليه , قاومها لساعات , ثم فتح البندقية ووجِه بفراغها . كانت خيبة الأمل مُرَّة كما لو أنَّه كان يتوقع أن يجد طلقة . تابع سيره لنصف ساعة , حتى عاودته الهلوسة. قاومها لكنها بقيت تُلِحُ عليه. وحتى يرتاح فتح بندقيته حتى لا يقتنع بالأمر . في أوقات يجول ذهنه بعيداً وتابع سيره بشكل آلي , كان الغرور الغريب والنزوات العابرة تقضم دماغه مثل دودة . لكن رحلاته خارج الواقع كانت ذات مُدَدٍ وجيزة, لان آلام  عضات الجوع أعادته للوعي . تأرجح مرة على غير المتوقع من إحدى تلك الشطحات لمنظر تسبب له بالغيبوبة تقريبا . دار وترنح واهنا كالثَّمِل حتى سقط . وقف أمامه حصان . حصان! لم يستطع تصديق عينيه . كان فيهما غشاوة سميكة , تخللها نقاط متألِّقة من الضوء . فرك عينيه بوحشية ليصفو بصره , لكنه رأى , ليس حصانا , لكن دب بني كبير . كان الحيوان يتفحصه بفضول عدائي .
أنزَلَ الرجل بندقيته نصف المسافة عن كتفه قبل أن يعود للوعي . خفضها وسحب سكينة الصيد من غمدها المزخرف المعلق على وركه . كان أمامه لحم وحياة . مر بإبهامه على نصل السكين . كان حاداً  وكان رأسها حاداً . سيُلقي بنفسه على الدب ويقتله. و لكن قَلّبه أطلق الإنذار . ثم تبع ذلك قفزة وحشية وهياج , وضَغطٌ  شديد على جبينه مثل عصابة حديدية , وزحف الدُوار إلى دماغه .
طردت موجة من الخوف شجاعته البائسة . ماذا لو هاجمه الحيوان وهو في حالة ضعف ؟ سحب نفسه إلى أعلى منتصبا ما استطاع, ممسكا السكين ومُحدِّقا بقسوة في الدب . تقدم الدب خطوتين بشكل غبي ثم انتصب وفتح مخرجا للرجل وصرخ مهددا على سبيل التجربة . لو هرب الرجل فسيلحق به , لكنه لم يفعللقد سيطرت على الرجل شجاعة الخوف . وصرخ هو أيضا بوحشية وفظاعة , صوت الخوف المتصل بالحياة في داخله المُلتَف على أعمق جذور الحياة . تنحى الدب جانباً , صارخاً مُهَدِداً ومذعوراً من هذا المخلوق الغامض الذي بدا منتصبا وغير خائف . لكن الرجل لم يتحرك . وقف كالتمثال حتى زال الخطر , ثم تحرك مترنحا وغاص في الطحالب الرطبة.
استجمع نفسه ومضى , خائفاً خوفاً جديداً . لم يكن خوفه ذلك الخوف السلبي من الموت جوعا , ولكن من أن يتحطم بعنف قبل أن يستنفذ الجوع آخر جزء من إرادته التي قادته للنجاة. كان هناك ذئاب . وكان عوائها ينحرف جيئة وذهابا في الأرض الخلاء ناسجا الهواء قماشا من التهديد المحسوس,  لدرجة انه وجد نفسه وذراعاه في الهواء ترده عنه كما لو كانت جدران خيمة طيَّرها الهواء.
وبين الفينة والأخرى تكرر مرور مجموعات ذئاب من اثنين أو ثلاثة في طريقة . لكنها ابتعدت بشكل واضح عنه , لأنها لم تكن بأعداد كافية لمهاجمته إضافة إلى أنها كانت تصطاد حيوانات الرنَّة التي لم تكن مقاتلة , بينما هذا المخلوق الغريب الماشي منتصباً قد يجرح أو يعض .
 لاحقا في المساء وصل إلى عظام مبعثرة حيث حصلت الذئاب على فريسة . كانت بقايا لصغير رنَّة , كان قبل ساعة يركض ويصرخ ألما ومليئا بالحياة . تأمَّل العظام , مُنظَّفة جيداً ولامعة , ولون الحياة الزهري لم يمت بعد فيها . هل يمكن أن يكون هو ذلك الهيكل قبل انقضاء النهار. هكذا الحياة, ها؟ شيء عابر فارغ . كانت الحياة هي المُسَبِبة للألم. لم يكن هناك أي ألم في الموت . أن تموت هو أن تنام . ومعناه التوقف , والراحة, إذن  لماذا لم يكن راغباً أن يموت ؟
لكنه لم يُعطِ تفسيراً أخلاقياً لذلك .كان مُقَرفِصا في الطحالب وفي فمه عظمة يُمَصمِص منها بقايا الحياة الزهرية التي كانت تصبغها . المذاق اللحمي , الباهت والمُنعدم تقريباً كان كالذكرى ,أصابه بالجنون .أطبق فكَّيه على العظام وكسَّر , أحيانا كانت تتكسر العظمة وأحيانا أخرى أسنانه .حطم العظام على الصخور ثم طحنها إلى مسحوق وسفَّها. وفي تلك العجالة سحق أصابعه أيضا ,إلا انه ولدقيقة شعر بالدهشة لحقيقة أن أصابعه لم تؤلمه عندما حُشِرت  تحت الصخور الساقطة عليها .
جاءت أيام مرعبة من الثلج والمطر .لم يعرف متى أقام مخيما ومتى  فكَّكه . المسافات التي سافرها ليلاً في كانت كالمسافات التي سافرها نهاراً . كان يستريح حيث يسقط ,ويزحف عندما تلمع شرارة في حياته المتهالكة وتحترق خافتة . ما عاد يقاوم مثل إنسان .لقد كانت الحياة غير الراغبة بالموت في داخله هي ما دفعه قُدُماً .لم يعانِ , كانت أعصابه متوترة وبليدة ودماغه  ممتلئة بالرؤى الغريبة والأحلام اللذيذة.
وعندما انتهى من مضغ ومص عظام صغير الرنَّة المُهشَّمة , جمع ما تبقَّى منها وحملها معه . لم يعد يعبر التلال والهضاب , ولكن وبشكل آلي تبع جدولا كبيراً متدفقاً في وادٍ ضحل واسع . لم يرَ الجدول ولا الوادي . لم ير شيئا سوى الأوهام. مشى أو زحف جسداً وروحا , جنباً إلى جنب , منفصلين إلا أن خيطاً رفيعاً ربطهما معا .
استيقظ عقله الواعي , وهو مُستلقٍ على ظهره على حافة صخرية. كانت الشمس مشرقة ودافئة , سمع في البعيد صرخات عجول الرنَّة . كان واعيا لذكريات غامضة حول أمطار ورياح وثلوج , لكن لم يدري إن كانت العاصفة حصرته يومين أو أسبوع . استلقى لبعض الوقت بلا حراك , يتدفق عليه شعاع الشمس اللطيف ويمتص جسده البائس بالدفء. يوم جميل فكَّر في نفسه . ربما يستطيع تحديد موقعه. وببطء, بسبب وهنه الشديد وتشنجه, قَلَبَ نفسه على جنبه . أسفل منه جرى نهر عريض مترنحا . حيَّره عدم تذكره للنهر ,وببطء تبعه بعينيه , متعرجا في مساحات واسعة وسط تلال باردة قاحلة , أكثر برودة وقحلا من أي تلال منخفضة رآها حتى الآن. وببطء وسبق إصرار ولا مبالاة تبع مجرى الجدول الغريب نحو الخط السماوي ورآه يصب في بحر مشرق متلألئ . بقي غير مبالٍ . غير عادي , تأمَّل قليلا , رؤيا أم وهم على الأرجح رؤيا , وهمٌ من عقله المضطرب تأكّد من ذلك  عند رؤية سفينة راسية وسط البحر المشرق  . أغلق عينيه لبرهة , ثم فتحهما . استغرب كيف تلح عليه الرؤيا ! ليس غريبا عرف أنَّه ليس هناك بحار ولا سفن في قلب الأراضي القاحلة , تماما كما عرف أنه لم يكن هناك طلقة في بندقيته الفارغة .
سمع حشرجة خلفهلهاث أو سعال نصف مُختَنِق . ولشدة ضعفه وتشنجه تدحرج ببطء شديد على جانبه . لم يستطع رؤية شيء قريب , ولكنه انتظر بصبر . ومرة أخرى جاء الصوت من بين صخرتين ذواتا حواف متعرجة , لم تبعدا أكثر من عشرين قدماً عنه , رأى رأساً رمادياً لذئب . لم تكن الآذان المدببة شديدة الانتصاب كما رآها عند ذئاب أخرى , كانت العيون صغيرة مُحمَرَّة , والرأس ذابل متهالك مترنح كانت عيون الحيوان تَطرُف كثيراً في ضوء الشمس , وبدا مريضا . وفي اللحظة التي نظر إليه فيها سعل وتحشرج مرة أخرى على الأقل, كان هذا حقيقيا , واستدار إلى الجهة الأخرى علَّه يرى حقيقة العالم التي حُجِبت عنه بالهلوسة . لكن البحر بقي متلألئ في الأفق والسفينة تُرى بصعوبة . هل كانت حقيقة ؟ أغلق عينيه طويلا وفكر , ثم عرف السبب. لقد كان يسير شمالا شرقا و بعيدا عن تفرع نهر ديز ثم إلى وادي كوبرماين . كان هذا النهر المترنح العريض نهر كوبرماين . ذلك البحر المتلألئ كان المحيط القطبي . تلك سفينة لصيد الحيتان , انحرفت عن مسارها شرقا ,للشرق البعيد ,عن مصب نهر ماكينزي, وكانت راسية في خليج كورونيشن. تذكَّر خريطة شركة خليج هدسن التي رآها منذ مدة طويلة , وكان الأمر كله واضحا ومنطقيا له .
استند وركَّز اهتمامه على الشؤون المُستَجِدة . فكَّ لفائف البطانية , وكانت قدميه بلا شكل , قطع من اللحم النيئ . لقد ضاعت آخر بطانياته .كانت البندقية والسكينة مفقودتان . أضاع قبعته في مكان ما , وفي عصابتها مجموعة من أعواد الثقاب , لكن أعواد التي على صدره , المخبئة في علبة التبغ والورق الزيتي كانت جافة وآمنة , نظر لساعته . أشارت إلى الحادية عشر وما زالت تعمل مما يدل على أنه استمر في إدارة بُرغيِّها .
كان هادئاً ومتماسكاً .لم يشعر بالألم , رغم وهنه الشديد .لم يكن جائعا ولم يكن حتى التفكير بالطعام أمراً مُبهِجاً له , وكل ما يفعله كان مدفوعا بالعقل وحده. مزَّق ساقي بنطاله حتى الركبة ولفهما حول قدميه . بطريقة ما استطاع الاحتفاظ بدلوه المعدني .سيتناول بعض الماء الساخن قبل البدء بما تنبئ أنه سيكون رحلة مرعبة إلى السفينة .
كانت حركات بطيئة . ارتعش كشخص خائر القوى . عندما بدأ بجمع الطحالب الجافة , اكتشف أنه لا يستطيع النهوض على قدميه , حاول مرة أخرى وأخرى ثم أرضى نفسه بالزحف على يديه وركبتيه . مرة زحف قريبا من الذئب المريض. وبلا رغبة منه , جر الحيوان نفسه بعيدا عن طريقه , لاعقا أضلاعه بلسانٍ بالكاد يلتف .لاحظ الرجل أن لون اللسان لم يكن اللون الأحمر الصحي .لقد كان بُنِّياً مُصفرَّاً ومكسو بما يبدو أنه طبقة مخاطية نصف جافَّة. بعد شرب الماء الساخن وجد الرجل ,أنه يستطيع أن يقف , وحتى أن يمشي كما يفترض بالرجل المُحتَضِر أن يمشي . كان مجبراً على الاستراحة كل دقيقة أو أكثر . كانت خطواته خائرة وغير واثقة كخطوات الذئب الذي يتبعه. وعندما امتص السواد إشراق البحر , كان قد اقترب من البحر بما لا يزيد عن أربعة أميال ,. سمع طوال الليل سُعال الذئب المريض , وبين الفينة والأخرى كان يسمع صراخ عجول الرنة . كان توجد حية في كل ما حوله , لكنها كانت حياة قوية ,حية جداً وسليمة , وعرف أيضا أن الذئب المريض تعلق بدرب الرجل المريض آملا أن يموت الرجل أولا .في الصباح , عندما فتح عينيه , رآه يتفحصه بنظرات جائعة حزينة .وقف مُنكمشاً وذيله بين ساقيه مثل كلب محطَّمٍ بائس . كان يرتجف من رياح الصباح القارصة البرودة – وهرَّ بخِسةٍ عندما تحدث إليه الرجل بصوت أشبه بالهمس المتحشرج.
أشرقت الشمس ساطعة , طوال الصباح ترنَّح الرجل وسقط نحو البحر المشرق . كان الطقس مثالياً . لقد كان الصيف الهندي القصير للمرتفعات قد يدوم أسبوعا . وقد ينتهي غدا أو في اليوم الذي يليه .
   في المساء وصل الرجل إلى أثر . كان لرجل آخر , والذي لم يكن ماشيا وإنما جرَّ نفسه على أربع .ظنَّ الرجل أنه قد يكون بيل , لكنه ظنَّ بطريقة بلهاء ولا مبالية . لم يكن لديه أي فضول . في الحقيقة . غادرته الأحاسيس والعواطف . لم يعد عُرضة للألم . نامت أعصابه ومعدته .إلا أن الحياة التي كانت بداخله هي التي كانت تسوقه قُدُماً .كان الرجل واهنا ,لكنها رفضت أن تموت .و لأنها رفضت أن تموت بقي هو يأكل ثمار المسكج والأسماك الصغيرة وشرب الماء الساخن ونظر بعين الريبة إلى الذئب المريض.
تَبِعَ آثار الرجل الآخر الذي جرَّ نفسه على طول الدرب , وبعد قليل وصل إلى نهاية الأثر . القليل من العظام المجردة حديثة آثار أقدام ذئاب عديدة على الطحالب المبللة , رأى كيس جلد الموظ , توأم كيسه , وقد مُزِّق بأسنان حادة .
ورغم ثقل الوزن على أصابعه الواهنة , إلا أنه حمله . لقد حمله بيل حتى النهاية ها!ها! سيضحك على بيل . سينجو ويحمله معه إلى السفينة في البحر المتلألئ كانت سعادته ميتة متحشرجة , كنعيق غراب , وانضم إليه الذئب المريض بعواء كالنواح . توقف الرجل فجأة . كيف يمكنه أن يضحك على بيل إذا كانت تلك بقاياه, إذا كانت تلك العظام البيضاء المُحمرَّة النظيفة هي عظامه ؟ استدار مبتعدا . حسنا , لقد تخلّى عنه بيل , لكنه لن يأخذ الذهب ولن يمصمص عظام بيل. لكن بيل كان ليفعل لو كان الأمر معكوساً , فكَّر بذلك وهو يمضي مُترَنحاً . وصل إلى بركة ماء وعند توقفه للبحث عن السمك هز رأسه للخلف كمن لُسِع . لقد رأى صورة وجهه المُنعَكسة على صفحة الماء لقد كانت مرعبة لدرجة أيقظت فيه الإحساس مدة طويلة كافية ليُصاب بالصدمة. كان هناك ثلاث سمكات في البركة , والتي كانت كبيرة جدا لا يُمكن تفريغها  . وبعد عدة محاولات فاشلة للإمساك بها بدلوه المعدني , توقف . كان خائفا ,بسبب ضعفه الشديد , أن يسقط في البركة ويغرق . ولهذا السبب لم يكن واثقا من نفسه إن هو ركب النهر على واحدة من الجذوع المُنجرفة على طوله.
في ذلك اليوم قلَّص المسافة بينه وبين السفينة ثلاثة أميال, وفي اليوم التالي ميلين-لأنه كان يزحف كما فعل بيل , وفي نهاية اليوم الخامس وجد أن السفينة مازالت تبعد عنه سبعة أميال وأنه غير قادر حتى على التقدم ميل واحد في اليوم .
استمر الصيف الهندي , واستمر هو بالزحف والإعياء , والتدحرج,واستمر الذئب المريض بالسعال والحشرجة في أعقابه . أصبحت ركبتاه لحما نيئا كقدميه . ورغم أنه لفها بالقميص الذي على ظهره , إلا أنه ترك أثرا أحمرا خافه على الطحالب والحجارة . ومرة , عندما نظر إلى الخلف , رأى الذئب يلعق بنهم آثاره الدامية ورأى بوضوح ما قد تؤول إليه نهايته – إلا إذا – إلا إذا استطاع قتل الذئب .ثم بدأت مأساة وجود قاسية, كما كانت تحدث منذ الأزل- رجل مريض زاحف , ذئب مريض مترنح , كلا المخلوقين يجران رُفاتهما في أرض موحشة وكل منهما يطارد حياة الآخر .
لو كان الذئب سليما , لما أهمَّ الرجل كثيراً , ولكن فكرة أن يكون طعاما لحنجرة مُقزِزة ميتة كانت أمرا بلا طعم . كان متوترا , وبدأ عقله بالشرود مرة أخرى وبدأت الهلوسة تسبب له تعقيدات , وأصبحت لحظات الصفاء الذهني أكثر ندرة وأقصر وقتاً .
أوقِظَ مرة من إحدى إغماءاته على صوت حشرجة قريب من أذنه . قفز الذئب إلى الخلف مترنحا فاقداً اتزانه وساقطاً من ضعفه. كان أمرا سخيفا , لكنه لم يُثِره ولا حتى كان خائفاً . لقد تخطى ذلك . لكن عقله كان صافياً للحظة واضطجع وقيَّم الأمور . ولم تكن السفينة تبعد أكثر من أربعة أميال , واستطاع رؤيتها بوضوح عندما أزال الرطوبة عن عينيه , واستطاع رؤية الشراع الأبيض للقارب الصغير الذي كان يقطع ماء البحر المتلألئ. لكنه لن يستطيع أن يزحف الأميال الأربعة تلك . عرف ذلك , وكان هادئ الفكر . كان يعرف أنَّه لن يستطيع أن يزحف نصف ميل. إلا أنَّه أراد أن يعيش. كان من غير المنطق أن يموت بعد كل ما مرَّ به . طلب القَدَرُ منه كثيراً . وفي احتضاره رفض الموت. كان ذلك الجنون بعينه , ربما , لكن وهو في قبضة الموت تحدى الموت ورفض أن يموت .
أغلق عينيه وأدخل نفسه  في حذر لا متناه . جرَّ نفسه ليبقى فوق الضعف الخانق الذي التف مثل المد المتصاعد عبر كينونته . كان السكون المميت كالبحر الذي ارتفع أكثر وأكثر وأغرق وعيه قطعة قطعة  . أحيانا كان يغرق بالكامل ويسبح في الغياب مع صدمة التشكك , وأحيانا أخرى وبفعل كيمياء الروح الغريبة كان يجد مِزقَةَ إرادة تدفعه للخروج بطريقة أقوى .استلقى على ظهره بلا حراك , واستطاع أن يسمع اقتراب خطىً ببطء أكثر فأكثر وحشرجة الشهيق والزفير لِنَفَسِ الذئب المريض . اقترب أكثر , أكثر بكثير في زمن غير محدد , ولم يتحرك . كان عند أذنه . كان اللسان الجاف الخشن يخدش وجنتيه مثل ورق الزجاج . الأصابع مقوسة مثل المخالب , لكنها أغلقت على هواء فارغ , السرعة واليقين تحتاج القوة , والرجل لم يكن يمتلك هذه القوة .
كان صبر الذئب فظيعا . ولم يكن صبر الرجل أقل فظاعة . بقي لنصف يوم بلا حراك يصارع الغيبوبة وينتظر الشيء الذي من المفترض أن يتغذى عليه والذي بدوره تمنى أن ينقض عليه . كان بحر الغيبوبة يغمره أحيانا ويحلم فيه أحلاما طويلة , ولكن في أثناء الصحو والحلم , انتظر حشرجة النفس وملمس اللسان الخشن .
لم يسمع النَفَس . وانزلق ببطء من حلم ما ليشعر باللسان على يده . انتظر , ضغطت الأنياب بنعومة . ازداد الضغط , كان الذئب يفرغ آخر قوته في جهد كبير ليغرق أسنانه في الطعام الذي انتظره طويلا . لكن الرجل انتظر طويلا . أغلقت اليد الممزقة على الفك. وببطء وبينما كافح الذئب واهناً وأطبقت اليد بوهن , زحفت اليد الأخرى لتطبق على الذئب . وبعد مرور خمس دقائق كان كل وزن الرجل ملقى فوق الذئب . لم يكن لليدين قوة كافية لخنق الذئب , لكن وجه الرجل ضغط على حلّق الذئب , وكان فمه مليئا بالشعر . وبعد نهاية نصف الساعة كان الرجل واعياً لخيطٍ دافئ من الدم في حلّقه . لم يكن طعمه جيدا . كان  مثل رصاصٍ ذائب صُبَّ في معدته , وابتلعه بقوة إرادته فقط. وفيما بعد تدحرج الرجل ظهره ونام .
كان على سطح سفينة صيد الحيتان Redford  مجموعة من علماء بعثة علمية. ومن على سطح السفينة لمحوا شيئاً غريباً على الشاطئ . كان ينحدر عن الشاطئ نحو الماء . لم يستطيعوا تصنيفه , ولكونهم علماء فقد ركبوا قارب صيد الحيتان وذهبوا للشاطئ للتحقق . رأوا شيئاً حياً  ولكن بالكاد يمكن أن يُسمّى إنسان . كان أعمى وغائباً عن الوعي . تلوّى على الأرض مثل دودة وحشية . كانت معظم جهوده فاشلة , لكنه مُثابِر , تدحرج وتلوى ومضى قدما قاطعا عشرين قدماً في الساعة .
بعد ثلاثة أسابيع استلقى الرجل على سرير في سفينة صيد الحيتان Bedford واخبر العلماء عن نفسه و عما مر به ودموعه تنحدر على وجنتيه الغائرتين . وتمتم كذلك بكلامٍ غير مفهوم عن أُمِّه وجنوبيّ كاليفورنيا المُشمس وبيتٍ وسط  بيارات البرتقال والأزهار . ولم تمضي أيام عديدة حتى كان قادما على الجلوس مع العلماء وضباط السفينة الآخرين على مائدة الطعام . كان يبتسم عند رؤية كم الطعام الكبير على المائدة , كان يراقب الطعام بتوتر وهو يَدخل أفواه الآخرين . ومع اختفاء كل لقمة , كان تعبيرٌ عميقٌ بالأسى يظهر في عينيه . كان في كامل وعيه وعقله , إلا أنه كان يكره الرجال عند مائدة الطعام . وكان مسكوناً برعب نُضوب الطعام . وكان دائم السؤال للطاهي ومساعد القبطان حول مخزون الطعام . طمأنوه مرات لا حصر لها , لكنه لم يستطع تصديقهم وكان يختلس النظر بدهاء في المخزن ليتأكد من كلامهم بأُم عينه . لوحظ على الرجل أنه يزداد سُمنةً . وكان يسمن أكثر فأكثر كل يوم . هَزَّ العلماء رؤوسهم ووضعوا نظريات. حَددوا وجبات الرجل , لكن نموه استمر بالزيادة وتورم بطنه بشكل مفاجئ.
تبسَّم البحارة , عرفوا الأمر . وعندما راقبه العلماء عرفوا هم أيضا . رأوه يمد جسمه إلى الأمام كالمتسول ويده مفتوحة , كما قال أحد البحارة . تبسَّم البحار وأعطاه قليلا من بسكويت البحارة. أطبق عليها بجشع شديد كنظر البخيل للذهب , ثم أخفاها تحت قميصه . وكان الحال كذلك بالنسبة لتبرعات البحارة الآخرين.
كان العلماء حذرين . تركوه لوحده . لكنهم تفحصوا سريره بالسر . كان مليئا بالمواد الصلبة . لقد كان بكامل قواه العقلية . يأخذ احتياطات لاحتمال وقوع مجاعة أخرى – هذا كل ما في الأمر . سيشفى منها , قال العلماء , وقد حصل , حالما انحدرت مرساة السفينة  Bedford في مرفأ سان فرانسيسكو.

جاك لندن 1876-1916
  *     من أنجح الكُتّاب الأمريكيين في بدايات القرن العشرين. عانى الكثير من المصاعب وأغلب كتاباته عن تجارب ومعرفة شخصية للأماكن والبيئات التي كتب عنها. كتب عن العلاقات بين البشر والحيوانات والبشر والطبيعة القاسية. من أشهر مؤلفاته روايات نداء البراري والناب الأبيض وذئب البحار.
·        المصادر  
www. sunsite.berkeley.edu

اقرأ أيضاً على حبيبتنا

أنشودة العرب، شعر: علي طه النوباني  

بنما دولة بعيدة... ومُشوِّقة جدا  

الأزمة الاقتصادية، ومصالح الطبقات  

قراءة في رواية دموع فينيس لعلي طه النوباني  

عَهْدُ فلسطين - عهد التميمي  

كذبة نيسان  

الشوكُ جميلٌ أيضا  

«مدينة الثقافة الأردنية».. مراجعة التجربة لتعزيز الإيجابيات وتلافي السلبيات  

المشنقة  

البيطرة  

قصة نظرة  

عملية صغرى  

سيجارة على الرصيف  

بالشوكة والسكين والقلم  

نهاية التاريخ؟ مقالة فرانسيس فوكوياما  

الدولة العربية الإسلامية / الدولة والدين/ بحث في التاريخ والمفاهيم  

شهامة فارس  

جذورالحَنَق الإسلامي برنارد لويس  

صِدام الجهل : مقالة إدوارد سعيد  

صدام الحضارات؟ صموئيل هنتنغتون 

الفضائيات والشعر  

كأسٌ آخرُ من بيروت 

عمّان في الرواية العربية في الأردن": جهد أكاديمي ثري يثير تساؤلات 

تشكّل الذوات المستلبة  

مشهد القصة بين الريف والمدينة  

وحدة الوجدان والضمير  

«المنجل والمذراة».. استبطان الداخل  

دور المثقف والخطاب العام  

جرش: حديث الجبال والكروم  

في شرفة المعنى 

المثاقفة والمنهج في النقد الأدبي لإبراهيم خليل دعوة للمراجعة وتصحيح المسيرة  

!!صديق صهيوني  

عنترُ ودائرةُ النحس  

فجر المدينة  

مقامة الأعراب في زمن الخراب  

دورة تشرين 

الغرفُ العليا  

الصيف الأصفر  

حب الحياة: جاك لندن 

قصة ساعة كيت تشوبن 

قل نعم، قصة : توبايس وولف 

معزوفة الورد والكستناء  

منظومة القيم في مسلسل "شيخ العرب همام"  

ملامح الرؤية بين الواقعية النقدية والتأمّل  

الرؤية الفكرية في مسلسل «التغريبة الفلسطينية»  

"أساليب الشعريّة المعاصرة" لصلاح فضل - مثاقفة معقولة  

كهرباء في جسد الغابة  

جامعو الدوائر الصفراء  

صَبيَّةٌ من جدارا اسمُها حوران  

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق